خلال ست سنوات في مطلع القرن السابع عشر، شهدت الإمبراطورية العثمانية اضطرابات وصدمات هائلة، بعد اغتيال السلطان الشاب عثمان الثاني الذي حكم من عام 1618 إلى 1622 مـ، والذي سعى خلال فترة حكمه القصيرة إلى تغيير ملامح السلطة وإعادة تنظيمها، وذلك من خلال إعادة إحياء صورة “الغازي” أو السلطان المحارب. [[1]]
كان عثمان الثاني مصمماً أيضاً على تغيير المركز الجغرافي للإمبراطورية، فخطط لنقل العاصمة إلى القاهرة أو دمشق أو بورصة. وبلغت سياسات عثمان الثاني الجديدة ذروتها سياسياً ورمزياً في رغبته في أداء فريضة الحج إلى مكة المكرمة، على خلاف عادة أسلافه من سلاطين آل عثمان، الذين حالت مهام الحكم ورئاسة الدولة بينهم وبين أداء تلك الفريضة.
وقد اعتبر الإنكشارية، الذين أصبحوا لاعبين بارزين في السياسة العثمانية بحلول أوائل القرن السابع عشر، هذا التحول الجذري في السياسة العثمانية بمثابة تفكيك وتقويض للدولة؛ ولذلك قاموا بالثورة في 18 مايو 1622، وانتهت انتفاضتهم بعد يومين إثر اغتيال السلطان الشاب.
حينها عاد السلطان مصطفى الأول (عم عثمان الثاني)، الذي عُزل سابقاً، بسبب عدم استقراره العقلي إلى العرش. إلا أن حكمه الثاني لم يدم أكثر من عام، فعُزل مرة أخرى ليخلفه مراد الرابع (حكم من 1623 إلى 1640).
وقد أطلق الأديب العثماني كاتب جلبي (1609-1657) على هذه الأحداث اسم “المأساة العثمانية”.
في كتابه الصادر عن منشورات جامعة كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية تحت عنوان “An Ottoman Tragedy: History and Historiography at Play” «مأساة عثمانية: التاريخ وكتابة التاريخ في تفاعلهما» (2003) يتخذ المؤلف غابرييل بيتربيرغ هذه الفترة العصيبة في حياة الإمبراطورية العثمانية كمختبر تاريخي لرصد ودراسة التفاعل الجدلي بين التاريخ كحدث وتجربة، والتأريخ كسرد لتلك التجربة، داخل الإمبراطورية العثمانية في القرن السابع عشر. [[2]]
يعيد بيتربيرغ في هذا الكتاب الذي يقع في 271 صفحة بناء السردية العثمانية التاريخية لهذه الفترة المضطربة، بدءًا من النص التأسيسي الذي أُنتج في أوائل عشرينيات القرن السابع عشر، وصولًا إلى صياغة الرواية الرسمية للدولة في نهاية القرن السابع عشر. ويُدخل بيتربيرغ نظريات التأريخ في حوار مع التفسير الفعلي للنصوص التاريخية العثمانية، بشكل يدفعنا إلى إعادة النظر في التاريخ المسجل في تلك الفترة من تاريخ الإمبراطورية.
يفحص بيتربرغ في هذا السياق مأساة عثمان الثاني كنصٌّ أُعيد إنتاجه مرارًا داخل تقاليد الكتابة العثمانية، بحيث امتزجت فيه عناصر الدراما الأدبية بالوعظ الأخلاقي، والبلاغة، والسياسة السلطانية. ويخلص إلى أن المصادر العثمانية لم تكن تسجيلًا محايدًا للوقائع بل صاغت الحدث في قالب «تراجيدي» ذي بنية أدبية..
وفقًا لبيتربرغ لا يمكن فصل التاريخ عن عملية كتابته، لأنهما يتداخلان، والحدث نفسه يُفهم عبر طريقة سرده، ولا يمكن فصله عن بنيته الخطابية، كما لا يمكن كذلك الفصل بين السلطة وبين السرد، لأن طريقة رواية الحدث جزء من الممارسة الرمزية للسلطة؛ لذلك يخلص الأخير بناءً على هذا التصور القائم على تحليل التفاعل بين الحدث التاريخي وبين السرد، إلى أن الرواية التاريخية السائدة لمقتل عثمان الثاني كانت مرتبطة تمامًا بمحاولة إعادة تثبيت شرعية النظام السلطاني بعد الصدمة التي أحدثها مصرعه على يد الإنكشارية. حيث تحولت حادثة اغتيال عثمان الثاني إلى دراما نموذجية تحكي قصة تراجيدية لسلطان شاب متهور، بهدف تقديم عبرة أخلاقية عن اختلال التوازن بين السلطان والنخبة العسكرية؛ ولأجل إعطاء درس في حدود الإصلاح السياسي. وبذلك أصبح التأريخ نفسه أداة لإعادة ترميم الشرعية؛ فبعد الصدمة المتمثلة في قتل السلطان كان لا بد من سردٍ يُعيد النظام إلى معناه ويحوّل الفوضى إلى «عبرة».
وبناءً على هذه المأساة العثمانية التي تقدم لنا دراسة حالة حول العلاقة بين السلطة وكتابة التاريخ، يخلص القارئ إلى أن الحدث التاريخي لا يصل إلينا بوصفه «واقعة خام»، بل بوصفه بناءً سرديًّا تشكّل داخل تقاليد بلاغية وأخلاقية وسياسية محددة. كما يخلص إلى أنه لا يوجد «تاريخ نقي» خارج اللغة؛ فكل مؤرخ يعمل داخل تقاليد خطابية معينة؛ ولذلك وثائق الأرشيف ليست مرآة؛ بل هي مادة تُعاد صياغتها؛ لأن كل حدث تاريخي يُعاد خلقه مرارًا وتكرارًا في كل مرة يُكتب فيها.
نشير ختامًا إلى أن المؤلف غابرييل بيتربيرغ أستاذ للتاريخ في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس بالولايات المتحدة، وقد سبق له التدريس في كليتي سانت أنتوني وباليول في أكسفورد بالمملكة المتحدة.
[[1]]https://academic.oup.com/jis/article-abstract/17/1/100/673812
[[2]]https://www.ucpress.edu/books/an-ottoman-tragedy/hardcover



