في مقاله المنشور مؤخرًا في مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية، تحت عنوان: “The Costs of Trump’s Contempt Are Starting to Show” (آثار سلوك ترامب الازدرائي بدأت في الظهور)، يقول الكاتب ومقدم البرامج في شبكة «CNN» الأمريكية، فريد زكريا، إنه كان مؤخرًا في مدينة شنتشن، قلب الصناعة الصينية، حيث تحدّث مع أحد أبرز رجال الأعمال هناك، وسأله عن الحرب الإيرانية، ففاجأه الأخير بالرد: “بالنسبة لنا، هجوم ترامب على إيران أقل أهمية من تهديده بمهاجمة غرينلاند”.[[1]]
في الولايات المتحدة، غالبًا ما تُعدّ الإهانات الدورية التي يوجّهها الرئيس دونالد ترامب إلى أوروبا مجرد نوبات غضب عادية، وجزءًا من عروض “تلفزيون الواقع” الذي بات يُعرف الآن بالبيت الأبيض. لكن، في المقابل، بلغ تراكم الإساءات لدى الأوروبيين حدًا لا يُطاق. وقد كتب دانيال ديبيتريس، مؤخرًا، في النسخة البريطانية من مجلة «سبكتاتور»، وهي مجلة محافظة (وعادة ما تكون مؤيدة بشدة للولايات المتحدة): “لقد أجبرت الحرب في إيران أوروبا على التحلي بالشجاعة”. وأضاف: “لم يعد القادة الأوروبيون مهتمين بالانحناء والتذلل لكسب ودّ ترامب”.
وتنتقل أوروبا من الأقوال إلى الأفعال؛ إذ يهدف برنامج الاتحاد الأوروبي “إعادة تسليح أوروبا/الاستعداد 2030” إلى استثمار نحو 800 مليار يورو (حوالي 935 مليار دولار) في الدفاع خلال السنوات القادمة.
وقد كان النموذج القديم يقوم على أن تتولى الولايات المتحدة مسؤولية الأمن الأوروبي، بينما ينفق الأوروبيون بسخاء على الأسلحة الأمريكية. أما الآن، فيريد الأوروبيون أن يبقى المزيد من أموالهم في بلدانهم، لبناء الشركات وسلاسل التوريد الأوروبية، وبالتالي تحقيق استقلال استراتيجي عن واشنطن.
ويمتد هذا المنطق نفسه إلى ما هو أبعد من الدفاع؛ إذ تعمل مبادرة المدفوعات الأوروبية على بناء بديل قاري لشركتي «فيزا» و«ماستركارد». كما تسعى المؤسسات الأوروبية إلى إيجاد بدائل لأنظمة «سويفت» و«باي بال» وغيرها من المنصات المالية التي تهيمن عليها الولايات المتحدة.
وقد نقلت فرنسا احتياطاتها من الذهب من نيويورك إلى باريس، بينما يناقش سياسيون في ألمانيا وإيطاليا ما إذا كان ينبغي لبلديهما أن يحذوا حذوها. كما تبحث الحكومات الأوروبية عن بدائل للبرمجيات الأمريكية، خشية أن تُجبر الشركات الأمريكية يومًا ما على قطع الخدمات الحيوية.
وقد يُنظر إلى كل هذا على أنه مجرد استعراض للقوة، لكن أوروبا، مجتمعةً، تُعدّ ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وتمتلك ثاني أكثر العملات الاحتياطية استخدامًا؛ لذا فإن لأفعالها أهمية بالغة.
ولعلّ التغيير الأكثر دلالة هو ما طرأ على اليمين الأوروبي؛ فقد كانت معاداة أمريكا في السابق عقيدةً لليسار—المثقفون الباريسيون، والطلاب الراديكاليون، والأحزاب المناهضة للحرب—بينما كان اليمين آنذاك مؤيدًا للتحالف الأطلسي، ورأى اليمين الشعبوي الأوروبي في السابق ترامب قديسًا من قديسيه. لكن قضايا غرينلاند وإيران، وازدراء ترامب العام لأوروبا، جعلت منه شخصية مكروهة سياسيًا في مختلف أطياف المشهد السياسي الأوروبي.
وقد ذكرت صحيفة «واشنطن بوست» أن شخصيات شعبوية مثل نايجل فاراج البريطاني، ومارين لوبان الفرنسية، وجورجيا ميلوني الإيطالية، والعديد من أعضاء حزب البديل من أجل ألمانيا، قد نأوا بأنفسهم عن ترامب والسياسة الأمريكية. وحتى في المجر، ربما أضرّت خطابات نائب الرئيس، جيه. دي. فانس، الداعمة لرئيس الوزراء آنذاك فيكتور أوربان، بفرص الأخير الانتخابية.
ولا يقتصر الأمر على أوروبا؛ ففي كندا، أعلن رئيس الوزراء مارك كارني صراحةً أنه يسعى إلى تقليل اعتماد بلاده على السوق الأمريكية. وقد وقّع بالفعل أكثر من 20 اتفاقية اقتصادية وأمنية مع الصين، لتنمية الصادرات خارج الولايات المتحدة. أما الكنديون، فيقلّلون من مشترياتهم من السلع الأمريكية، ومن قضاء إجازاتهم في الولايات المتحدة.
أما في آسيا، فقد تضرّر حلفاء الولايات المتحدة أيضًا أكثر من غيرهم؛ إذ إن أكثر من 80% من النفط والغاز الذي يمر عبر مضيق هرمز يتجه إلى آسيا. والآن، تعاني العديد من دول تلك القارة من أسوأ أزمة طاقة تشهدها منذ نصف قرن، وربما في تاريخها. ونتيجةً لذلك، اضطر حلفاء مثل اليابان وكوريا الجنوبية إلى التوسل إلى خصوم مثل روسيا وإيران للتفاوض على توفير كميات كافية من الوقود لتلبية احتياجاتهم الأساسية. ومما زاد الطين بلة أنهم تعرضوا لانتقادات لاذعة من ترامب، الذي ندّد بهم لأنهم—رغم عدم استشارتهم قط—لم يبادروا إلى الانضمام إلى الحرب على إيران. ويُجري العديد منهم الآن محادثات مع بكين حول أمن الطاقة والتكنولوجيا النظيفة.
وفي ختام مقاله، يطرح زكريا السؤال التالي: ما مدى ديمومة آثار سياسة ترامب الخارجية؟ وهل تستطيع الولايات المتحدة التعافي من فقدان الثقة مع حلفائها؟ ثم يجيب: “كما نرى، بدأت الدول في إجراء تحولات سياسية طويلة الأمد، وسرعان ما ستتخذ هذه التحولات مسارها الخاص. لقد أدركت هذه الدول أنها عهدت بأمنها ورفاهيتها إلى واشنطن، التي استغلت هذا الاعتماد للضغط عليها بشدة. لذا قررت هذه الدول اتخاذ تدابير وقائية لحماية نفسها من أمريكا، الحليف غير الموثوق. ومن يلومها على ذلك؟”.
[[1]]https://foreignpolicy.com/2026/04/24/trump-united-states-allies-partnerships-insult-contempt-europe-canada-china-asia/



