في مقاله المنشور حديثًا في مجلة «ذا نيشن» الأمريكية تحت عنوان “My Dumb Journey Through a Smartphone World” (رحلتي الغبية عبر عالم الهواتف الذكية) [[1]] يروي الكاتب مارتن دولان تجربته مع الهواتف الذكية التي كانت تشغل جزءًا كبيرًا من وقته بسبب وظيفته المكتبية الأولى التي كنت تجعله يقضي وقتًا طويلاً وحيدًا، لا شيء يُؤنسه سوى الشاشة. ولكي يملأ أوقاته الفارغة، كان يتصفح الهاتف.
كان دولان يخرج من مكتبه في الخامسة مساءً منهكًا من كثرة عناوين صحيفة التايمز، والآراء الحادة على تويتر، ومقاطع الفيديو القصيرة التي قضى يومه وهو يتصفحها. وكان سيل العناوين والاقتباسات كئيبًا. وبينما كان الصحفيون والمعلقون يلومون أبناء جيله على إدمانهم المفرط للهواتف، بدأ دولان يشعر بالقلق من أن التكنولوجيا، كوسيلة تواصل بالنسبة له مع العالم، هي المشكلة بحد ذاتها؛ فهي مملوكة ومُستغلة من قبل شركات تستغل الجدل لجذب الانتباه. وعوضًا عن أن يحرر الهاتف عقل مستخدمه بتوفير المعلومات على مدار الساعة، أصبح التصفح بمثابة عقاب مرهق.
ويشير دولان إلى أن شركات التكنولوجيا الكبرى قد نكثت بوعودها التي جذبت بها المستخدمين في المقام الأول. وأنها تستغل الشركات المملوكة لها، كما تستغل المستخدمين الأفراد، وعملاء الشركات، والجهات السياسية التي انخدعت بتلك الوعود؛ وباسم الراحة التي يوفرها الهاتف، تنازل الناس في الحقيقة عن حريتهم في العالمين: الافتراضي والواقعي على حد سواء.
وهكذا، أصبحت فكرة التخلص من الهاتف ليست خبرًا سيئًا بالنسبة للكاتب، بل العكس، فالهاتف أصبح الوسيلة التي تصله من خلالها الأخبار السيئة، ومن ثم بات الابتعاد عنه مغرًيا أكثر فأكثر. وبدأ دولان في البحث على الانترنت عن وظيفة لن يحتاج فيها إلى استخدام هاتفه الذكي، وتقدم له بديلًا يجد فيه بدًا من المكانة المحورية التي كان يحتلها هاتف الآيفون في حياته.
والرجوع إلى التقنيات البسيطة ليس رغبة في العودة إلى ماضٍ أسطوري بحسب دولان، ولا يتعلق الأمر بالامتناع التام عن التكنولوجيا، بل بالعودة إلى الماضي. فالهواتف البسيطة، ومشغلات الصوتيات MP3، والكاميرات الرقمية تستحضر حقبةً كان يوجد فيها معظم التقنيات التي يفضلها جيل الألفية مثل نظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، والموسيقى الرقمية، والرسائل النصية، لكنها لم تكن قد استُحوذ عليها بعد من قِبل احتكار المنصات والتطبيقات التي تهيمن اليوم.
وبالنسبة لشباب اليوم، تُعد هذه الأجهزة الإلكترونية فرصةً لإعادة إدخال التخطيط والوعي في عاداتهم اليومية، فهي تضيف قدراً محسوباً من التعقيد في مكالماتنا الهاتفية وصورنا، انطلاقاً من أن التفكير مليًّا قبل اللجوء إلى التكنولوجيا سيجعلنا أقل اعتماداً عليها. والأهم من ذلك، أن هذا التشكيك في ثقافة التكنولوجيا المعاصرة له وجهان: فمن خلال تجنب بعض التطبيقات الحالية، نستطيع توجيه أموالنا نحو معاملات التسوق التقليدية، كما أننا في الوقت نفسه نستعيد تركيزنا.
لكن يقول دولان في النهاية إنه بالنظر إلى ماضيه الشخصي، فإن كل محاولاته للتخلي عن التكنولوجيا كان محكوما عليها بالفشل منذ البداية. وأنه حتى مع تذمّره الخفيف من الخوارزميات والمراقبة، فإنه كان مُعتمدًا جدًا على مزايا هاتفه لدرجة أنه لم يستطع الاستغناء عنه. ولكن الأهم من ذلك، أن الجميع كان كذلك. فكل جانب-تقريبا- من جوانب الحياة الاجتماعية والمهنية في أمريكا يُدار الآن عبر مجموعة من التطبيقات. ويشير كذلك إلى أن عدم القدرة على الدفع المالي بنقرة واحدة، أو مسح رمز الاستجابة السريعة، أو الاطلاع على رسالة تأكيد عبر البريد الإلكتروني، لا يُسبب للمرء الانزعاج فحسب، بل يُسبب الإزعاج لكل من حوله. ويقول إن هذا مقصود إلى حد كبير.
يشير دولان إلى أنه خلال العقد الماضي، وصل استخدام منصات التكنولوجيا المُصممة خصيصًا للهواتف الذكية إلى ذروته؛ ففي الولايات المتحدة على الأقل، يُصمَّم كل شيء جديد اليوم في مجالات مثل الإعلام، والتسوق، والمواصلات، وحتى الخدمات الحكومية؛ على افتراض امتلاك المرء هاتفًا ذكيًا. ولا أمل في العودة إلى الخلف على هذا الصعيد.
قبل أن يختم مقاله يتساءل دولان لماذا يُفترض بالمستهلكين التخلي عن الراحة التي يوفرها الإنترنت، وعن قدراته على صعيد توصيل وربط الناس بعضهم البعض، وباقي إمكاناته الهائلة، لمجرد وجود قلة من الجهات السيئة؟ ويشير إلى أن ما نحتاجه اليوم عوضًا عن ذلك هو تحوّل جذري في السياسات والوعي الثقافي حول الأهداف التي وُجدت التكنولوجيا لأجلها حقاً.
[[1]]https://www.thenation.com/article/society/my-dumb-journey-through-a-smartphone-world/



