في مقالها المنشور حديثًا في مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية تحت عنوان “ The Iran War Has Only Worsened Sudan’s Conflict” (الحرب مع إيران لم تؤدِ إلا إلى تفاقم الصراع في السودان)، تقول الكاتبة سهى موسى إن الحرب في السودان لم تحظَ باهتمام عالمي يُذكر، على الرغم من جهود الصحفيين السودانيين وقادة المجتمع المدني والمنظمات الإنسانية لتوثيق فظائعها. وقد أسهمت الحرب مع إيران في تعقيد الوضع وصرف الأنظار عن السودان، الذي يُعد بؤرة أسوأ أزمة إنسانية في العالم.[[1]]
وتُقدّر الأمم المتحدة أن أكثر من 33.7 مليون شخص في السودان، الذي يبلغ عدد سكانه نحو 52 مليون نسمة، يحتاجون الآن إلى مساعدات إنسانية.
ورغم التوصل إلى وقف إطلاق نار هش بين الولايات المتحدة وإيران، فإن المحادثات الرامية إلى إنهاء الحرب رسميًا ما تزال متعثرة. وقد خلّف الصراع في الشرق الأوسط بالفعل تداعيات سياسية واقتصادية وإنسانية مدمرة في السودان، إذ يُفاقم الإغلاق المستمر لمضيق هرمز وما ترتب عليه من ارتفاع حاد في الأسعار أزمةً إنسانية بالغة الخطورة. وقد قدّرت لجنة الإنقاذ الدولية أن السودان وحده يستحوذ على أكثر من 10% من الاحتياجات الإنسانية العالمية، وهو ما يتجلى في تفاقم المجاعة وتفشي الأمراض في ظل غياب حضور حكومي فاعل على الأرض.
كما أدت اضطرابات سلاسل الإمداد الناجمة عن الحرب الإيرانية إلى شل حركة المساعدات الإنسانية العالمية. ففي أواخر مارس/آذار، علقت في ميناء دبي شحنات من الإمدادات الدوائية تزيد قيمتها على 130 ألف دولار أمريكي كانت متجهة إلى السودان، كما تأخرت شحنات طبية لإنقاذ حياة أكثر من 400 ألف طفل. ووفقًا للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فقد تضاعفت تكاليف بعض شحنات الإغاثة أكثر من مرة.
وقد حذّر مسؤول في برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، في مارس/آذار، من أنه إذا استمرت هذه الاضطرابات حتى يونيو/حزيران، فإن 45 مليون شخص إضافي في عدة دول قد يواجهون جوعًا حادًا. وفي عالم يفتقر اليوم إلى دور الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، بعد أن قام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتفكيكها وإلغاء نحو 83% من برامجها، ومع انهيار البنية التحتية لنقل المساعدات، فإن أي اضطراب- ولو كان محدودًا – في إيصال الإمدادات الإنسانية والإغاثية يُعرّض حياة أعداد لا تُحصى من الناس للخطر.
وتؤكد موسى أن مجرد إعادة فتح مضيق هرمز الآن لن يكون كافيًا لحل الأزمة، إذ تسببت الحرب في السودان في تدمير جانب كبير من الإنتاج الزراعي في البلد الذي كان يُعرف يومًا بـ«سلة خبز أفريقيا». كما ارتفعت الأسعار العالمية لليوريا، وهي من أهم الأسمدة النيتروجينية، بنسبة تقارب 99% منذ بداية العام وحتى أبريل/نيسان؛ ولذلك ترى الكاتبة أن الضرر قد وقع بالفعل؛ فمع بدء زراعة المحاصيل الخريفية في السودان خلال يونيو/حزيران، يُرجح أن تكون العائدات الزراعية محدودة للغاية.
وبينما تواصل الأصوات السودانية داخل البلاد وخارجها الضغط من أجل التوصل إلى حل للحرب، يبدو أن الاهتمام الدولي بالأزمة قد تراجع إلى مستويات غير مسبوقة. ومع ذلك، فإن تعزيز الجهود الإنسانية والمالية، بما يضمن عدم تحميل المواطنين السودانيين المتضررين أعباء التكاليف المتزايدة، يمكن أن يخفف من آثار هذه الحرب على تدفق المساعدات.
وتشير موسى إلى أن المليار دولار الذي جُمع من اجل السودان في مؤتمر برلين يُعد خطوة أولى مهمة، غير أن الحاجة ما تزال أكبر بكثير. فقد أوضح مسؤول الأمم المتحدة توم فليتشر خلال المؤتمر أن عمليات الأمم المتحدة في السودان تحتاج إلى أكثر من 2.2 مليار دولار خلال العام الجاري. ولا يشمل هذا المبلغ التمويل اللازم لمنظمات المجتمع المدني أو مبادرات التضامن المجتمعي المحلية، التي لعبت دورًا أساسيًا في الحفاظ على تماسك المجتمع السوداني طوال سنوات الحرب.
وفي ختام مقالها، تؤكد موسى أن على المفاوضين الحيلولة دون تحوّل السودان إلى ساحة حرب دائمة. فكل يوم يمر من دون التوصل إلى حل دائم يكشف حجم تقاعس النظام الدولي عن الوفاء بمسؤولياته. ومع استحواذ الحرب في إيران على اهتمام العالم وتعطيلها تدفقات المساعدات الإنسانية، يصبح من الضروري أن يتخذ قادة العالم إجراءات عاجلة للتعامل مع الوضع الإنساني المتفاقم للغاية في السودان.
[[1]]https://foreignpolicy.com/2026/05/28/sudan-iran-war-gulf-proxy-ripple-effects-peace-talks-quad/



