في مقاله المنشور في مجلة «نيو ستيتسمان» البريطانية تحت عنوان “Islam is the engine of world history” (الإسلام محرك التاريخ العالمي) [[1]] يتناول الكاتب حسين عمر كتاب “Worlds of Islam: A Global History” «عوالم الإسلام: تاريخ عالمي» [[2]] (2026) الصادر حديثًا للمؤرخ البريطاني جيمس ماكدوجال، الذي يقدم فيه الأخير تاريخا عالميا شاملا للإسلام، يتتبع خلاله تطور مجتمعه الديني الثري بالتنوع على مدى 1400 عام، ومكانته اليوم في العالم الحديث، ويستكشف كيف تكيّف المسلمون مع تغيرات العصر والظروف، وكيف بنوا العديد من الإمبراطوريات، وكيف انتشروا في جميع أرجاء المعمورة، وصولاً إلى بلوغ تعدادهم اليوم أكثر من ملياري نسمة.
ومن خلال إعادة صياغة ماكدوغال لتاريخ مألوف، يُحصر عادةً ضمن إنجازات ما يُسمى بـ”الغرب”، يُذكّرنا بأن تاريخ هذا الدين في جوهره تاريخ عالمي؛ بل هو ببساطة تاريخ العالم أجمع. فعلى سبيل المثال لم يدعم فرديناند وإيزابيلا، ملك وملكة إسبانيا في أواخر القرن الخامس عشر وأوائل القرن السادس عشر، رحلة كريستوفر كولومبوس الأولى بحثًا عن عالم جديد. بل سعيا إلى الذهاب نحو الشرق من طريق جديد، من خلال اجتياز بحر الظلمات (المحيط الأطلسي)، وذلك بهدف هزيمة المسلمين تجاريًا، واستعادة القدس من جديد من يد المسلمين بعد اندحار الحملات الصليبية، واتخاذها قاعدةً لتأسيس إمبراطورية مسيحية عالمية. وقبل ذلك بسنوات، وصل المستكشف فاسكو دا غاما إلى كالكتا في الهند عام 1498، بعد أن زُعم أنه اكتشف أول طريق بحري مباشر بين أوروبا وآسيا، ولكن في الحقيقة كان دليله الملاحي رجلاً مسلمًا من غوجارات. وقد عرّفه هذا الدليل على مسلمين يتحدثون الإيطالية الجنوبية والإسبانية القشتالية من تونس.
يتتبع ماكدوغال الإسلام – أينما وُجد من يُعرّفون أنفسهم بأنهم مسلمون – بدءًا من قرطاجنة في عشرينيات القرن السابع عشر (في دولة كولومبيا حاليًا)، حيث وجد الأفارقة من خلفيات عرقية ولغوية متنوعة قاسمًا مشتركًا في دينهم الإسلامي، وصولًا إلى المجتمعات الفلبينية التي كان النساء فيها يمارسن الجنس مع أكثر من شريك قبل الزواج، ويحق لهن تطليق أزواجهن إذا ما انحرفوا عن مسارهم. ويأخذنا من سكان جنوب سولاويزي (إندونيسيا حاليًا) إلى غرب أفريقيا، حيث استلهمت حكومة الحزب الديمقراطي في غينيا من ملوك مالي المسلمين القدماء. ويُسهم اتساع نطاق أمثلة ماكدوغال وتنوعها في طرح عدد من المفاهيم، منها أن الإسلام وصل إلى كل ركن من أركان العالم، مُحدثًا تغييرًا فيه بطريقة أو بأخرى.
في الوقت نفسه، لا يتردد ماكدوغال في تطوير تصوراته الخاصة عن الإسلام كقوة تاريخية، حيث يُشير إلى أنه يُمكن فهم الإسلام أيضًا كلغة سياسية للسلطة، اعتمدت على قوة السلاح بقدر اعتمادها على قوة الحجة. وفهم الإسلام هنا كلغة سياسية بحسب المؤلف يعني إدراك كيف سمح ذلك بظهور توجهات قد نعتبرها، من منظورنا الحالي، متناقضة.
