[للمدن تفرد وحديث: الشرق (٣)، رياض الريس، بيروت، 2005، 236 صفحة].
عندما تجتمع عليّ آلام المرض والملل، أجد في كتب الأدب والرحلة معينًا على مرور الوقت الممل المتعب. وقد ساق الله لي دون تقدير مني ولا من المُعير أن أُرسلت إليّ ثلاثة من كتب الرحلات للطيب صالح، وكنا قد تذاكرنا في مجلس سابق بعض جولاته، وصاحبي عماد من المدمنين لكتاباته، فأرسلها إليّ في مساء يوم 17/6/2026 وما كان يعلم بمرضي، ولكن من شدة الوهن ما استطعت حتى تقليب الكتب، إلى أن أذن الله لي وأعاد إليّ الصحة في اليوم التالي، فقرأت الكتاب الأول من كتبه في الرحلات، وقد أسماه أو سمي له للمدن تفرد وحديث: الشرق (3)، وقضيت معه سواد يومي.
لاحظت أن الطيب رجل قارئ للأدب ومتمكن منه، ومتعلق بالمتنبي، وكلما مر ذكره وصفه بالأستاذ، فلا يسميه باسمه ولا يقول عنه الشاعر. ولعلي قد قرأت كلامًا لمحمود شاكر أنه قال: “إذا قلت الشاعر فهو المتنبي، أما غيره فأسميه باسمه”. وفي هذا الجزء لاحظت أنه يعرف الأستاذ محمود شاكر وربما ارتاد مجلسه، وما كان لأحد أن يجرؤ على ريادة مجلسه إلا من هو قادر صابر.
وإذا تجاوزت الزخم الفكري والمعلوماتي عند الطيب صالح فإنك واجد عنده زخمًا روحيًّا عجيبًا، استحق مني وهو يتحدث عن المدينة المنورة أن تسقط بعض العَبرات وأنا أقرأ له حين كان يستعيد زيارته للمدينة، ومشهد ذلك، فضلًا عن قصائد حاج الماحي وهو شاعر بالعامية السودانية.
كتب الطيب أيضًا نصًّا جميلًا مستعيدًا بعض جواهر قصيدة البردة لشرف الدين أبي عبد الله البوصيري ومطلعها:
أمن تذكر جيرانٍ بذي سلم مزجت دمعًا جرى من مقلة بدم
وكان الصاحب بهاء الدين وزير الملك الظاهر لا يسمع القصيدة “إلا واقفًا حافيًا عاري الرأس، وكان يحب سماعها كثيرًا ويتبرك بها هو وأهله” [ص. 62]. وقد أشار الطيب إلى قصيدة أحمد شوقي نهج البردة منبهًا القارئ لحسن مطلع شوقي:
ريم على القاع بين البان والعلم أحل سفك دمي في الأشهر الحرم
وأنه أحسن من مطلع البوصيري، وأشار إلى دور أم كلثوم في الترويج لقصيدة شوقي بين الناس بعد أن غنتها.
لقد كان الطيب موسوعة أدبية فكرية وروحًا دفاقة. وقبل قراءة نصوص رحلاته ببضعة أيام أكرمنا الأستاذ الأديب محمد سليمان الشاذلي في بيته العامر بدعوة جمع لها عددًا من المشاهير من السودان وبعض معارفه من بقية العربان، وكان مجلسًا مشهودًا تحدث فيه حاجّان عادا من حج هذا العام 1447هـ 2026م، أولهما الطبيب النفسي محمد عبد العليم، وثانيهما الإعلامي أيوب صديق مذيع البي بي سي السابق، وكان من قوله طرائف منها أن رجلًا قابله في عمرته الأولى وأطلق عليه مذيع جهيمان، لأن أيوب كان من أوائل من أذاعوا خبر استيلاء جهيمان وجماعته على الحرم عام 1979م. وسبقه طبيب حاج بحديث جميل، ثم تحدث بعدهما عبد الله الفكي، وهو أحد المهتمين بآراء محمود محمد طه الذي أعدمه النميري بسبب الحكم بمروقه عام 1985م، وشرح لنا أن من أفكار محمود طه عدم أهمية البلدان ولا المناسبات. وبالرغم من عدم رغبتي في الكلام جاء طلب صاحب الضيافة لي بالحديث، فعقبت بقصة كنت قد قرأتها في كتاب المقالات للكوثري، حيث ذكر عن مفتي رومانيا زمن العثمانيين أنه جاء إليه أحد المسلمين وعنده بنت قد خطبها مسلم جديد فنصحه المفتي بعدم تزويجه، فاستنكر والد الفتاة عليه موقفه، فذكر المفتي عن نفسه أنه كان صغيرًا حين أخذه الأتراك من أسرته المسيحية، وعلّموه الإسلام والعربية وتعلم وأصبح عالمًا، ولم يزل في نفسه أنه مسيحي من أسرة مسيحية رغم كل ذلك، حتى زار مكة والمدينة وشهد مشاهد الإسلام الأولى، وحينئذ تغير حاله وقوي إيمانه، وكأنه يشير بذلك إلى أن إسلام الرجل حينها لم يكن قويًّا، ولكنها المشاهد، فقد زادته يقينًا وقربًا وانتماء.
