في مقاله المنشور مؤخرًا في مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية تحت عنوان “The World Keeps Asking Iran the Wrong Question” (العالم ما ينفك عن طرح السؤال الخطأ على إيران)، يقول الكاتب علي هاشم إن السؤال الذي شكّل محور معظم التحليلات الجادة لإيران خلال نصف القرن الماضي هو: ماذا تريد الجمهورية الإسلامية؟ وهو سؤال وجيه، لكنه ليس السؤال الصحيح. فالجمهورية الإسلامية لا يتجاوز عمرها 47 عامًا، بينما يبلغ عمر إيران، ككيان سياسي حديث متماسك، خمسة قرون. وقد أدى الخلط بينهما إلى ما يقارب نصف قرن من السياسات الأمريكية الفاشلة وانهيار الاتفاقيات. [[1]]
والسؤال الأكثر جدوى، حقيقةً، هو: ماذا تريد إيران؟ ليس هذه الحكومة، ولا هذا المرشد الأعلى، بل الدولة التي تشكلت رؤيتها الاستراتيجية قبل الثورة بزمن طويل، وصمدت أمام كل تغيير في الأنظمة منذ ذلك الحين. فقد عمل الصفويون والقاجاريون والبهلويون ورجال الجمهورية الإسلامية انطلاقًا من الإرث الجغرافي والتاريخي نفسه. ورغم تغير الحكومات، فإن المنطق لم يتغير.
وتحيط بالهضبة الإيرانية جبال زاغروس من الغرب وجبال البرز من الشمال، وتخترقها بعض من أقسى صحاري العالم، وتقع عند ملتقى آسيا الوسطى وجنوب آسيا والشرق الأوسط. وقد اضطرت كل إمبراطورية برية كبرى إلى التعامل مع تلك الأراضي المرتفعة، كما اضطرت كل قوة بحرية تطمح إلى السيطرة على المحيط الهندي إلى التعامل مع مضيق هرمز في الطرف الجنوبي لتلك الهضبة.
ويتجلى هذا المنطق بوضوح في الوقت الحاضر في مضيق هرمز، إذ يمر عبره ما يقارب خُمس إمدادات النفط العالمية. وعندما اتخذت إيران إجراءات لتقييد المرور في بداية حرب 2026، تفاعلت أسواق الطاقة حتى قبل إيقاف ناقلة نفط واحدة. فدولة لا تمتلك أسلحة نووية ولا جيشًا تقليديًا قادرًا على مواجهة الولايات المتحدة، لا تزال قادرة على التأثير في الأسواق العالمية بفضل موقعها الجغرافي. وهذا إرث جغرافي لا يزول بتغير الحكومات.
وثمة ثلاث قناعات تهيمن على السلوك الاستراتيجي الإيراني، بغض النظر عمن يمسك زمام السلطة.
أولاها أن الضعف يغري بالتدخل. فقد جرّدت معاهدة غوليستان عام 1813 ومعاهدة تركمانجاي عام 1828 إيران من أراضيها في القوقاز. وقسمت الاتفاقية الأنجلو-روسية لعام 1907 البلاد إلى مناطق نفوذ دون استشارة المسؤولين الإيرانيين. وقد اعتبرت كل حكومة إيرانية منذ ذلك الحين تلك الأحداث بمثابة تحذير بنيوي؛ فأي دولة عاجزة عن فرض الردع ستجد سيادتها تُدار من الخارج. وليس البرنامج النووي اليوم، والمحور الإقليمي، وترسانة الصواريخ، سوى استجابة لهذا التحذير.
أما القناعة الثانية فهي أن السيادة غير قابلة للتفاوض. فلم تكن ثورة التبغ في أوائل تسعينيات القرن التاسع عشر، ولا تأميم شركة النفط الأنجلو-إيرانية عام 1951، أحداثًا معزولة، بل كانا تعبيرًا عن رد فعل متكرر عبر العصور المختلفة. وقد لخّصت برقية دبلوماسية أمريكية عام 1976، وجهها السفير الأمريكي في إيران ريتشارد هيلمز إلى وزير الخارجية هنري كيسنجر، هذا الأمر بدقة، إذ أشارت إلى أن التوتر النووي قائم بسبب «عدم رغبة إيران في القبول بأي تدخل خارجي قد ينتقص من سيادتها». وقد ترددت هذه الفكرة في جميع جولات المفاوضات النووية في أعوام 2015 و2021 و2026.
أما القناعة الثالثة، وهي الأكثر تعرضًا للتجاهل، فتتمثل في أن إيران لا تعتبر نفسها مجرد قوة إقليمية. إذ تُصوَّر ثورة 1979 عادةً من منظور إقليمي يقوم على فكرة تمكين الحركات السياسية الشيعية، وإعادة تنظيم الأمن في الخليج، وبروز الإسلام السياسي بوصفه قوة حاكمة.
