لم أحضر له في قاعة محاضرات جامعية ككثيرين ممن استفادوا منه وحدثوني عنه قبل لقائي به، حتى لقيته في أمريكا في أواخر الثمانينيات، ثم في لندن في أوائل التسعينيات، وجلست إليه متعلمًا ومتسائلًا، وسافرت معه وقضيت معه أوقاتًا سعيدة كثيرة يصعب اختزالها في مقال. أذكر أني حين كتبت مقدمة لكتابه نظرات في منهج العمل الإسلامي (نشره التجمع الإسلامي لأمريكا الشمالية عام 1420هـ/ 1990م) أعجبه التقديم، لكنه طلب مني عدم نشره، وقال: “إن خرجت من هذا العالم فاكتبوا عني ما شئتم”. أكبرت فيه ذلك التواضع، ثم نشرت المقدمة في أول الكتاب، ولعلها موجودة على موقع الشيخ رحمه الله.
وهنا سوف أتحدث بما لم أذكره هناك، ومن ذلك أنه ذكر لي أنه لما حكم جعفر النميري في انقلابه الشهير اختفى الشيخ في بيت أحد معارفه، ثم قال: طلب مني ذلك الصديق أن نذهب للقاء النميري، فقلت له: كيف أسلم منه وتراني هاربًا مختفيًا منه ومن حكومته؟ فضمن لي الصديق السلامة والعودة إلى المخبأ أو حيث شئت. قال: فذهبنا إلى جعفر، فسأل: لماذا هربت؟ فأخبره الشيخ أنه فعل ذلك خوفًا من انقلابه الشيوعي، فقال جعفر: لست شيوعيًّا، فقال: ولكن حكومتك من كبار الشيوعيين في السودان! فكان مما قاله النميري: اصبر قليلًا وسترى ما يحل بهم. وفعلًا صفاهم النميري وبادرهم قبل أن يبادروه.
وكان شديد النقد على حسن الترابي، إلى أبعد من التكفير. وقد ذكر أمورًا أخرى حتى وصل الأمر بي إلى أن قلت: أسألك بالله ألا تتحدث عن ذلك مرة أخرى. وكان الشيخ جعفر رئيس الإخوان المسلمين في السودان، ثم أخذ منه المنصب حسن الترابي.
وكان للشيخ ملاحظة مهمة عن الديمقراطية في العالم الإسلامي وذكر بأن وجود الإسلاميين يمنع الغرب من السماح بوجود الديمقراطية في عالمنا. وكانت ملاحظة ذكية صحيحة.
وعندما جاء الجزيرة العربية أستاذًا في جامعة الملك سعود حافظ على دروس الشيخ ابن باز ومجالسه. قال لي مرة إن الشيخ ابن باز أنقى إنسان عرفه ثقافة، فثقافته إسلامية خالصة لم تختلط بغيرها، وأشار إلى أنه ليس له مورد إلا الموارد الإسلامية. وذكر من طرائفه مع ابن باز أن رئيس وزراء بلد إفريقي وعد أن يزور الشيخ، والزائر لا يعرف إلا اللغة الإنجليزية، فطلب الشيخ ابن باز من الشيخ جعفر أن يحضر المقابلة ويترجم بينه وبين الضيف. قال: ولكن الرئيس وهو مسيحي طلب أن يرافق رئيس الوزراء في زيارة الشيخ، ولم يكن عند الشيخ ابن باز معرفة بدين رئيس الجمهورية ولا بحضوره، ومعلوماته أن سوف يزوره رئيس الوزراء المسلم. قال: فلما بدأ الحديث قال الشيخ ابن باز: ولماذا لا تقوم بانقلاب على رئيس الجمهورية وتأخذ الحكم أنت؟ قال: فأحرجت جدًّا لوجود الرئيس في اللقاء وتصرفت في السؤال، وأخبرت الشيخ عن وجود الرئيس معنا في المجلس.
وكان مما سمعت عن الشيخ جعفر قبل لقائه من طلاب له في مادة الثقافة الإسلامية في جامعة الرياض [آنذاك] أنه أعطاهم امتحانًا في الثقافة الإسلامية، وقال لهم: لا حرج عندي أن تطلعوا على الكتب أو المذكرات التي درستها لكم. تعجب الطلاب منه، فقد كان يبحث عمن فهم وليس من قرأ.
