في كتابه الصادر عن منشورات جامعة كاليفورنيا تحت عنوان “Inventing America’s Worst Family: Eugenics, Islam and the Fall and Rise of the Tribe of Ishmael” «اختراع أسوأ عائلة في أمريكا: تحسين النسل، الإسلام، وسقوط وصعود قبيلة إسماعيل» (2009) يروي المؤلف ناثانيال دويتش قصةً غريبة تدور حول عائلة بيضاء فقيرة من ولاية إنديانا، تحولت إلى كبش فداءٍ لتُصبح “أسوأ” عائلة في أمريكا من قِبل حركة تحسين النسل في أوائل القرن العشرين.
الكتاب هو دراسة (تاريخية –أنثروبولوجية) تتناول كيف تحولت مجموعة فقيرة ومنبوذة إلى رمز ثقافي-سياسي متغير عبر الزمن. ويتتبع قصة حقيقية لفئة اجتماعية أمريكية من ولاية إنديانا في القرن التاسع عشر كانت تُعرف باسم قبيلة إسماعيل (Tribe of Ishmael). وقد أصبحت هذه المجموعة في أواخر القرن التاسع عشر رمزًا للفقر والانحطاط الأخلاقي والاجتماعي في الأدبيات التي كتبها رواد حركة تحسين النسل (Eugenics) في أمريكا، ثم أعيد اكتشافها في السبعينيات بشكل جديد؛ إذ صُوِّرت على أنها جماعة مسلمة أو ذات جذور إسلامية. وبالتالي، فالكتاب لا يتحدث عن “عائلة” فحسب، بل عن كيفية اختراع وتحوّل السرديات الاجتماعية حول العرق والدين والفقر في التاريخ الأمريكي.
يتتبع الباحث من خلال اعتماده على الوثائق الأصلية من سجلات الإحصاء والمحاكم وتقارير الجمعيات الخيرية في القرن التاسع عشر: كيف تم اكتشاف تلك العائلة، التي قاتل جدها الأكبر في حرب الاستقلال الأمريكية، في الأحياء الفقيرة في إنديانا بوليس في سبعينيات القرن التاسع عشر. وكيف أصبحت لاحقًا رمزًا لكل ما هو خاطئ في حياة فقراء المدن. [[1]]
وللمفارقة، فقد احتُفي بعائلة إسماعيل باعتبارها أول مؤسس للمجتمع المسلم الأمريكي من أصل أفريقي في البلاد، بينما هي في الحقيقة مجموعة عائلات فقيرة بيضاء مسيحية كانت تعيش في ولاية إنديانا (Indiana)، وتحديدًا في مدينة إنديانابوليس وضواحيها. ولم يكن لهم أصل أفريقي أو عربي أو مسلم إطلاقًا. بل كانوا من فقراء الجنوب والمزارعين المستقرين أو الرحّل (migrant poor) ممن عانوا من التهميش الاقتصادي والاجتماعي. وتكشف هذه القصة الملحمية العجيبة جانبا مهما من دور الطبقة الاجتماعية والعرق والدين والعلم في تشكيل تاريخ الأمة الأمريكية وأساطيرها الحديثة.
يدور الكتاب حول مفهوم (الاختراع الاجتماعي) “Social Invention”: أي أن الهوية العائلية أو الدينية أو العرقية لا تُكتشف بل تُختَرع ويُعاد اختراعها بحسب القوى الفكرية والسياسية السائدة في كل عصر.
وفي هذا الإطار تعد “قبيلة إسماعيل” في نظر المؤلف مرآة تعكس تحولات أمريكا نفسها: من جمهورية بروتستانتية تنظر إلى الفقر باعتباره خطيئة، إلى مجتمع يبحث عن التنوع والتعدد الثقافي والديني. وفي هذا السياق يقدم الكتاب سردًا شائقًا لكيفية تأثير البنية السياسة للعرق واللون في أمريكا في أوائل القرن العشرين، وقدرتهما على تشكيل وإعادة خلق الصورة العامة لعائلة إسماعيل الفقيرة.
كما تُلقي الدراسة ضوءًا جديدًا على تقاطع العرق والطبقة من جهة، والعرق والدين من جهة أخرى، وتبين كيف استغلت العنصرية “العلمية” في ذلك الوقت هذه العقد الاجتماعية في استمرار تصوير عائلة إسماعيل بصفتها رمزًا حيًا لكل ما حدث من خطأ في أمريكا؛ لتصبح بذلك عائلة إسماعيل نقطة التقاء لدعاة تحسين النسل في مناصرتهم للنقاء العرقي جنبًا إلى جنب مع تشريعات مكافحة الهجرة. [[2]]
ويُنسب اكتشاف أو اختراع تلك العائلة الممتدة إلى أوسكار ماكولوغ، وهو قس بروتستانتي ذو توجه طائفي. ويسلط دويتش الضوء على آراء ماكولوغ حول الإسماعيليين، وكيف أضفت آراؤه طابعًا رمزيًا عليهم؛ فرغم أنهم كانوا مجرد أُناس بيض فقراء، إلا أنهم جرى تهميشهم وتم النظر إليهم مثل السود والعرب والمسلمين والغجر والأمريكيين الأصليين وغيرهم من المجموعات العرقية والدينية المهمشة؛ وذلك بسبب التهديد الاجتماعي الذي يُفترض أنهم يُشكّلونه على المجتمع الأوسع؛ فقد صُمّمت الهوية البيضاء أساسًا بحيث تمنع التشرّد، والجرائم البسيطة، والبيع المتجوّل، والمعتقدات الدينية الأخرى غير المسيحية؛ وكانت هذه الممارسات تُنسب إلى مجتمعات أدنى؛ ولأجل هذا المعيار العنصري، “فشل الإسماعيليون في أن يصبحوا بيضًا.[[3]]
يتكون الكتاب من خمسة فصول. ففي الفصل الأول يوضح دويتش كيف تم اختراع تلك القبيلة من قِبل علماء الاجتماع ودعاة الإصلاح في القرن التاسع عشر، ويشرح كيف استخدمها دعاة تحسين النسل كدراسة حالة لشرح “الانحطاط الوراثي”، إذ اعتبروها عائلة تتوارث الفقر والجهل والجريمة عبر الأجيال؛ وبذلك أصبحت تلك القبيلة أسطورة علمية-اجتماعية تُستخدم لتبرير السياسات الطبقية والعنصرية في ذلك الوقت مثل التعقيم الإجباري للفقراء.
