في كتابهما الصادر مؤخرًا في الولايات المتحدة الأمريكية تحت عنوان “W. D. Fard: The Man, Myth, and Mystery Behind the Nation of Islam” «دبليو. دي. فارد: الرجل والأسطورة والغموض وراء أمة الإسلام» يقدم المؤلفان (جون أندرو مور، وبلال محمد) دراسةً جريئةً حول مؤسس أمة الإسلام الغامض المدعو دبليو. دي. فارد، والمعروف لدى أتباعه باسم “السيد فارد محمد”، وهو شخصية غامضة ألهمت تعاليمها مالكوم إكس، والملاكم محمد علي كلاي، وإيلايجاه محمد، ولويس فرخان، والعديد من الشخصيات التي انخرطت في الجناح المسلم لحركة الحقوق المدنية الأمريكية. [[1]]
لقد اختفى فارد دون أيّ أثر عام 1934. وقد دار جدلٌ بين المؤرخين حول نياته: هل كان داعيةً، أم محتالًا، أم عميلًا؟ ولماذا أسس هذا الداعية غير الأفريقي حركة قومية سوداء؟
بالاستناد إلى علمي النفس والاجتماع والبحث الأرشيفي، يكشف المؤلفان عن مصادر فارد الدينية، وتأثره بالنزعات الباطنية. ويتعمق الكتاب في فترة سجن فارد، وحياته العاطفية، وعلاقاته باليابان الإمبراطورية، وفي الأصول المفاهيمية لتعاليمه. كما يستخدم المؤلفان أدوات متطورة، من بينها الذكاء الاصطناعي، وبرامج التعرف على المشاعر، واختبار الحمض النووي، وعلم اللغة الجنائي؛ لكشف حقيقة الرجل التي تقبع وراء الهالة الأسطورية التي تحيط به.
يتعرض الكتاب للآراء المتعددة حول أصل فارد، واسمه الحقيقي، وخلفيته العرقية (على الأرجح من شبه القارة الهندية)، وتنقلاته داخل الولايات المتحدة قبل ظهوره في مدينة ديترويت عام 1930. ويخلص إلى أن الهوية الحقيقية لفارد لا يمكن الجزم بها يقينًا، لكن يمكن استبعاد كثير من الروايات الأسطورية المتداولة داخل الحركة، مقابل ترجيح أنه كان شخصية متحركة بين ثقافات وأديان متعددة، وأنه استثمر هذا الالتباس بوعي.
يناقش الكتاب كيف تحوّل فارد، بعد اختفائه، من واعظ غامض إلى كائن شبه مقدس في لاهوت أمة الإسلام، حيث اعتُبر: تجسيدًا للإله، أو مهديًا، أو مخلّصًا للسود في أمريكا.
ويرى المؤلفان أن هذا التأليه لشخصه لم يكن واضحًا في خطاب فارد نفسه بقدر ما تطور لاحقًا، خاصة على يد إيلايجاه محمد، الزعيم الثاني للحركة.
يكشف الكتاب كذلك أن فكر فارد لم يكن “إسلاميًا خالصًا”، بل كان خليطًا معقّدًا من عناصر إسلامية مبسطة، وأفكار مسيحية أمريكية هامشية مثل أفكار جماعة شهود يهوه المسيحية الصهيونية، وأفكار جماعات الثيوصوفيا الباطنية؛ وهذا الخليط هو ما منح أمة الإسلام طابعها الفريد: دين + أسطورة + سياسة هوية.
يعالج الكتاب قضية اختفاء فارد عام 1934 لا كحادثة عرضية، بل باعتبارها لحظة مفصلية، وحدثا مؤسسا سمح بتحوله من شخص محدود إلى رمز مطلق؛ وعلى أنها لحظة خلقت فراغًا تاريخيا جرى ملؤه بالأسطورة والتأليه. ويشير المؤلفان في هذا السياق إلى أن غياب الرجل بجسده كان شرطًا ضروريًا لبناء لاهوت الغياب داخل الحركة.
لا يحسم الكتاب سؤال: هل كان فارد نبيًا؟ أم مصلحًا؟ أم محتالًا؟ أم زعيمًا اجتماعيًا؟ بل يطرح بديلًا أكثر تعقيدًا، ألا وهو أن فارد كان شخصية أدائية (Performative) أدرك قوة الأسطورة في سياق العنصرية والاضطهاد العرقي، واستخدم الدين كلغة للتحرر والهيمنة الرمزية في آن واحد.
كما يقدّم الكتاب قراءة ترى أن حركة أمة الإسلام ليست انحرافًا دينيًا بقدر ما هي نتاج سياق أمريكي عنيف، وأن فارد ليس لغزًا فرديًا فقط، بل مرآة لأسئلة الهوية، والعرق، والخلاص، والسلطة الرمزية. والكتاب لا يخلُص عمومًا إلى إجابات نهائية، بل ينتهي برسالة ضمنية ألا وهي أن الأسطورة أحيانًا تكون أقوى من الحقيقة، وأكثر فاعلية منها تاريخيًا.
نشير ختامًا إلى أن المؤلف جون أندرو مورو هو مؤلف غزير الإنتاج، له مئات المقالات الأكاديمية وعشرات الكتب العلمية في مجالات متخصصة متنوعة. وهو كذلك مُعلّم ومحاضر وإداري حائز على جوائز عديدة، بالإضافة إلى كونه محللًا جيوسياسيًا، وناشطًا في مجال السلام والعدالة. وقد حصل على جائزة الخدمة بين الأديان من الجمعية الإسلامية لأمريكا الشمالية، وشهادة تقدير من الكونغرس الأمريكي، وتكريم من معهد لونغ آيلاند للحوار بين الأديان كواحد من أكثر العلماء الأمريكيين المسلمين تأثيرًا. ونشير كذلك إلى أن المؤلف المشارك بلال محمد هو مترجم، وكاتب مسرحي، مقيم في تورنتو بكندا. وهو زميل أول في معهد بيركلي للدراسات الإسلامية. وقد درس محمد العلوم السياسية وتاريخ الأديان في جامعة تورنتو وجامعة أوتاوا، وحصل على بكالوريوس التربية من معهد أونتاريو للدراسات التربوية، كما عمل مترجماً في قسم الدراسات التاريخية بجامعة تورنتو، وهو مؤلف للعديد من الكتب.



