في مقاله المنشور مؤخرًا في مجلة «فورين بوليسي» تحت عنوان “The United States Is Still Addicted to War” (الولايات المتحدة لا تزال مدمنة على الحرب)، يقول عالم السياسة الخارجية الأمريكي ستيفن والت إن رؤساء الولايات المتحدة- بغضّ النظر عن أي مزاعم قد تُقال- يجدون في الواقع صعوبة بالغة في تجنّب الحرب. [[1]]
ففي عام 1992، فاز بيل كلينتون بالرئاسة رافعًا شعار: «إنها مسألة الاقتصاد، يا غبي»، معلنًا بذلك انتهاء عهد سياسة القوة. غير أنه ما إن تولّى منصبه، حتى وجد نفسه يأمر بشنّ ضربات صاروخية على عدة دول، وفرض مناطق حظر طيران فوق العراق (بل وقصفه أحياناً)، إضافة إلى شنّ حملة جوية طويلة ضد صربيا عام 1999.
وفي عام 2000، وصل جورج دبليو بوش إلى البيت الأبيض منتقدًا سياسة كلينتون المفرطة في الاهتمام بالشؤون الخارجية، ووعد الناخبين بسياسة خارجية قوية لكنها «متواضعة». ونعلم جميعًا كيف انتهى الأمر.
وبعد ثماني سنوات، أصبح السيناتور الشاب باراك أوباما رئيسًا، ويرجع ذلك جزئيًا إلى كونه أحد الديمقراطيين القلائل الذين عارضوا غزو العراق عام 2003. وفي غضون عام واحد من توليه منصبه، حصل على جائزة نوبل للسلام دون أن يكون قد بذل جهدًا لنيلها، إذ كان منحها تعبيرًا عن اعتقاد واسع بأنه سيكون صانع سلام. وقد حاول أوباما بالفعل في عدة ملفات، وتوصّل في النهاية إلى اتفاق لتقييد البرنامج النووي الإيراني، لكنه أمر أيضًا بزيادة غير مجدية للقوات في أفغانستان، وساهم في إسقاط النظام الليبي عام 2011، وأصدر بسهولة أوامر بشنّ ضربات بطائرات مسيّرة وعمليات قتل مستهدفة ضد عدد من الأهداف. ومع انتهاء ولايته الثانية، كانت الولايات المتحدة لا تزال تقاتل في أفغانستان دون أن تقترب من تحقيق النصر.
ثم ترشّح رجل الأعمال المتوسط المستوى ونجم تلفزيون الواقع دونالد ترامب للرئاسة عام 2016، مُدينًا علنًا «الحروب الأبدية»، ومنتقدًا مؤسسة السياسة الخارجية، ومتعهدًا بإصلاح وضع «أمريكا أولًا». وبعد هذا الفوز الانتخابي غير المتوقع، أعلن ترامب بدوره عن زيادة مؤقتة في عدد القوات في أفغانستان، وأبقى «الحرب العالمية على الإرهاب» مستمرة بكامل طاقتها، وأمر باغتيال مسؤول إيراني رفيع المستوى بصاروخ، وأشرف على زيادات مطّردة في الميزانية العسكرية. ورغم أن ترامب لم يبدأ أي حروب جديدة خلال ولايته الأولى، فإنه لم يُنهِ أي حرب أيضًا.
أما جو بايدن، فبعد تجاهله للقضية الفلسطينية خلال أول عامين من رئاسته، فقد قدّم مليارات الدولارات من الأسلحة والحماية الدبلوماسية لإسرائيل، التي ردّت بإبادة جماعية على هجوم حماس على إسرائيل في أكتوبر 2023.
وقد ساعدت أخطاء بايدن وإصراره العنيد على السعي إلى ولاية ثانية ترامب على العودة إلى البيت الأبيض، متعهدًا مجددًا بأن يكون رئيسًا للسلام، وأن ينهي التدخلات المستمرة التي كلّفت الأمريكيين تريليونات الدولارات وآلاف الأرواح. لكن، بدلًا من القطيعة التامة مع الماضي، تبيّن أن ولاية ترامب الثانية أكثر تهورًا من ولايات الرؤساء الذين كان يسخر منهم.
فقد قصفت الولايات المتحدة سبع دول على الأقل خلال العام الأول من عودته إلى المنصب، وقتلت بعنف أطقم سفن في منطقة البحر الكاريبي والمحيط الهادئ لمجرد الاشتباه في تهريبها للمخدرات، واختطفت زعيم فنزويلا للسيطرة على نفط البلاد، تاركةً الدولة في يد دكتاتور جديد. والآن شنّ ترامب حربه الثانية ضد إيران في أقل من عام، بعد أن أخبر العالم بأن البنية التحتية النووية الإيرانية قد «دُمِّرت» في الصيف الماضي.
