في مقاله المنشور حديثًا في مجلة «نيوستيتسمان» البريطانية تحت عنوان “Europe must break from America” (ينبغي لأوروبا الانفصال عن أمريكا) يقول الكاتب والسياسي البرتغالي برونو ماسايس إنه خلال فترة عمله في معهد هدسون للأبحاث في واشنطن، أتيحت له فرصٌ عديدة للتحدث مع المحافظين الشباب الصاعدين في صفوف الحزب الجمهوري، وهم الفئة التي تولّت زمام إدارة ترامب الآن. وقد استغرق الأمر منه بعض الوقت كي يستوعب وجود خللٍ خطير في العلاقات بين ضفتي الأطلسي. [[1]]
يشير ماسايس إلى أنه في البداية، كان يستمع إلى أحاديثهم التي تبدو بريئة، ونكاتهم حول البيروقراطية في بروكسل أو العطلات الطويلة في أوروبا. وكانت ثمة سخريةٌ من ميل الأوروبيين إلى كثرة الكلام وقلة العمل. وأحيانًا كانت النكات مسلية بحسب ماسايس، لكنها تحولت في مرحلة ما إلى ما يشبه الهوس، ولم تعد مضحكة. وكان من الواضح أن شكلًا قويًا من رهاب أوروبا يتنامى بين جيل جديد من النخب الأمريكية، وهو نفس الرهاب الذي تمثله اليوم إستراتيجية الأمن القومي التي أصدرتها إدارة ترامب مؤخرًا، والتي تُصوّر أوروبا كعدو حضاري بسبب التغير الديموغرافي الجاري على أرضها.
ويبدو أن هذا التيار السياسي والفكري كان له تأثير كبير على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، حيث ساهم بانتقاله شبه الحر من الأوساط المحافظة الأمريكية إلى نظيراتها في بريطانيا، في تشكيل التصور بأن الاتحاد الأوروبي خاسر تاريخيًا، وعفا عليه الزمن، وانتهى أمره، وأنه يواجه “محوًا حضاريًا” من خلال الهجرة المفتوحة، كما ورد في إستراتيجية ترامب الرسمية للأمن القومي.
وإذا كان خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بمثابة الضربة الأولى للاتحاد من حركة معادية لأوروبا جديدة في أمريكا، فإن أوروبا تواجه الآن هجومًا ثانيًا أشدّ خطورة. فمع استمرار تباين الرؤى الأيديولوجية السائدة في أوروبا وأمريكا، يبرز خطر واضح يتمثل في إمكانية استغلال التبعية العسكرية والتكنولوجية التي سمح الأوروبيون بتطورها ضدهم. فلعقود طويلة، كان الغرب بمثابة كيان متماسك. وفي كيان من هذا النوع، لا يُستغلّ الاعتماد المتبادل، ويمتنع الشركاء عن أي شيء قد يُهدد مصيرهم المشترك. ولكن بدون الغرب كإطار سياسي، يتلاشى هذا المنطق.
وقد أوضح دونالد ترامب في الآونة الأخيرة رغبته في السيادة على غرينلاند، لا مجرد الوصول إليها، ويبدو إعلانه عن فرض رسوم جمركية بنسبة 10% على عدد من الدول الأوروبية بمثابة بداية لحملة إكراه اقتصادي. وإذا فشل الإكراه الاقتصادي، فقد تحاول القوات الأمريكية في غرينلاند منع السفن أو الطائرات الدنماركية من الهبوط على الجزيرة. وإذا قبلت الدول الأوروبية حتمية مثل هذه الخطوة – سواء أكانت شراءً قسريًا أم عملية عسكرية – فإن أي مفهوم للسيادة الأوروبية سيتلاشى. ولن يأخذ أحد الاتحاد الأوروبي أو دوله الأعضاء على محمل الجد بعد ذلك.
السيناريو البديل حاليًا هو أن يُدرك الأوروبيون التهديد ويستجيبوا له وفقًا لذلك. قد يُؤدي هذا إلى سلسلة من الأحداث القادرة على تعزيز وعي أوروبي مشترك، وربما حتى ولادة دولة حضارية أوروبية. وفي الواقع، يميل الوعي القومي أو الحضاري إلى الظهور في مواجهة دول أو حضارات أخرى، ولا تُؤدي روسيا ولا الصين هذا الدور. فهما بعيدتان جدًا، وضعيفتان جدًا بحيث لا تُمثلان ما أسماه المؤرخ أرنولد توينبي “تحديًا” تاريخيًا، أي الآلية النفسية التي تولد من خلالها حضارات جديدة. فهما غريبتان جدًا، ومنفصلتان جدًا عن الحياة الأوروبية، ولذلك لن تُجبرا سكان القارة على إعادة النظر في مسائل الهوية والقيم الأساسية. ولكن على النقيض من ذلك، تُمثل أمريكا تحديًا حقيقيا، وربما يكون التحدي الأبرز الذي يواجه الأوروبيين اليوم، مما يُجبرهم على التساؤل عن القيم التي يُدافعون عنها، وعما يُميزهم عن بقية العالم.
