في مقالهما المنشور حديثًا في مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية تحت عنوان “Iran’s Biggest Wartime Advantage Is Geography” (الميزة الكبرى التي تتمتع بها إيران في زمن الحرب هي الجغرافيا)، يرى الكاتبان آراش ريسينجاد وأرشام ريسينجاد أن الولايات المتحدة وإسرائيل تتمتعان بأفضلية ساحقة في امتلاك التكنولوجيا العسكرية المتقدمة خلال الحرب الحالية الدائرة بينهما وبين إيران؛ إذ تهيمن قواتهما الجوية على الأجواء، وتوفّر شبكات استخباراتهما قدرات مراقبة غير مسبوقة، كما أن قدراتهما الهجومية قادرة على النفاذ إلى عمق الأراضي الإيرانية. لكن من غير المرجح أن يحسم التفوق العسكري وحده هذه الحرب؛ فإيران ليست هدفًا يمكن إخضاعه بالقصف الجوي، والسبب في ذلك هو الجغرافيا[[1]].
وتعكس استراتيجية إيران اليوم، بتركيزها على الصمود وفرض تكاليف باهظة على خصومها مع مرور الوقت، الحقائق المادية لأرضها بالفعل. فعلى عكس العديد من دول المنطقة التي تُقيَّد خياراتها الإستراتيجية بمساحتها المحدودة، تمتلك إيران عمقًا جغرافيًا شاسعًا وحواجز طبيعية هائلة. أما الدول الصغرى، التي تقع بنيتها التحتية الاقتصادية مباشرة على طول الساحل في منطقة الخليج، فهي أكثر عرضة للضغط العسكري السريع.
وعلى النقيض من ذلك، تُشكّل المناطق الجبلية الداخلية لإيران، التي تهيمن عليها سلسلتا جبال زاغروس والبرز، والهضبة الممتدة بينهما، حواجز دفاعية طبيعية تُعقّد أي غزو بري واسع النطاق. وقد مثّلت هذه السلاسل الجبلية دروعًا استراتيجية أبطأت وأضعفت القوات الغازية على مدار التاريخ، بدءًا من الصعوبات التي واجهتها جيوش مارك أنطوني الرومانية عام 36 قبل الميلاد في اختراق الهضبة الإيرانية، وصولًا إلى توقف تقدم العراق على طول جبهة زاغروس خلال الحرب العراقية الإيرانية (1980–1988).
وتؤثر هذه القيود بشكل كبير في الاحتمالات الإستراتيجية اليوم؛ فالصعوبة الجغرافية لغزو إيران تعني أنه من غير المرجح أن تُحسم هذه الحرب من خلال حملة برية تقليدية.
لقد تطلّب غزو العراق عام 2003 أكثر من 300 ألف جندي أمريكي في الحملة الأولية، تلتها قوة احتلال بلغ عددها نحو 160 ألف جندي، بينما شهدت أفغانستان ذروة قوامُها نحو 100 ألف جندي، وهي منطقة أقل كثافة سكانية وأصغر حجمًا.
لكن إيران تمثّل تحديًا أكبر بكثير؛ فهي أكبر من العراق بنحو أربعة أضعاف، ويبلغ عدد سكانها أكثر من 90 مليون نسمة. ومن المرجّح أن يتطلب احتلالها قوة أكبر بكثير، وخطوط إمداد أطول، والتزامًا ماليًا وسياسيًا أضخم بكثير مما تطلبه احتلال كلا البلدين.
كما أن أهمية الجغرافيا لا تقتصر على البر، بل تمتد أيضًا إلى البحر؛ فقرب إيران من الممرات البحرية الحيوية يمنحها نفوذًا غير متكافئ لا تستطيع التكنولوجيا وحدها تحييده بسهولة. ولا يتجلّى أثر الجغرافيا في أي موضع أكثر مما يتجلّى في مضيق هرمز. فإذا كانت جغرافية إيران تُصعّب تحقيق نصر عسكري سريع، فإن موقعها على طول المضيق يمنحها أداة أخرى لفرض تكاليف باهظة على الاقتصاد العالمي، حتى دون تحقيق نصر في ساحة المعركة.
ويمكن أن تؤثر الاضطرابات المطوّلة في محيط المضيق في أسواق الطاقة العالمية؛ فمجرد الإحساس بوجود خطر فيه، كفيل بإحداث ارتفاعات حادة في أسعار النفط، وزيادات كبيرة في أقساط التأمين على الشحن، واضطرابات في سلاسل التوريد العالمية.