ومما أعرفه عنه عدم تعلقه لا بمال ولا بمظاهر. مرة سافر من الخرطوم إلى الكويت ونسي أن يأخذ معه مالًا، قال: واحتجت شيئًا في مطار دبي فتلمست جيبي فما وجدت فيه إلا سنتات، أجزاء من الدولار، فدعوته وقتها للذهاب لمعرض الكتب في الكويت، فقال: ليس معي ما أشتري به، قلت له: نذهب وإن لم نشتر فلنشاهد الكتب، ثم عاد كل منا بحصيلة من الكتب، فمازحته: ألم تر أننا استفدنا من الذهاب للمعرض؟ قال: نعم وعدنا بما أسعدنا.
أما عن ذاكرته فلم تكن كما يُحب؛ مثلا مرة سأل أحدهم الشيخين في مؤتمر التجمع الإسلامي في شيكاغو الشيخ الددو الشيخ جعفر عن محفوظاتهم؟ فذكر الشيخ الددو بعض محفوظاته، ولما أجاب الشيخ جعفر قال: أما أنا فلا أحفظ شيئا! وكنا مرة في القاهرة في إحدى المكتبات، فوجدنا فيها كتاب: القوس العذراء لمحمود شاكر، وكان معجبا جدا بالنص، فاشترى الشيخ السبع نسخ الموجودة في المكتبة ليهديها والثامنة تركها لي لأشتريها، ثم وضع نسختي مع نسخه في الكيس ونسيها معه.
وكان مما تحدثنا عنه أن ذهبنا يومًا إلى مكتبة شهيرة في مدينة دنفر، واشترى واشتريت كتبًا، وهو قارئ نهم جدًّا، فكان أحد الكتب التي اشتريتها قال عنه إنه صعب، فشكوت إليه معاناتي في قراءة الكتب الإنجليزية، فكيف أستطيع التغلب على ذلك، قال: اقرأ أكثر. وكانت نصيحة مهمة جدًّا عرفت نتائجها بعد زمن. وقد تعودت أن أدعوه للمشاركة في محاضرات وندوات ومؤتمرات، وكان رحمه الله سريع الاستجابة، يحاضر باللغتين رغم كراهيته للحديث بالإنجليزية، ولكن ظروف الجاليات في أمريكا كانت تحرجه.
وعندما تقاعد من معهد الدراسات العربية في واشنطن أسس مع بعض زملائه الجامعة الأمريكية المفتوحة، وأعجبتني فيه همته وقراره وتصديه لمشروع ثقافي عظيم، مع علمي أنه لا يملك أحيانًا أجرة شقته التي يسكنها مع أسرته. وقد حاولت أن أرتب له مع بعض المجلات الثرية أن يكتب لهم مقالًا شهريًّا، وقد التزم وأنتج ويبدو أنهم التزموا له كذلك بحقوقه.
كان محبًّا لبعض جوانب التقنية، وهو من أوائل المشايخ الذين امتلكوا حاسوبًا صغيرًا يتنقل به ويكتب عليه مقالاته، وكان بذلك غريبًا عن أقرانه المحافظين من المسلمين. وقد قال لي مرة إنه كان لهم زملاء من الإنجليز يدرسون في جامعة الخرطوم، وكانوا يكتبون الأسئلة للطلاب على الآلة الكاتبة، فغار منهم وتعلم الكتابة على الآلة الكاتبة، ولما خرج الحاسوب كان من أوائل مستخدميه في حله وترحاله.
