في مقاله المنشور حديثًا في مجلة «ذا نيشن» الأمريكية بعنوان”The Iran War Could Be Catastrophic for the US-Israel Alliance. Good.” (الحرب على إيران قد تكون كارثية على التحالف الأمريكي–الإسرائيلي، وهذا أمر جيد)، يقول الكاتب جاك ميركينسون إن تبريرات ترامب المتغيّرة باستمرار للحرب على إيران تثير الدهشة. فكل بضع ساعات يبدو أن ثمة تفسيرًا جديدًا لسبب اتخاذ الولايات المتحدة وإسرائيل قرار شنّ هجوم غير شرعي على دولة أخرى؛ فتارة يُقال إن هناك تهديدًا وشيكًا غير محدد، وتارة أخرى يُزعم أن البرنامج النووي الإيراني الذي «دمّره» ترامب العام الماضي ربما لم يُدمَّر فعليًا، وأنه يحتاج إلى تدميره مرة أخرى. [[1]]
لكن بعض المسؤولين بدأوا فجأة يطرحون سببًا مختلفًا لدخول هذه الحرب، وكثير منهم يقدّمون التفسير نفسه، وهو: أن إسرائيل أرادت ذلك.
يرى ميركينسون أن هذا قد يؤدي إلى تآكل العلاقات الأمريكية–الإسرائيلية، وإلى تقويض المكانة المتزعزعة أصلًا لإسرائيل لدى الرأي العام الأمريكي. وبالنسبة لمن يرغبون في رؤية هذا التحالف — بما يحمله من قسوة وقمع — يطوى في غياهب النسيان، فإن ذلك قد يُعدّ تطورًا إيجابيًا.
لكن قبل الخوض في أسباب ذلك، من المهم فهم كيفية تطوّر الأحداث خلال اليومين الماضيين.
أول ما أثار الاستغراب حقًا كان تفسير وزير الخارجية ماركو روبيو لسبب اندلاع الحرب مع إيران في هذا التوقيت. فقد قال:
«اتخذ الرئيس قرارًا حكيمًا للغاية؛ إذ كنا نعلم أن إسرائيل ستشن هجومًا، وكنا نعلم أن ذلك سيؤدي إلى هجوم على القوات الأمريكية، وكنا نعلم أنه إذا لم نبادر بالرد قبل أن يشنوا تلك الهجمات فسنتكبد خسائر أكبر».
وتتوافق كلمات روبيو مع تصريحات علنية أخرى ومع تقارير حديثة. فقد ذكرت صحيفة نيويورك تايمز يوم الاثنين أن روبيو قدّم حججًا مماثلة خلال إحاطة لأعضاء الكونغرس قبل أيام من بدء الحرب، حيث جادل بأن إيران — بغضّ النظر عمّن يبدأ الهجوم، إسرائيل أم الولايات المتحدة — سترد بوابل كثيف من الأسلحة على القواعد والسفارات الأمريكية. وأضاف أنه من المنطقي، إذن، أن تتحرك الولايات المتحدة بالتنسيق مع إسرائيل، لأن أمريكا ستُجرّ إلى الحرب على أي حال.
وقد قدّم رئيس مجلس النواب مايك جونسون الحجة نفسها يوم الاثنين، مصرحًا للصحفيين:
«نظرًا لأن إسرائيل كانت مصممة على التحرك سواء بمشاركة الولايات المتحدة أو بدونها، فقد كان على قائدنا الأعلى والإدارة والمسؤولين اتخاذ قرار بالغ الصعوبة».
وقال مارك وارنر، كبير الديمقراطيين في لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ، يوم الاثنين إن هذا هو التفسير نفسه الذي قُدّم في إحاطة عُقدت بعد بدء الحرب. وأضاف أن هذه الحرب فرضتها أهداف إسرائيل وجدولها الزمني.
كما ذكرت صحيفة التايمز أيضًا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مارس ضغوطًا مكثفة — وناجحة — على ترامب للتخلي عن المفاوضات الجارية مع إيران لصالح خيار الحرب.