وفي هذا المسعى للحفاظ على نفسها في مواجهة النفوذ الأمريكي، يُمكن لأوروبا، أخيرًا، أن تستعيد هيبتها، ولكن ستحتاج (أولًا) إلى تأكيد سيادتها الكاملة في مواجهة التهديدات والإنذارات الصادرة من واشنطن، فالحجم مهم: أوروبا الموحدة وحدها هي القادرة على حماية السيادة الأوروبية، لا كل دولة بمفردها. (ثانيًا)، ستُجبر القطيعة الإستراتيجية مع الولايات المتحدة الأوروبيين على تولي زمام كل قرار مصيري بأنفسهم. وفجأة، ستزول النرجسية لدى الدول الأوروبية، بتعبير آخر، ستضطر إلى التخلي عن نفسها لصالح شعور حقيقي بالانتماء المشترك، الذي لطالما حالت الحماية والوصاية الأمريكيتان دون حدوثه.
العقبة الرئيسية اليوم أمام صعود دولة أوروبية ليست اعتماد أوروبا العسكري والتكنولوجي الحالي على الولايات المتحدة. فهذا الاعتماد موجود، ولكنه متبادل. ولكن ما تفتقر أوروبا إليه بالفعل هو أسواق مالية عميقة بما يكفي لاستيعاب مدخراتها الضخمة، وكما يعرف الجميع، فإن الأوروبيين يتمتعون بثروة كبيرة. وقد تراكمت لدى صناديق التقاعد والاستثمار الأوروبية تريليونات الدولارات من الأصول الصادرة عن شركات أمريكية أو الحكومة الأمريكية. وسيُدخل فرض حد أقصى على هذه الحيازات، سوق الأسهم والسندات الأمريكية، في دوامة من الانهيار. وبطبيعة الحال يجب اتخاذ مثل هذه الإجراءات بحذر، ولكن في الظروف الاستثنائية، يجب على الأقل النظر فيها. ولكن ما يمنع القادة الأوروبيين من مجرد التفكير فيها ليس شعورهم بالتبعية بقدر ما هو تجذّر عقلية معينة ترتبط بتعلق غير صحي بماضٍ لم يعد موجوداً.
فربما كانت أورسولا فون دير لاين (رئيسة المفوضية الأوروبية)، وكير ستارمر (رئيس وزراء بريطانيا)، وفريدريش ميرز (المستشار الألماني) – جميعاً من بين جموع الشباب والشابات الذين رقصوا طوال الليل في برلين في ديسمبر 1989 (عشية انهيار جدار برلين). لا أحد يلومهم على ذلك. إنها بالفعل ذكرى ثمينة، وعليهم أن يعتزوا بها. لكن الموسيقى قد توقفت. وحان الوقت لا للاستيقاظ، بل لتجاوز أعراض الشراب وآثار الثمالة.
فحتى الآن، ظلت أوروبا عالقة بين أولويات دولها القومية القديمة واتحاد أوروبي يطمح إلى تمثيل القيم الليبرالية التي لطالما وُصفت بأنها غربية، لكن هذه الأيديولوجيا التي كان الأوروبيون والأمريكيون يتشاركونها، لا تزال تحمل في طياتها وهم إمكانية أن تصبح عالمية حقًا في يوم من الأيام. ولكن لم يعد بإمكان أوروبا وأمريكا اليوم الاتفاق على أيديولوجيا مشتركة، ولذلك فإن البحث عن قيم عالمية – بحسب الكاتب- قد انتهى فعليًا.
في ختام مقاله يقول ماسايس إنه نظرًا لأن إستراتيجية الأمن القومي الجديدة تسعى إلى إعادة تشكيل السياسة الأوروبية، وتقريبها من القيم التي يتبناها ترامب، فلن يتمكن الأوروبيون من البقاء أوفياء لمبادئهم السياسية إلا إذا حافظوا على سيادتهم. وفي الوقت الراهن، لا تزال أوروبا يتنازعها اتجاهان: المشروع الأوروبي، والتحالف العابر للأطلسي مع الولايات المتحدة. وبحسب ماسايس فقد حان الوقت بالنسبة لأوروبا للتساؤل أولاً عما إذا كان هذان الاتجاهان في الواقع طريقين مفترقين تمامًا؛ وللتأمل ثانيًا في أيٍّ من هذين الاتجاهين المتباعدين ينبغي لها أن تسير.
[[1]]https://www.newstatesman.com/international-politics/2026/01/europe-must-choose-the-european-project-or-the-transatlantic-alliance