ما الذي يحدث هنا؟ فمنذ عام 1992، ترشّح عدد من الرؤساء من كلا الحزبين للمنصب متعهدين بصنع السلام وتجنّب تجاوزات أسلافهم وأخطائهم. غير أنهم، ما إن يصلوا إلى السلطة، حتى يعجزوا عن مقاومة إغراء تفجير الأشياء في أراضٍ بعيدة. ومن ثمّ يعود السؤال مرة أخرى: هل الولايات المتحدة مدمنة على الحرب؟
حتى ولاية ترامب الثانية، كان من الممكن تفسير هذا النمط من خلال دراسة عقلية الغرور لدى مؤسسة السياسة الخارجية، التي رأت في القوة العسكرية أداة مفيدة لتعزيز نظام ليبرالي عالمي. غير أن هذا التفسير يعجز عن تفسير تصرفات ترامب خلال ولايته الثانية. فترامب لا يزال يكره المؤسسة الحاكمة (المعروفة أيضًا باسم «الدولة العميقة»)، ويلقي باللوم عليها في إخفاقات ولايته الأولى. وقد أضعف جهاز الأمن القومي، وعيّن العديد من الموالين له في مناصب رئيسية لتنفيذ أوامره. لذلك لا يمكن إلقاء اللوم في هذه الحرب الأخيرة على «المؤسسة».
وقد يجادل المدافعون عن هذه السياسات بأن للولايات المتحدة مسؤوليات عالمية فريدة. فالرؤساء قد يتولّون مناصبهم بأفكار مثالية حول تقليل استخدام القوة، لكنهم سرعان ما يدركون ضرورة استخدام النفوذ الأمريكي في مختلف أنحاء العالم. غير أن مشكلة هذا التفسير تكمن في أن تفجير الأشياء بهذه الوتيرة نادرًا ما يحلّ المشكلات السياسية الأساسية، ولا يجعل الولايات المتحدة أكثر أمانًا، وبالتأكيد ليس في مصلحة معظم الدول التي تُقصف. وحتى دولة بطيئة التعلّم كالولايات المتحدة كان ينبغي أن تكون قد استوعبت هذا الدرس الآن.
لذلك يبقى السؤال مطروحًا: لماذا تستمر واشنطن في فعل هذه الأشياء؟ حتى في ظل وجود رئيس يتمنى بشدة الفوز بجائزة سلام حقيقية (وليس تلك الجائزة الزائفة التي حصل عليها من الفيفا).
أحد الأسباب الواضحة هو ترسّخ قوة السلطة التنفيذية على المدى الطويل، وهو مسار بدأ منذ بدايات الحرب الباردة وتوسّع بدرجة أكبر خلال الحرب على الإرهاب. فقد مُنح الرؤساء صلاحيات واسعة للغاية في اتخاذ قرارات الحرب والسلام، وإدارة الدبلوماسية، والإشراف على جهاز استخباراتي ضخم وقدرات العمليات السرية. وقد رحّب رؤساء من الحزبين بهذه الحرية في العمل، ونادرًا ما أبدوا حماسة لجهود تقليص صلاحياتهم.
كما ساهم الكونغرس في تعزيز السلطة التنفيذية، إذ أصبح أقل استعدادًا لممارسة رقابة فعّالة على قرارات استخدام القوة. فعندما سعت إدارة أوباما جاهدة للحصول على تفويض جديد لاستخدام القوة — ليحل محل القرارات القديمة التي أجازت الحرب على الإرهاب وغزو العراق — رفض الكونغرس منحه، لأن أعضاءه لم يرغبوا في تسجيل موقف رسمي. وهم الآن يشكون من أن إدارة ترامب لم تستأذنهم قبل أن تقرر شن حرب أخرى لا طائل منها على إيران.
ويتمتع الرؤساء الأمريكيون عمليًا بحرية شن الحروب لأنهم تعلموا عدم مطالبة الشعب الأمريكي بدفع تكاليفها في وقت حدوثها. فقد كانت الحرب الكورية آخر حرب لجأت فيها الولايات المتحدة إلى رفع الضرائب مباشرة لتمويلها. ومنذ ذلك الحين، اقترض الرؤساء الأموال وتركوا العجز يتفاقم، وألقوا بالتكاليف على عاتق الأجيال القادمة.