كان أول ما عرفت عنه كاتبًا، وكان مقلًّا في الكتابة، أن نشرت له مجلة المجتمع الكويتية عدة حلقات في أواخر السبعينيات على ما أذكر يرد فيها على الشيوعيين، ثم قرأت له نقدًا نشره في مجلة كان يشرف عليها محمد الرشيد في البحرين، وكان النقد لكتاب سيد قطب، رحم الله الرجلين. وقتها شعرت أني أمام مفكر كبير، وليس مجرد إسلامي حركي له تاريخه في الحركة الإسلامية في السودان. وسألته مرة عن جذور تسلفه؟ فكان مما قال لي إن مدينته أو منطقته كسلا في السودان ثقافتها سلفية. وسألته سؤالًا آخر عن الحركة الإسلامية في السودان، هل كانت فرعًا للإخوان المسلمين في مصر؟ فكان مما أذكره من قوله إنها لم تكن فرعًا للإخوان المسلمين، وإنما كانت الأدبيات الإسلامية غالبها تصل من مصر، فكانوا يتأثرون بذلك، ولم يتصلوا ويعرفوا الإخوان المسلمين إلا في وقت متأخر، ثم قرأت نحو هذا القول في كتاب للدكتور الترابي عن الحركة الإسلامية في السودان.
ومما أذكره إعجابه برسالة الشيخ بكر أبو زيد إلى ربيع المدخلي يرد فيها على ما قاله ضد سيد قطب، فمما أذكر ثناءه على الرسالة وجودة سبكها ولغتها، ومما قال أعجبتني وليس ككتابة النجديين المعتادة، فهم كثيرًا ما يملؤون كتاباتهم بالنصوص، ولكن كتابة الشيخ بكر مميزة بأسلوبها ونضوج فكرتها.
ومن ذكرياته التي سردها لي أنه كان يدرسهم في جامعة لندن الفيلسوف الشهير كارل بوبر، وكان يأتيهم من منطقة جنوبية عن لندن في محاضرة أسبوعية، وفي إحدى المرات التي تحدث فيها عن نقد المنطق اليوناني، ولعله كان في تلك الأيام يعمل على كتابه عن المجتمع المغلق والمجتمع المفتوح، قال: فلحقت به في الممر وقلت له إن مفكرًا مسلمًا سبقكم بنقد المنطق اليوناني وذكر له ابن تيمية. قال: وكنت مفتخرًا بأن أسدي له هذه المعلومة، قال فرد علي: نحن لا نعلم، إذ لم تترجموا لنا ما عندكم. قال: فقلب عليّ ما كنت تقدمت به عليه. وقد كان الشيخ موردًا عقليًّا فياضًا لمن كان يحسن الاستقاء منه.
وكان يرى في زكي نجيب محمود كاتبا له قدرته الفلسفية، ويلومه على تفاخره بالتلمذة لمدرسة فرانكفورت، قال: ولم يكن أقرب لها مني فبعض أساتذتي كانوا من أعمدتها بينما زكي نجيب سمع عنهم أو قرأ. وما كان الشيخ يرى في عبد الرحمن بدوي إلا أستاذا يدرس الفلسفة ولم يكن فيلسوفا ولا يملك الإمكانات الذهنية لذلك.
وقد عرفت في الرياض بعض من كان يهتم بصحبته ولقائه، وهو الشيخ الدكتور عبد الله الصبيح رحمه الله، وكان ممن يهتم به وبأمثاله. وكذا بعض الأفذاذ في الرياض اهتموا بوضعه القانوني، ووقوه أن يكون عالة على أبواب الدول والسفارات، خاصة حين حدثت انهيارات كثيرة كبيرة في بلده، وذلك أقل ما يجب لعالم ومفكر جليل من أمته المفرطة في نفسها فضلًا عن عقولها. واليوم أكتب في عزائه هذا، وقد كان طلب مني حين جمعت ونشرت كتابه الأول أن أترك نشر تلك المقدمة حتى يغادر هذا العالم. ولعل السبب تحسسه من اشتمال ذاك النص على مدح له. وقد عمر رحمه الله بعد ذلك، وها أنا ذا أكتب في عزائه مرة أخرى بعد أكثر من ربع قرن من كتابة تلك المقدمة المؤرخة في 4 ربيع الثاني 1420هـ الموافق 17 يوليو/ تموز 1999م، وقد توفي أمس الجمعة الموافق 23 محرم 1447هـ، 18 يوليو/ تموز 2025م عن عمر ناهز 94 عامًا.
كانت ذكرياتي مع الشيخ كثيرة، وهذا بعض ما حضرني وقت كتابة هذا المقال، رحمه الله رحمة واسعة، وعزائي لأسرته ومحبيه.