وفي الفصل الثاني يستعرض دويتش كيف استُغلت فكرة “قبيلة إسماعيل” في الحملات السياسية والعلمية لدعم مشروع تحسين النسل في أمريكا. ويعرض كيف كانت تلك الحركة تمزج بين العلم الزائف والأفكار الأخلاقية البروتستانتية حول الانحراف والكسل والفقر.
ولكن بعد تراجع حركة تحسين النسل في منتصف القرن العشرين، اختفت القبيلة عن النقاش العام، واعتُبرت مجرد بقايا من فكر عنصري. إلا أن نسيانها- كما يشير دويتش في الفصلين الثالث والرابع- لم يكن نهاية القصة، بل كان مقدمة لتحول جديد؛ ففي سبعينيات القرن العشرين، بعد نحو مئة عام من نسيان القصة، ظهرت أطروحات جديدة، بعضها من داخل حركات الإسلام الأمريكي الأسود (حيث كان كثير من الأمريكيين السود يبحثون عن جذور روحية وهوية بديلة عن المجتمع الأبيض)، وبعضها الآخر من باحثين تقدميين. وزعمت هذه الأطروحات أن “قبيلة إسماعيل” لم تكن عائلة بيضاء منحطّة كما صوّرتها سرديات المجتمع الأبيض، بل كانت مجموعة مختلطة الأعراق من الأفارقة والهنود الحمر وربما البيض، وأنها ربما كانت مجتمعًا مسلمًا مبكرًا في الولايات المتحدة.
وقد رأى هؤلاء في الاسم “إسماعيل” دلالة على إرث إسلامي، ففسروا اللقب بوصفه بقايا هوية مسلمة أو إفريقية إسلامية ضاعت مع الزمن. لكن دويتش يوضح أن هذه الرواية الجديدة لا تستند إلى دليل تاريخي فعلي؛ فلم يُعثر على أي أثر يدل على أن هؤلاء الناس مارسوا الإسلام أو كانت لهم أصول إفريقية أو عربية؛ وكل الشواهد المتاحة تدل على أنهم كانوا مسيحيين بيضا فقراء.
ويناقش دويتش في الفصل الأخير من الكتاب والذي عنونه بـ (الإسلام والهوية والذاكرة) كيف تحول “الاسم نفسه” (إسماعيل) من رمز للانحطاط إلى رمز للكرامة الدينية والانتماء الروحي. ويربط هذا التحول بتغيرات كبرى في المجتمع الأمريكي من خطاب بيولوجي عنصري إلى خطاب ثقافي-ديني، مبيّنا أن القصص التي تُروى عن الجماعات المهمشة يمكن أن تُعاد كتابتها لتصبح أدوات للمقاومة واستعادة الهوية.
وتكمن أهمية هذا الكتاب في أنه يقدم نقدًا عميقًا لتاريخ تحسين النسل في أمريكا بوصفه علمًا عنصريًا يتخفّى وراء اللغة العلمية. وفي ربطه بين تاريخ هذه العائلة وبين تحولات الهوية الإسلامية في الولايات المتحدة، خاصة لدى الأمريكيين الأفارقة. ويُظهر كيف يمكن لجماعة كانت تُعد “عارًا قوميًا” أن يُعاد النظر إليها كرمز للإيمان والصمود؛ وكيف أن الهوية الجماعية في أمريكا ليست شيئًا ثابتًا، بل تُكتب وتُعاد كتابتها وفق حاجات المجتمع وأيديولوجياته.
ويتمتع الكتاب بأسلوب سردي جذّاب، ولا يقدّم فقط تحليلا أكاديميا جافا، بل يُعيد بناء قصة واقعية ذات بُعد إنساني، ويرويها كما لو كانت حكاية عائلية ضخمة تمتد عبر قرن ونصف من التاريخ، ويعيد النظر في مفاهيم سائدة ويسائلها. كما يلقي الكتاب نظرة مهمة على جانب أقل تداولاً من تاريخ الولايات المتحدة، ألا وهو العلاقة بين تحسين النسل، والفقر، والتحكّم والضبط الاجتماعي.
كما يُثري الكتاب فهمنا كذلك لتداخل الدين (الإسلام في هذا السياق) مع البُنى الاجتماعية والتاريخ الأميركي بطريقة غير معتادة. وهو مفيد للباحثين والدارسين في التاريخ الأميركي، ودراسات العِرق، وعلم الاجتماع، والدراسات الإسلامية الأميركية.
نشير ختامًا إلى أن مؤلف الكتاب ناثانيال دويتش هو أستاذ الأدب والتاريخ في جامعة كاليفورنيا (سانتا كروز)، وهو مؤلف لعدد من الكتب الأخرى من بينها: كتاب “عذراء لودمير: امرأة يهودية مقدسة وعالمها” (منشورات جامعة كاليفورنيا، 2003).
[[1]]https://www.ucpress.edu/books/inventing-americas-worst-family/paper#about-book
[[2]]https://academic.oup.com/jis/article-abstract/22/1/106/692504