والسيطرة على المضيق ترتبط بالموقع الجغرافي الأوسع لإيران وتمتعها بساحل يمتد لنحو 1500 ميل على طول الخليج العربي وخليج عُمان، فضلًا عن قربها من جزر رئيسية وممرات مائية إستراتيجية تمكّنها من ممارسة ضغط متعدد المستويات. وحتى لو جرى احتلال جزيرة خارك، ستظل إيران قادرة على تهديد حركة الملاحة البحرية عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة والألغام البحرية وزوارق الهجوم السريع المنتشرة على طول هذا الساحل.
ولا تحتاج إيران عمليًا إلى السيطرة الكاملة على ساحلها لممارسة نفوذها على المضيق؛ إذ يكفيها الحفاظ على قدرة كافية لخلق حالة من عدم اليقين والمخاطرة. ونتيجة لذلك، فإن تحييد الميزة الجغرافية لإيران يتطلب هيمنة دائمة على مسرح عمليات بحري واسع، وهو أمر أكثر تعقيدًا وتكلفةً من الاستيلاء على جزيرة واحدة.
وهرمز ليس سوى جزء من نظام جيوسياسي أوسع؛ إذ تقع نقطة الاختناق الثانية التي ترتبط بمسار هذه الحرب عند باب المندب غربًا، وهو الممر الضيق الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن. وعلى مدى عقدين تقريبًا—ولا سيما منذ اندلاع حرب 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023—تعرّض هذا الممر لهجمات متكررة من قبل الحوثيين في اليمن، الذين هدّدت هجماتهم البحرية بشكل دوري حركة الملاحة التجارية في البحر الأحمر.
ويبلغ عرض مضيق باب المندب في أضيق نقطة له نحو 20 ميلًا فقط، مما يُجبر الملاحة البحرية العالمية على المرور عبر ممرات ضيقة للغاية، شديدة التعرض للاضطرابات الناجمة عن الصواريخ والطائرات المسيّرة والألغام البحرية. وعلى عكس الممرات المائية الأخرى، لا تتوفّر خيارات بديلة فعّالة؛ إذ إن أي اضطراب مستمر سيُجبر السفن على الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، مما يضيف من 10 إلى 15 يومًا إلى أوقات العبور، ويرفع بشكل كبير تكاليف الوقود والتأمين والشحن.
ويمر عبر هذا المضيق ما يقارب 10 إلى 12 بالمئة من التجارة العالمية، وما بين 6 و9 ملايين برميل من النفط يوميًا. وحتى الاضطراب الجزئي قد يؤدي إلى آثار مضاعفة، بدءًا من ارتفاع أقساط التأمين على الشحن، مرورًا بتأخيرات سلاسل التوريد، وصولًا إلى ارتفاع أسعار الطاقة العالمية؛ مما يبرز كيف يمكن لنزاع محلي أن يتحول بسرعة إلى صدمة بنيوية في الاقتصاد العالمي.
ولذلك فإن التداعيات الإستراتيجية لما يجري الآن بالغة الأهمية. فالمعركة الحاسمة في الحرب الإيرانية قد لا تدور في نهاية المطاف في سماء إيران أو إسرائيل، بل في الممرات المائية الضيقة المرتبطة بمسرح جيوسياسي أوسع تحدده الممرات البحرية وسلاسل الإمداد وتدفق الطاقة.
وكلما طالت الحرب، ازدادت أهمية هذه الديناميكيات البنيوية. فالتفوق التكنولوجي لا يستطيع محو الجغرافيا؛ فلا يمكن تدمير الجبال بالقصف، ولا يمكن نقل نقاط الاختناق البحرية أو تحريكها. فهذه هي السمات الدائمة للمشهد الإستراتيجي التي تُحدّد دومًا مسار الحروب.
ولذلك، كما يقول الكاتبان في ختام مقالهما، فإن الحرب على إيران تقدّم درسًا عميقًا حول طبيعة الحروب الحديثة. ففي عصر الذكاء الاصطناعي، والحرب السيبرانية، والأقمار الصناعية، والأسلحة الدقيقة الذاتية التشغيل، ما تزال الجغرافيا تمارس تأثيرًا بالغًا في مسار الحرب؛ فقد تحدد التكنولوجيا كيفية خوض الحرب، لكن الجغرافيا غالبًا ما تحدد كيفية انتهائها.
[[1]]https://foreignpolicy.com/2026/03/23/iran-war-geography-hormuz-mountains-territory/