وقد أصدر نتنياهو بيانًا يوم الأحد لم يشر فيه إلى أي تهديد إيراني وشيك، بل قال إن الولايات المتحدة ساعدته في تحقيق حلم راوده لعقود.
ورغم أن الولايات المتحدة ليست دمية تحركها أيدي الإسرائيليين بلا تفكير، فإن غالبية الأدلة تشير إلى أن إسرائيل — على أقل تقدير — لعبت دورًا كبيرًا في دفع ترامب إلى شن هذه الحرب.
وتكمن أهمية تحديد الجهة التي تقف وراء قرار الحرب في نقطتين رئيسيتين، قد يكون لكل منهما أثر إيجابي في إضعاف الدعم لكلٍّ من ترامب وإسرائيل وهذه الحرب المروعة.
أولًا، من غير اللائق أن يبعث كبار المسؤولين في الحكومة الأمريكية برسالة مفادها أن سبب انزلاق هذا البلد إلى صراع دموي متصاعد — بلا مبرر واضح، ولا سند قانوني، ولا نهاية تلوح في الأفق — هو أن دولة أخرى كانت لديها رغبة ملحّة في الحرب.
ثانيًا، وهو الأهم، أن إسرائيل تجد نفسها بالفعل في موقف حرج أمام الرأي العام الأمريكي، نتيجة الاستياء الشعبي الواسع من الإبادة الجماعية في غزة. ففي الأسبوع الماضي فقط، كشف استطلاع للرأي أجرته مؤسسة غالوب أن عدد الأمريكيين الذين يتعاطفون مع الفلسطينيين يفوق عدد المتعاطفين مع الإسرائيليين، وذلك للمرة الأولى على الإطلاق.
ورغم أن قبضة اللوبي المؤيد لإسرائيل على السياسة الأمريكية لا تزال قوية، فإنها تضعف بوتيرة غير مسبوقة داخل الحزبين الرئيسيين.
إن التلميح إلى أن إسرائيل هي القوة الدافعة وراء الحرب غير الشعبية مع إيران — والتي أسفرت حتى الآن عن مقتل ستة جنود أمريكيين على الأقل — لا يفعل سوى تأكيد حقيقة باتت أكثر وضوحًا لدى كثيرين خلال العامين الماضيين من الإبادة الجماعية والقمع: وهي أن الولايات المتحدة ترتكب الفظائع مرارًا وتكرارًا، على الصعيدين الداخلي والدولي، خدمة لتحالفها مع إسرائيل، حتى عندما تتنافى هذه الفظائع مع المنطق والأخلاق والمصلحة الذاتية.
ويكمن التحدي الآن في تحويل هذا الغضب المتزايد إلى تغيير ملموس، سواء عبر وقف المساعدات العسكرية لإسرائيل، أو دعم تحرير فلسطين، أو وقف الجهود المبذولة لقمع أي انتقاد لإسرائيل وعلاقتها بالولايات المتحدة، أو الحد من نفوذ جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، أو زيادة الدعم لحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS)، أو إجبار الولايات المتحدة وإسرائيل على الالتزام بالقانونين المحلي والدولي.
لقد فشلت الإدارات الديمقراطية والجمهورية، على حد سواء، في إقناع الناخبين الأمريكيين بأن من واجبها ضخ كميات هائلة من الأموال والأسلحة لتمكين إسرائيل من قتل الأطفال في غزة. ولا يوجد ما يدعو للاعتقاد بأن هؤلاء الناخبين أنفسهم يرغبون الآن في استخدام الأموال والأسلحة نفسها لقتل الأطفال في إيران — ليس استجابةً لدوافع متغيرة تروّج لها إدارة ترامب، وبالتأكيد ليس خدمةً لإسرائيل.
وقد يحاول ترامب الآن التستر على هذه المشكلة الأخيرة، لكنه لا يستطيع إجبار أعداد متزايدة من الأمريكيين على تجاهل الحقيقة التي باتت جلية: وهي أنه سيكون من الخير لهذا العالم أن ينتهي هذا التحالف الأمريكي–الإسرائيلي، وكلما كان ذلك مبكرًا كان أفضل.
[[1]]https://www.thenation.com/article/world/iran-war-israel-protest/



