في مقالها المنشور حديثًا في صحيفة «الغارديان» البريطانية تحت عنوان: “AI is Devoid of Meaning and Humanity. That’s Why Its Vapid Voice Suits This Political Moment” (الذكاء الاصطناعي مُجرَّد من المعنى والإنسانية، ولهذا السبب يُناسب صوته الباهت هذه اللحظة السياسية)، تنقل كاتبة العمود نسرين مالك اعتراف الكاتب ستيفن روزنباوم، الذي وقع ضحية الاعتماد على الذكاء الاصطناعي كشريك بحثي في أحد مؤلفاته، بأن مخرجات الذكاء الاصطناعي كانت أحيانًا «خاطئة على نحوٍ مذهل»، وتسببت في أكثر من ستة اقتباسات منسوبة خطأً أو مختلقة. [[1]]
وتشير مالك إلى أنها، كلما طالعت مقالًا أو تقريرًا صحفيًا وقع كاتبه ضحية اقتباسات مزيفة ولّدها الذكاء الاصطناعي أثناء بحثه، دعت الله أن يحفظها من الوقوع في المأزق ذاته، فلولا لطفه لكانت في مكان ذلك الكاتب.
وتردف بأن حذرها الشديد وارتيابها من الذكاء الاصطناعي لا يرجعان فقط إلى كونه أداة بحث محفوفة بالمخاطر وغير موثوقة، بل لأنه أيضًا صوت ونبرة وإيقاع. فلغة الذكاء الاصطناعي تطاردها أثناء تعاملها مع خدمات العملاء، وخلال قراءتها لمنشورات وسائل التواصل الاجتماعي، وحتى في البيانات الصحفية. بل إنها- وهي تكتب هذه السطور – يساورها القلق من أن تبدو كلماتها شبيهة بكلمات الذكاء الاصطناعي. فالكتابة، بحسب رأيها، ليست مجرد التعبير عن الأفكار بالكلمات ضمن أسلوب معين، سواء أكان تحليلًا أم أدبًا روائيًا أم سردًا قصصيًا؛ وإنما هي نتاج الكيمياء الفريدة التي يصوغ بها الكاتب فكرته، انطلاقًا من بصمته الخاصة. وهي ترتبط بطريقة عمل دماغه، والخصائص التي اكتسبها عبر الزمن، وآرائه السياسية، وتاريخه الشخصي، وعلاقاته، ونظرته إلى العالم.
ويمكن اليوم إنتاج ألف كتاب باستخدام الذكاء الاصطناعي، لكن لا يمكن خلق كاتب أيقوني جديد؛ فأقصى ما يستطيع الذكاء الاصطناعي فعله هو الاستفادة من الأساليب الموجودة بالفعل. إنه قادر على الاشتقاق، لا على الإبداع.
وثمة خوف آخر من الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي يتمثل في ضمور القدرات؛ كفقدان القدرة على العثور على الكلمة المناسبة أو ابتكار صورةٍ لفظية معبّرة. فاللجوء إلى الذكاء الاصطناعي لتنفيذ كل شيء، من البحث إلى الكتابة، يقطع الصلة بين الشعور والتعبير. إنه يُفرغ الأشياء من رونقها، ويخنق قدرة الإنسان على توجيه أفكاره والتفاعل معها، بل ومفاجأة نفسه بما يدور في ذهنه. وعندما تصبح التكنولوجيا وسيلة لتقليل الجهد المبذول بشتى الطرق، فإنها تتحول في نهاية المطاف إلى عائق أمام الوعي الحقيقي. وتُظهر نتائج الأبحاث العلمية -وهي لا تثير كثيرًا من الدهشة- أن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي قد يقلل من مستوى تفاعل الدماغ.
والأمر الأكثر إحباطًا، في رأي مالك، هو مدى انسجام هذا الواقع مع المشهد السياسي الراهن، الذي يتسم بفيض من المحتوى والمعلومات المضللة. فقد انتشرت تقنيات الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع في وسائل التواصل الاجتماعي، وأصبحت الحسابات تنشر نصوصًا مطولة بثقة مطلقة حول كل شيء، بدءًا من حروب الشرق الأوسط ووصولًا إلى تجارب شخصية مؤثرة لم تحدث أصلًا، وكأنها قصص خيالية.
وفي المجال السياسي، تهيمن اليوم أصوات تتحدث بنبرة رتيبة، مفعمة بالشعارات الجوفاء المتكررة والردود المراوغة. والنتيجة هي محرضون يمينيون متطرفون يغرقون الفضاء العام بسيل من المعلومات المضللة، أو سياسيون وسطيون يعيشون في خوف دائم من الخروج عن المألوف. أما ما لديهم من أفكار أو سياسات، وهي قليلة أصلًا، فيظل ظاهرًا ومخفيًا في آنٍ واحد، تحجبه محاولة مستمرة لكبت المشاعر خشية الاتهام باعتناق أيديولوجية معينة.
وفي ختام مقالها، تقول مالك إن المشكلة التي تواجهنا اليوم مع تزايد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لا تقتصر على بعض الأخطاء المؤسفة هنا وهناك، بل تتجاوز ذلك إلى فقدان الالتزام بالسعي الصادق، حتى وإن لم يكن هذا السعي كاملًا. ففي هذا الالتزام يكمن عقد اجتماعي كامل يدعم قدرتنا على ثقة بعضنا ببعض. كما تؤكد مالك أن مقاومة الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي تمثل استثمارًا في الحفاظ على مصداقية العالم الذي نعيش فيه جميعًا.
[[1]]https://www.theguardian.com/commentisfree/2026/jun/01/ai-meaning-humanity-political-moment-trust-humans-over-machines