وقد قصدت بتعقيبي الرد على منكر آثار الأماكن في الناس، وذكرت أثر رؤية الكعبة في نفسي أول مرة. أما المناسبات فنعلم أنه لا يوجد بشر على هذه البسيطة إلا ولهم مناسبات إما فرح وأعياد أو موسم أحزان وحصاد وغيره. ثم إن قبول كلام محمود محمد طه مجافاة لفطرة البشر في كل شيء. ولو كنت قد قرأت كتاب الطيب قبلها لربما كان لي قول أكثر تأثيرًا وعمقًا في الحاضرين؛ فالناس يعجبهم النقل عن أحد مشاهيرهم.
وقد استولت على المجلس ذكريات بعضهم مع الطيب صالح، فهو نجم أينما ذُكر. وكان من طرائف المجلس أن الصحفي بابكر عيسى وهو من أقاربه جاء إلى الدوحة يبحث عن عمل، وطلب له الطيب صالح عملًا في الصحافة. قال: فدعاني رجاء النقاش للعمل ولم ينظر إلى ملفاتي وأوراقي التي قدمتها للقبول، فاستنكرت كيف قبلوني دون نظر في مستنداتي؟ فقال النقاش: لقد قدمك لنا الطيب صالح، وهذا يكفي عن أوراقك وشهاداتك.
المهم أني وجدت في كتابة الطيب صالح ذلك الزخم المعرفي الهائل الذي يندر عند غيره. وقد لاحظت أمرًا مهمًّا لعله مما سبّب له قبولًا بين الناس لا يدركونه، وهو عمقه الفكري الرصين واللماح في آن، فلا يكاد يمر منظر ولا موقف إلا وكان له فيه فكرة. ولقد غبطته كثيرا على ذاكرته الشعرية والعامة. وانظر إلى هذا التعقيب على رحلة بعض الإنجليز إلى أستراليا، فبعد أن تحدث عن مشاهد عديدة قال عن لاخلان ماكوري (وهو أحد المستعمرين الإنجليز الذين ذهبوا إلى أستراليا أول أمرها): “هذا رجل من طراز الرجال الذين برزوا خلال المد الاستعماري البريطاني، رجال التقت أوهامهم وطموحاتهم الشخصية مع المرامي الكبرى لبلادهم” [ص. 178]. وقد أشار في مقطع آخر عن دور الإنجليز وغرورهم فقال: “لم يكتفوا بهذا الصلف العرقي، ولكن جعلوه قانونًا إلهيًّا” [ص. 182].
وخذ منه هذا معلقًا على تراث الأبوروجنيزيين سكان أستراليا الأقدمين: “لا يجدينا أن نستمع إلى صوت الطبيعة من وراء الحكمة الأوروبية، تلك المادة التي استسلمنا لها منذ انهيار الروحانية الدينية النخبوية في القرن الرابع عشر وحتى القرن الخامس عشر. كل ما نلناه هو أننا قطعنا الصلة مع منابعنا الروحية العميقة، وفقدنا القدرة على أن نرهف السمع لتلك الأصوات الخفية الغامضة التي تحيط بنا على الدوام” [ص. 198].
ثم تجده بعد ذكره بعض جرائم الأوروبيين يستثني ويقول: “ربما يغفر المرء بعض الغفران لأوروبا، ما ألحقه استعمارها بالبشرية من أضرار جسيمة، أنها أنجبت على مر العصور رجالًا شرفاء ونساء، دافعوا بشجاعة عن حقوق الشعوب المغلوبة على أمرها، وكانوا في أحيان كثيرة يقفون في وجه تيار قوي مناهض لهم” [ص. 200]. ونحن نرى شواهد ذلك في زماننا واضحة. ثم يمثل بمؤرخ بريطاني من جامعة أدنبرة اسمه كيرنان نشر عام ١٩٦٩ كتاب سادة البشر[1]. يقول عنه: “كان بروفسور كيرنان من العلماء الأوائل في أوروبا {الذي} دمغوا بأسلوب عميق مؤثر الوحشية التي أظهرها الأوروبيون في فرض نفوذهم على شعوب آسيا وأفريقيا والأمريكتين. وكان أيضًا من الأوائل الذين نوهوا بأن ثقافات الشعوب التي اعتبرها الأوروبيون بدائية تنطوي على حكمة إنسانية عميقة، لا تقل أهمية عن الحكمة الأوروبية، بل تفضلها في كثير من الأحيان” [ص. 200-201]. وذكر أن البيض كانوا “يرون أن السود ليست لهم أرواح، لذلك فإن التخلص منهم لا يعتبر قتلًا” [ص. 205]، وأن هذه كانت “فلسفة روّج لها ممثلو الاستعمار في تلك البلاد المقهورة، أن الشعوب المنحطة لا مفر لها من أن تستبدل، بل أن تنقرض في النهاية” [ص. 205]، وكان الغربيون وقياداتهم يقولون عن جرائمهم إن “الأقدار قد اختارت العنصر البريطاني ليحمل الرسالة ويكون معبرًا عن آمال البشرية في الرقي والتقدم” [ص. 206].
