في مقاله المنشور حديثا في مجلة فورين بوليسي تحت عنوان “Trump’s Fake Peace Deals Are Dangerous” (صفقات السلام الزائفة لترامب أمر محفوف بالمخاطر) يقول عالم السياسة الخارجية الأمريكي ستيفن والت إنه لاحظ سابقًا أن قادة الولايات المتحدة قد قلّلوا من الحديث عن السلام، إلا أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يُعد – بحسبه- استثناءً إلى حدٍّ ما في هذا الصدد، فهو يتحدث كثيرًا عن السلام، ويصر على استحقاقه لجائزة نوبل للسلام، ويدّعى أنه أنهى ثمانية حروب على الأقل. [[1]]
ولكن في غزة- على سبيل المثال- لم تُنهِ خطة ترامب للسلام المكونة من 20 بندًا، العنف الدائر. بل سهّلت هذه الخطة غزو إسرائيل البطيء للضفة الغربية ومعاملتها الوحشية للفلسطينيين هناك، وقُتل ما يقرب من 400 فلسطيني منذ التوصل إلى وقف إطلاق النار في أكتوبر؛ ولا تزال المساعدات الإغاثية محدودة وغير كافية؛ ولم تُشكّل حتى الآن قوات حفظ السلام التي كان من المفترض أن تشرف على المراحل اللاحقة من وقف إطلاق النار. ولم تكن تلك الخطة -عمليًا- خطوة نحو سلام حقيقي؛ ولم تكن سوى ستارٍ لجهودٍ حثيثةٍ لإقامة “إسرائيل الكبرى” ومحو الفلسطينيين في نهاية المطاف ككيانٍ سياسيٍّ ذي قيمة.
وبالمثل، فقد فُندت مزاعم ترامب بإنهاء الحرب الحدودية بين كمبوديا وتايلاند بفعل أحداثٍ عديدة، فقد استأنفت الدولتان القتال مؤخرًا، وردّ رئيس الوزراء التايلاندي على مكالمةٍ هاتفيةٍ لاحقةٍ مع ترامب برفض دعوات وقف إطلاق النار، مصرحًا: “ستواصل تايلاند عملياتها العسكرية حتى لا نشعر بأي أذى أو تهديدٍ لأرضنا وشعبنا”.
ويتكرر النمط المأساوي نفسه في جمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث استأنفت ميليشيا حركة 23 مارس المدعومة من رواندا هجماتها على القوات الكونغولية ووسّعت نطاق سيطرتها على الأراضي هناك.
أما في السودان، فقد باءت جهود الولايات المتحدة لإنهاء الحرب الأهلية الوحشية هناك بالفشل.
كما فنّد رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي مزاعم ترامب بوقف بعض المناوشات الحدودية القصيرة بين الهند وباكستان (مما أثار غضب ترامب).
ولا تزال مصر وإثيوبيا على خلاف بشأن مشروع سد مثير للجدل على نهر النيل، رغم تدخلات ترامب المتقطعة في هذا الشأن.
وفي جميع هذه الحالات، تُعدّ مزاعم ترامب بتحقيق السلام مجرد دعاية. وينطبق الأمر نفسه على أوكرانيا. فخلال حملته الرئاسية، تفاخر ترامب بأنه سينهي الحرب هناك “في غضون 24 ساعة”، وهو ادعاء كان سخيفًا حين أطلقه، ولم تُثمر جهوده المتقلبة لإقناع الطرفين بوقف القتال.
ولا ننسى أن هذه الجهود غير الفعّالة تزامنت مع أفعال أخرى أججت نيران الحرب في أماكن ثانية. فقد تحالف ترامب مع إسرائيل عندما هاجمت إيران؛ وأمر بشن غارات جوية أو صاروخية في أفغانستان ونيجيريا والصومال وليبيا والعراق وسوريا واليمن؛ وترتكب إدارته عمليات قتل خارج نطاق القضاء بحق مهربي مخدرات مشتبه بهم في منطقة الكاريبي، في انتهاك صارخ للقانون الأمريكي والدولي.
وفي الحقيقة فإن إنهاء الحروب وإرساء سلام دائم ليس بالأمر الهيّن- بحسب والت- وعادةً ما يتطلب انتصارًا حاسمًا لأحد الطرفين، تتبعه تسوية معقولة تُثني الطرف المهزوم عن محاولة تغيير النتائج؛ أو يتطلب اعترافًا متبادلًا بعدم جدوائية استمرار القتال. وفي الحالة الأخيرة، يجب على كلا الطرفين تقبّل عدم تحقيق كل منهما ما يصبو إليه، والتركيز بدلًا من ذلك على تحقيق ما يكفي من أهدافه. وفي كلتا الحالتين، ثمة تفاصيل عديدة لا بد من تسويتها، تشمل ترسيم الحدود، والتعويضات المحتملة، وإعادة السجناء إلى أوطانهم، واستئناف العلاقات الدبلوماسية، وضمانات أمنية متنوعة، وآليات (مثل نشر قوات حفظ سلام محايدة) لمراقبة تنفيذ بنود الاتفاق.
ويُعد ترامب في هذا السياق صانع سلام فاشل، لأنه يتجاهل هو وفريقه جميع هذه المتطلبات. كما أنه كذلك معروف بنفاد صبره وعدم اهتمامه بالتفاصيل، وذلك على عكس الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر مثلاً، الذي أمضى ساعات طويلة في إقناع المسؤولين المصريين والإسرائيليين بتوقيع اتفاقيات كامب ديفيد عام 1978.
وبالطبع، لا يُعد تدخل الرؤساء المباشر شرطًا أساسيًا، شريطة أن يُعيّنوا ممثلين أكفاء لتولي زمام الأمور نيابةً عنهم. ولكن لسوء الحظ، يُفضّل ترامب الاعتماد على دبلوماسيين غير محترفين، مثل ستيف ويتكوف أو جاريد كوشنر، بدلًا من الدبلوماسيين المحترفين ذوي الخبرة اللازمة، كما أنه لا يثق في المسؤولين ذوي الخبرة لتحديد مدى جدوى أي اتفاق مُحتمل. وهنا، تُعدّ عداوة ترامب تجاه الدولة العميقة في الولايات المتحد بمثابة جرح ألحقه بنفسه- كما يشير والت- لأنّ المشورة من ذوي الخبرة أمر مهم وقيّم للغاية، والدبلوماسيون المحترفون عادةً ما يتفوقون في الأداء على المعينين سياسيًا.
قبل أن يختم مقاله يقول والت إنه علاوة على كل ذلك لم يكن ترامب ومبعوثوه الدبلوماسيون منصفين. والنتيجة هي أنّ العديد من الأطراف المتحاربة حول العالم لا تثق بهم، ومن المرجّح أن يدفع هذا الأمرُ الوسطاء نحو حلول أحادية الجانب لا تُفضي إلى شيء، أو تنهار بعد توقيعها بفترة وجيزة. مشيرا إلى أن هذه المشكلة قد برزت بشكلٍ جليّ في الشرق الأوسط، بسبب انحياز مبعوثه ويتكوف، وصهره كوشنر، والسفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، لإسرائيل.
[[1]]https://foreignpolicy.com/2025/12/22/trump-peace-deals-ceasefire-gaza-ukraine-congo-fake/