والنتيجة أن معظم الأمريكيين لا يشعرون بالتبعات الاقتصادية حتى للحملات الطويلة والمكلفة، مثل حربي العراق وأفغانستان، اللتين كلفتا ما لا يقل عن خمسة تريليونات دولار.
كما أن نظام التجنيد التطوعي الكامل يسهّل اتخاذ قرارات الحرب، لأن الأشخاص الذين يُرسلون إلى ساحات القتال قد قبلوا هذا الاحتمال مسبقًا، وبالتالي تقل احتمالات تذمرهم مقارنة بالمجندين عشوائيًا. ويتيح هذا النظام أيضًا للنخب — مثل ترامب وأبنائه — التهرّب من الخدمة العسكرية تمامًا، مما يقلل من شعور الأثرياء وذوي النفوذ السياسي بالتأثر الشخصي بهذه القرارات، ويحوّل الجيش المحترف تدريجيًا إلى طبقة منفصلة أقل ارتباطًا بالمجتمع الأوسع الذي يفترض أن يدافع عنه.
ويمكن كذلك إلقاء اللوم على المجمع الصناعي العسكري. فعندما تعمل في تجارة الأسلحة، فأنت تعمل أيضًا في تجارة انعدام الأمن. وهذا يعني تصوير عالم مليء بتهديدات بعضها قد يتطلب استباقًا، حيث تُقلَّل قيمة الدبلوماسية، ويُبالغ في الترويج للحلول العسكرية.
وليس من قبيل المصادفة أن تكون شركات الدفاع من أبرز الداعمين للعديد من مراكز الأبحاث المعنية بالسياسة الخارجية، التي تعمل غالبًا على إقناع الأمريكيين بأن التهديدات تنتظرهم في كل مكان، وأن زيادة ميزانيات الدفاع هي الحل الأمثل. كما توجد جماعات مصالح خاصة، مثل لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك) والجماعات المتشددة في اللوبي الإسرائيلي، التي قد تنجح أحيانًا في إقناع الرؤساء بالموافقة، وإقناع قادة الكونغرس المعرّضين للخطر بعدم الاعتراض.
وثمة سبب أخير لإدمان الرؤساء الأمريكيين على الحرب، وهو أن استخدام القوة أصبح سهلًا للغاية، ويبدو خاليًا من المخاطر. فقد مكّنت صواريخ كروز والطائرات الشبحية والقنابل الموجّهة بدقة والطائرات المسيّرة الولايات المتحدة (وبعض الدول الأخرى) من شن حملات جوية واسعة النطاق دون الحاجة إلى إرسال قوات برية، ودون قلق كبير من الرد المباشر -على الأقل- في البداية.
وقد ترد إيران على الولايات المتحدة أو حلفائها بطرق مختلفة، لكنها لا تستطيع أن تلحق بالأراضي الأمريكية مستوى الضرر الذي تستطيع واشنطن إلحاقه بالأراضي الإيرانية. وعند مواجهة تحدٍّ شائك في السياسة الخارجية، أو عند البحث عن وسيلة لصرف انتباه المواطنين عن المشكلات أو الفضائح الداخلية (جيفري إبستين، على سبيل المثال)، قد يكون اللجوء إلى الخيار العسكري مغريًا للغاية.
وفي ختام مقاله، يقول والت إنه أحيانًا يفكر في هذا الأمر بوصفه مشكلة «الزر الأحمر الكبير». إذ يبدو الأمر كما لو أن لكل رئيس زرًا أحمر كبيرًا على مكتبه. وعندما تنشأ مشكلة في السياسة الخارجية، أو عندما تكون هناك حاجة إلى صرف الانتباه يأتي مساعدوه إلى المكتب البيضاوي ويشرحون الموقف. ويشيرون إلى أن الضغط على الزر سيُظهر العزم، ويُثبت أن الرئيس يتخذ إجراءً مّا، وربما يسفر عن نتيجة إيجابية. وإن كانوا صادقين، فقد يقرّون بأن الضغط على الزر ليس ضروريًا، وأن القيام بذلك قد يُفاقم الأمور. لكنهم سيذكّرونه بأن المخاطر ضئيلة، والتكاليف معقولة، وإذا لم يضغط على الزر فمن شبه المؤكد أن المشكلة ستتفاقم، وسيبدو مترددًا. ثم يختتمون الإحاطة بالعبارة الرسمية المعتادة:
«الخيار لك، يا سيادة الرئيس».
[[1]]https://foreignpolicy.com/2026/03/02/trump-iran-war-united-states-addicted/