لكن الحقيقة أن الأثر المباشر لتلك الثورة كان عالميًا. فقد أعلن المرشد الأعلى السابق آية الله روح الله الخميني أنه سيصدر الثورة إلى أرجاء العالم الأربعة، وكان جادًا في ذلك. وفي غضون عام واحد، تحولت إيران من أحد أهم الشركاء الاستراتيجيين لواشنطن إلى دولة تسعى إلى شق طريق ثالث بين القوتين العظميين.
وقد غيرت أزمة الرهائن السياسة الداخلية الأمريكية لجيل كامل. كما استقطبت الحرب الإيرانية العراقية أجهزة الاستخبارات والصناعات العسكرية لدى القوتين العظميين ومعظم الدول الأوروبية. وانتهى المطاف بطائرات «شاهد» الإيرانية المسيّرة إلى أن تصبح عنصرًا بارزًا وفاعلًا في حرب أوروبية. كما تطور الصراع في عام 2026 إلى اضطراب واسع في أسواق الطاقة العالمية وتعطل تأمين الشحن عبر العديد من الطرق البحرية.
وقد يبدو توجه الشاه نحو الغرب في السابق خروجًا عن هذا النمط، لكنه لم يكن كذلك. فقد سعى إلى امتلاك القدرة النووية بالمنطق نفسه الذي اتبعته الجمهورية الإسلامية، كما سعى إلى إقامة شراكة عسكرية مع إسرائيل. وعندما ضغطت واشنطن من أجل الحصول على ضمانات نووية تتضمن رقابة خارجية، قاوم الشاه ذلك، لا بدافع أيديولوجي، بل لأن قبول هذه الرقابة كان سيؤكد وضعًا تابعًا لم يقبله أي حاكم إيراني عبر العصور.
ويتجلى النمط نفسه اليوم. ففي محادثات باكستان، أوضح المرشد الأعلى مجتبى خامنئي للمسؤولين الحاضرين أن إيران لن تتفاوض وفق شروط يفرضها الآخرون. وقد دخلت واشنطن وتل أبيب حرب 2026 وهما تسعيان إلى احتواء البرنامج النووي والقدرة الصاروخية والمحور الإقليمي، لكن إيران وسعت نطاق المواجهة. وعندما بلغ الضغط العسكري حدًا معينًا، أغلقت طهران مضيق هرمز، محولةً المواجهة إلى أزمة اقتصادية عالمية. وفي كل مرة تحاول فيها واشنطن فرض قواعد اللعبة، تعمد طهران إلى تغيير تلك القواعد.
لقد جربت واشنطن العقوبات الشاملة، والعقوبات الموجهة، وحملات الاغتيال، والحرب السيبرانية، ودعم الوكلاء، والعمليات العسكرية المباشرة، لكن أيا من هذه الأدوات لم يحقق التحول الاستراتيجي الموعود. بل أسهم في تسريع وتيرة التطور النووي، وتوسيع المحور الإقليمي، وتعزيز قوة النظام السياسي وشرعيته.
لقد أمضى كيسنجر سنوات في إدارة حرب فيتنام قبل أن يستنتج أن الفيتناميين الشماليين كانوا يقاتلون من أجل شيء مختلف تمامًا عما افترضه، ألا وهو الوقت والصمود والتآكل التدريجي للإرادة السياسية الأمريكية. وتعمل طهران وفق المنطق نفسه. فإيران لا تسعى إلى الفوز في هذه الجولة، بل إلى البقاء في الساحة الدولية إلى أن تحتاج الولايات المتحدة إلى مخرج من الأزمة التي ورطت نفسها فيها، بعد أن امتد أثرها إلى أسواق النفط والشحن وسلاسل التوريد والاقتصادات المعتمدة على استقرار الخليج.
وفي ختام مقاله، يقول هاشم إن أي ترتيب يوفر ضمانات أمنية حقيقية، ويعامل إيران باعتبارها طرفًا له مصالح ردع مشروعة، ولا يُلزمها بقبول وضع التبعية، ستكون لديه فرصة للصمود. أما أي ترتيب يُلزم إيران بقبول شروط رفضتها في كل قرن من تاريخها الحديث فلن ينجح، بغض النظر عن الجهة الموجودة في سدة الحكم، لأن أي حكومة إيرانية لا تستطيع الاستجابة لما يتعارض مع المنطق الاستراتيجي التاريخي لهذا البلد.
[[1]]https://foreignpolicy.com/2026/05/19/iran-politics-strategy-war-sanctions-hormuz/



