تُعدّ فترة الحرب الأهلية التي امتدت منذ عام 1402مـ إلى عام 1413 من أكثر الفترات إثارةً وتعقيدًا في التاريخ العثماني. وعادةً ما تُسمى بفترة “خلو العرش” نظرًا لعدم استقرارها السياسي، ولما شهدته من تقلبات واضطرابات أثّرت في المشهد السياسي آنذاك.
وفي كتابه الصادر عن دار بريل للنشر تحت عنوان ” The Sons of Bayezid: Empire Building and Representation in the Ottoman Civil War ” «أبناء بايزيد: بناء الإمبراطورية وتمثيلها في الحرب الأهلية العثمانية» (2007) يقدم المؤرخ: ديميتريس كاستريتسيس أول دراسة شاملة لهذا الفصل التاريخي، الذي بدأ بتقطيع أوصال الإمبراطورية العثمانية في بداياتها على يد تيمورلنك عقب هزيمته المدوّية للسلطان بايزيد في أنقرة عام 1402. [[1]]
لقد فقد العثمانيون السيطرة على النصف الأناضولي من دولتهم، وعانوا خلال إحدى عشرة سنة من الاضطرابات الكبيرة التي عصفت بحكمهم، وأضعفت سيطرتهم على تلك المنطقة نسبيا، وخلال هذه الفترة تمكّن أبناء بايزيد الأربعة من تكوين خلية سلطة مهمة، كان لها فيما بعدُ الأثر الأكبر في بناء جزء كبير من دولة ما قبل عام 1402.
وعلى الرغم من أن هذه الفترة عُرفت تقليديًا باسم “فترة خلو العرش” كما أشرنا سابقا، إلا أن الكاتب يُفضّل تسميتها “الحرب الأهلية العثمانية”، حيث يعتقد أن المصطلح الأول يُقلل من أهمية هذه الفترة في مجرى التاريخ العثماني، ويُشير إلى درجة من عدم الاستقرار ربما تكون مبالغا فيها، كما أن هذا المصطلح لا يفيها حقها أيضًا؛ حيث كانت بحد ذاتها فصلًا كاملاً من فصول التاريخ العثماني المديد، مارس فيه أحد الأبناء أو بعضهم قدرًا كبيرًا من السيطرة على جزء كبير من أراضي الدولة عوضًا عن مجرد التنافس عليها. ولعل هذا ينطبق بشكل خاص على الأعوام 1404-1409 عندما حكم الابن الأكبر، الأمير سليمان، معظم الأراضي العثمانية.[[2]]
بعد رحيل تيمورلنك، تنازع أبناء بايزيد على ما تبقى من الدولة العثمانية في سلسلة من الحروب الدامية التي شارك فيها العديد من الفصائل الداخلية والقوى الأجنبية. وكجزء من تلك الحروب، كُتبت بعض الكتب التي تُعدّ من أقدم المؤلفات التاريخية العثمانية في بلاط الأمراء المتحاربين، حيث استخدموا الأدب ووسائل أخرى لتبرير ادعاءاتهم ضد بعضهم البعض.
وكصورة عامة عن محتوى الكتاب فإنه يقدم إعادة بناء مُفصّلة للأحداث، استنادًا إلى المصادر التاريخية المُتاحة، كما أنه يعطي ملامح مهمة عن الثقافة السياسية لتلك الفترة، كما تنعكس في الأدبيات التاريخية التي أُلّفت خلالها. كما يكشف تحليل المؤلف لتلك لأدبيات التي تعد من أقدم الأدبيات في التاريخ العثماني، عن مواقف مثيرة للاهتمام حول مسائل مثل قتل الإخوة في السلالات الحاكمة وتقاسم السلطة.
نشير ختامًا إلى أن المؤلف ديمتري كاستريتسيس هو أستاذ للتاريخ حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ ودراسات الشرق الأوسط من جامعة هارفارد، ودرجة البكالوريوس في لغات وحضارات الشرق الأدنى من جامعة شيكاغو، كما عمل أيضا محاضرًا في التاريخ الحديث بجامعة سانت أندروز (اسكتلندا، المملكة المتحدة). وهو مؤلف ومحرر لعدد من الكتب والمقالات العلمية؛ ويهتم كاستريتسيس بوجه خاص بالسرديات التاريخية المحيطة بنشأة الإمبراطورية العثمانية في القرن الخامس عشر الميلادي، المكتوبة باللغات التركية والفارسية واليونانية وغيرها، والتي تجمع بين وجهات نظر متخيلة للتاريخ، وأفكار عالمية وإمبراطورية، تتناول تداخلات الماضي الروماني البيزنطي والإسلامي.
[[1]]https://brill.com/display/title/13748?srsltid=AfmBOoreRd4ecpAX62TJUiDGlZplEESvbZMe_JBBHrfDeO4bLBR0NEjH
[[2]]https://academic.oup.com/jis/article-abstract/21/2/310/664761