وإذا كان موقف البيض من السود والملونين هو الإبادة في أستراليا والأمريكيتين، فقد كان موقف السكان الأصليين الضحايا أحيانًا بعكس ذلك، فقد رأوا في البيض القادمين أحيانًا أرواح أسلافهم القدماء في أستراليا [ص. 203]، أو ضيوفًا مبشرين بالنور والعدل في شلولا المكسيك، فقد احتفل الهنود الحمر بالإسبان القادمين وطبخوا الطعام لهم ورقصوا في استقبالهم، وكافأهم الإسبان بالإبادة فقتلوا ستة آلاف في وقت واحد[2].
بعد ذلك كتب عن موقف الأستراليين المستهتر بالعرب المعاصرين وبقضاياهم، فقد قال له أحد موظفي الخارجية الأسترالية: “اسمع كوننا نبيع القمح والزبد واللحوم للعرب هذا لا يحتم علينا أن نؤيد مواقفهم السياسية” [ص. 206]. وفي موقف آخر تحدث هو مع مسؤول آخر في الخارجية الأسترالية:
- ألا تهمكم الجالية العربية في أستراليا على الأقل؟
فرد عليه المسؤول:
- إنها جالية صغيرة جدًّا لا وزن لها.
قال الطيب له:
- تعدادهم حسب علمي أكثر من ثلاثمائة ألف.
قال المسؤول:
- حقًّا؟ هل هم بهذه الكثرة؟ لم أكن أعلم.
قال المسؤول بعد أن فكر وكأنه يصف العرب إطلاقًا:
- إذا كان عددهم كما تقول فإنهم من ناحية التأثير كأنهم… كأنهم لا شيء [ص. 210].
يختتم الكاتب صفحات كتابه بنص طويل [من ص. 173 إلى 233] عن شرق الشرق (أستراليا)، مليء بالتاريخ والأساطير التي تظهر فيها تجربته في سفره وقراءته لتاريخ وأساطير ذلك العالم البعيد، وأسلوبه تجلت فيه بساطة اللغة العربية وعمقها، وأثر أدب الإنجليز ومعلوماتهم ورحلاتهم جلي أيضًا في هذا النص.
وحين كنت أقرأ شككت في عبث الذي صف النص وأخرجه، فما كان للطيب صالح أن يكتب “القرن الواحد والعشرين”، فغالبًا قد كتبه “الحادي والعشرين”، وما كان له أن يكتب “أذرعات” فيسميها “أزرعات”، فالزاي هنا لهجة عامية للناسخ أو لمن صمم النص للطباعة، ولا أراها هفوة من كاتب النص الأديب الأريب العالم.
[1] سادة البشر: المواقف الأوروبية من الثقافات الأخرى في العصر الإمبراطوري، ترجمة معين الإمام، منتدى العلاقات العربية والدولية، الدوحة، 2017.
[2] Graham Hancock, FingerPrints of the Gods, Crown, New York, 1995, 110.
هانكوك، بصمات الآلهة، ص. ١١٠.




مقال ماتع، وما يكتبه الدكتور الأحمري يجمع بين عمق الفكرة، ودقة الملاحظة
بارك الله فيكم استاذنا الغالي دكتور الأحمري. على الافادات القيمة وامتعتنا بما عن لك من كتابات الطيب صالح
و شوقتنا لقراءة الكتاب ….
جزاكم الله خيرا
وافدتنا
يعني شو قصتك يا دكتورنا الغالي الاحمري انك تكتب مقالات ممتازه وجميله جدا بعد كل وعكه صحيه تبتلى فيها …. إذا كانت هكذا مقالات ذات أسلوب راقي وجميل فبودي ان تكتب لنا مقالات وانت في تمام الصحه والعافيه لاقبل الوعكه ولا بعدها …. ومن هنا. لعل الله يفتح عليك من فضله ورحمته وكرمه. ان تكون المقالات إبداعية. وفقك الله تعالى واعطاك الصحه والعافيه والسرور والسلامه ……
أشكر لكم اهتمامكم
إني لأرى ها هنا صاحب عزيمة تقهر المرض مثلما تقهر بياض الصفحات.
كذلكم، استمتعت بالأفق الواسع للأحمري الذي ارتاد آفاق الطيب صالح الممتدات امتداد المفازات.
قد أتاح لي القدر معرفة الأحمري والطيب فوجدت أن الجلوس لكليهما متعة وبهجة وفائدة.
أختم فزأقول كما تقول الفرنجة: This is a jolly good review