في مقاله المنشور حديثًا في مجلة فورين بوليسي الأمريكية تحت عنوان “How Assassinations Became Normal Again” (كيف أصبحت الاغتيالات أمرًا عاديًا مرة أخرى) [[1]] يطرح عالم السياسة الخارجية وأستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد ستيفن والت سؤالا عن القاسم المشترك بين اغتيال الناشط الأمريكي تشارلي كيرك ومحاولة إسرائيل الفاشلة لقتل بعض كبار مسؤولي حماس في القصف الذي استهدف قطر؟ ويجيب بأن ثمة اختلافات واضحة ومهمة؛ ألا وهي أن الاغتيال الأول عمل فرديّ لا تزال دوافعه غامضة، بينما كان الثاني عملاً عسكرياً متعمداً أمرت به حكومة منتخبة ودوافعها واضحة. ومع ذلك، يمكن اعتبار كلا العملين -بحسب والت- دليلاً على تآكل الأعراف السياسية المعاصرة على نطاق أوسع، سواء بين الدول أو داخلها، وخاصةً الميل مجددًا إلى اعتبار الاغتيالات تكتيكاً سياسياً مشروعاً؛ حيث كانت الاغتيالات التي تدبرها الدول والحكومات أمرًا شائعاً في السابق، ولكن مع مرور الوقت، تراجعت شعبية هذا التكتيك بين القوى الكبرى.
وقد عبر هذا التحول التاريخي عن مزيج مختلط من المصالح المادية الإستراتيجية والمبادئ المعيارية. حيث كان الاغتيال أداةً تستخدمها الدول الأضعف أحيانًا ضد منافسيها الأقوى، بينما فضّلت القوى العظمى حصر العمل السياسي العنيف في ساحة المعركة، حيث يُرجّح أن تنتصر بسبب مواردها الكبيرة. علاوة على ذلك، كان للنخب الحاكمة في مختلف الدول مصلحة مشتركة في عدم محاولة قتل بعضهم البعض – مهما كانت خلافاتهم – حتى مع إرسالهم آلافًا من رعاياهم للموت في معارك دامية.
ومن اللافت للنظر أن القاعدة الرافضة للاغتيالات ظلت ساريةً حتى في الحروب العظمى، فلم يحاول الحلفاء قط اغتيال أدولف هتلر مع أن بعض الألمان حاولوا فعل ذلك، وكذلك لم يستهدفوا الإمبراطور الياباني هيروهيتو أو الزعيم الإيطالي بينيتو موسوليني مباشرةً.
وقد عكست تلك القاعدة الرافضة لفكرة الاغتيال مفهوم الواقعية السياسية القائل بأن القادة الوطنيين يخضعون لمبادئ أخلاقية مختلفة عن الأفراد العاديين، وأنه لا تنبغي محاسبتهم شخصيًا على أفعالهم نيابةً عن الدولة؛ حيث يمكن توجيه الاتهام إلى فرد قتل شخصًا وإدانته، لكن الملك أو رئيس الوزراء الذي شنّ حربًا “من أجل المصلحة الوطنية” يمكن أن يفلت من العقاب حتى لو مات الآلاف نتيجةً لهذا القرار. وأيضًا قد يُعزل القادة الذين بدأوا حربًا فاشلة من السلطة، لكن نادرًا ما كانوا يُحاكمون أو يُعاقبون طالما كانوا يتصرفون بصفتهم الرسمية.
ولم تتجلى هذه الازدواجية في المعايير بوضوحٍ في أي لحظة أكثر مما جرى في أعقاب الحرب العالمية الأولى، عندما سُمح للقيصر الألماني المخلوع، فيلهلم الثاني، بقضاء ما تبقى من حياته في منفى هادئ في هولندا. وقبل قرنٍ نجا نابليون بونابرت أيضًا من العقاب المباشر رغم جرّه أوروبا إلى الحروب في مناسباتٍ عديدة، بل أُرسل في النهاية ليشيخ ويموت وحيدًا في منفى جنوب المحيط الأطلسي.