إنّ مراجعة ماكدوغال للتاريخ لا تُوظَّف لأغراضٍ متعصبة، بل لتحقيق نتيجةٍ معاكسة. فمن خلال إعادة النظر في قصة بدايات الإسلام، يُفند بهدوء الإجماع الذي ساد بعد أحداث 11 سبتمبر، والذي اعتبر مفاهيم مثل الجهاد رموزًا لاختلاف الإسلام عن المسيحية، بينما هي في الواقع توجد أيضًا في التاريخ المسيحي. فقد تبلورت مثلاً خصائص “الجهاد” أو “الحرب المقدسة” في الفكر السياسي البيزنطي في العقود التي سبقت الإسلام مباشرةً، كما يشير ماكدوغال الذي يقول في هذا السياق: “بالنسبة للبيزنطيين، لم يُهدد الهجوم الفارسي إرث روما فحسب، بل هدد أيضًا إمبراطورية المسيح على الأرض. ولأول مرة، أعلنوا حربًا مقدسة دفاعًا عن الدين الحق، ووعدوا بإكليل الشهادة والدخول المباشر إلى الجنة لكل من سقط في المعركة.” ومن خلال تفكيك أصول بعض المفاهيم التي تُعتبر جوهرية في الفكر الإسلامي، يهدف ماكدوغال إلى إعادة النظر في مفهوم “الإسلام” كآخر.
لا يبين ماكدوغال الخطأ الاستشراقي بصفته يُصوّر الإسلام على أنه متجانس وثابت فحسب، بل لأنه ينظر أيضًا إلى فكرة “الغرب” نفسها على هذا النحو. فلا يُمكن سرد قصة نشأة الدولة الحديثة في العالم الإسلامي في القرن التاسع عشر دون إعادة النظر في قصة “الدولة العلمانية” فيما يُسمى بالغرب. ومن خلال إعادة كتابة تاريخ كلتيهما، يُبيّن ماكدوغال أن قصة “فشل المسلمين” ليست في الواقع سوى وهم بصري، حيث يكتب، على سبيل المثال:
” كانت المساواة الدينية للجميع، وحياد الدولة العلمانية تجاه المجال الديني، بعيدة كل البعد عن أن تكون راسخة في أوروبا. ولم يُسنّ تحرير الكاثوليك في بريطانيا إلا عام 1829، وكانت المساواة المذهبية بعيدة كل البعد عن أن تكون واقعًا في أيرلندا الخاضعة للحكم البريطاني. وفي ألمانيا، دار صراع ثقافي حول الحياة السياسية وولاء الكاثوليك الألمان في سبعينيات وثمانينيات القرن التاسع عشر. وظل الفصل الرسمي بين الكنيسة والدولة أكثر الصراعات إثارة للجدل في فرنسا حتى تم ترسيخه في القانون عام 1905. أما روسيا، فقد رفعت صوتها عالياً مطالبةً بحماية سكانها المسيحيين من غارات العثمانيين، لكن يهود روسيا كانوا هدفاً للمذابح، وتم ترحيل آلاف المسلمين قسراً من شبه جزيرة القرم والقوقاز. إذن، لم تكن المساواة الدينية في الأراضي العثمانية تهدف إلى اللحاق بركب أوروبا الأكثر تنويراً”.
ولذلك فإنه وفقًا لماكدوغال لا يمكن دحض النزعات الاستشراقية التي هيمنت ولا تزال على الكتابات المتعلقة بالإسلام بمجرد تقديم سرد أفضل أو أدق للإسلام نفسه. بل يجب أن تستهدف هذه الكتابات: التاريخ، والافتراضات الأساسية، والأوهام، التي تُشكل أساس فهمنا الحديث والمعاصر لما يُسمى بـ”الغرب”.
نشير ختامًا إلى أن المؤلف جيمس ماكدوغال أستاذ للتاريخ الحديث والمعاصر في جامعة أكسفورد بالمملكة المتحدة، وزميل ليثوايت في التاريخ في كلية ترينيتي في أكسفورد.
[[1]]https://www.newstatesman.com/culture/books/book-of-the-day/2026/01/islam-as-the-engine-of-world-history
[[2]]https://www.hachettebookgroup.com/titles/james-mcdougall/worlds-of-islam/9781541600140/?lens=basic-books