إلا أن هذه القاعدة بدأت في الانهيار في أعقاب الحرب العالمية الثانية، مع ترسيخ اعتبارات أخلاقية ومادية جديدة، في محاكمات جرائم الحرب في نورمبرغ وطوكيو، حيث رفض الحلفاء المنتصرون خلالها التمييز السابق بين الأفعال العامة والخاصة، وحمّلوا المسؤولين اليابانيين والألمان السابقين المسؤولية الشخصية عن أفعالهم الرسمية. وقد ألهم هذا الدافع اعتماد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
وقد كان هذا التحول في المنظور المعياري مهمًا، لأنه إذا أصبح القادة الأفراد مسؤولين أخلاقيًا عن قراراتهم، فمن الأسهل تبرير العمل المباشر ضدهم. كما يُمكن اعتبار استهداف قائد واحد (وربما حفنة من المقربين) أفضل من بدء حرب يفقد فيها المزيد من الناس أرواحهم. ومنذ ذلك الحين بدأت عمليات الاغتيال تبدو وكأنها وسيلة أكثر فعالية من حيث التكلفة للتعامل مع المشكلات السياسية، بل وازدادت فعاليةً مع تزايد التكنولوجيا العسكرية التي جعلت الضربات الدقيقة وعمليات القتل المستهدف ممكنة، على الأقل بالنسبة للدول الأكثر قدرةً عسكريًا.
وقد أصبحت عمليات الاغتيال التي ترعاها الدول لقادة منافسين أكثر شيوعًا مع مرور الوقت. فخلال الحرب الباردة، تورطت الولايات المتحدة في الكثير من محاولات الاغتيال ضد قادة أجانب مثل فيدل كاسترو، وباتريس لومومبا، ومعمر القذافي، وآخرين. وكذلك استهدفت إدارة بوش صدام حسين عمدًا في بداية غزو العراق عام 2003، وفي عام 2020، قتلت إدارة ترامب قاسم سليماني، قائد فيلق القدس الإيراني، في ضربة صاروخية.
وقد قتلت إسرائيل أيضًا العديد من خصومها السياسيين على مر السنين، بمن فيهم قادة حماس وحزب الله، بالإضافة إلى العديد من العلماء النوويين المدنيين الإيرانيين. كما حاولت كوريا الشمالية اغتيال رئيسين مختلفين لكوريا الجنوبية، مرةً عام 1968 ومرةً أخرى عام 1983. وأيضًا زعمت أوكرانيا أن روسيا حاولت مرارًا اغتيال الرئيس فولوديمير زيلينسكي. ومن الواضح أن القاعدة السابقة التي تقضي بعدم استهداف الحكومات لنظيراتها الأجنبية أصبحت الآن على أجهزة الإنعاش.
في ختام مقاله يقول والت إن هذا التطور في مسألة قبول الاغتيالات من جديد يعد أمرًا مُقلقًا للغاية، لثلاثة أسباب على الأقل:
أولاً، أنه وبالرغم من أن الأعراف القوية لا تمنع الدول القوية من التصرف كما تشاء، إلا أن وجود عُرفٍ راسخ يقضي بعدم تقبل الاغتيالات سوف يُكلف مُنتهكه ثمنًا باهظًا على سمعته، ويثني كثيرين عن انتهاكه من أجل الحفاظ على علاقات وثيقة أو تعاونية معه. ومع تآكل العُرف، تتضاءل القيمة الرادعة لهذه العواقب المُتعلقة بالسمعة، وستنظر المزيد من الدول إلى الاغتيال كشكلٍ مشروع-وإن كان مُتطرفًا- من أشكال العمل السياسي، وستكون الحكومات في كل مكان أكثر خوفًا وأقل ثقة، وسيصبح التوصل إلى حلولٍ مقبولةٍ من الطرفين للنزاعات القائمة أكثر صعوبة. ففي النهاية، كيف يُمكنك التفاوض بحسن نية مع شخصٍ يُحاول قتلك؟
ثانيًا، وانطلاقًا من النقطة الأولى، فإن التخلي عن عُرف مُناهضة الاغتيال سيُثني الخصوم عن الاجتماع مما يُصعّب التوصل إلى حلولٍ دبلوماسيةٍ للصراعات القائمة. كما أنه سيثني أطرافًا ثالثة عن محاولة دعم هذه الجهود.
وأخيرًا، فإن الاعتقاد بأنه من المقبول تمامًا استهداف وقتل مسؤولين أجانب على خلاف معهم يُسهّل على البعض أيضًا تبرير أعمال العنف ضد شخصيات سياسية محلية يختلفون معها. وفي كلتا الحالتين، يُشيطن المستهدفون المحتملون في البداية باعتبارهم تجسيدًا للشر وتهديدًا مميتًا للأمة. وبمجرد أن تُلصق بهم هذه الصفة، ستبدو الإجراءات المتطرفة للتعامل معهم مقبولة، بل وربما ضرورية.
[[1]]https://foreignpolicy.com/2025/09/18/assassination-political-violence-charlie-kirk-normal/



