يشهد الشرق الأوسط في هذه الفترة اضطرابات شديدة وفجوات متزايدة بين الدولة والمجتمع، كما يشهد فشلا واضحا للنخب الحاكمة في معالجة مظالم المواطنين الحقيقية، من خلال تحسين أداء الإدارة الاقتصادية، وإصلاح الخلل الذي أصاب قطاع التعليم والصحة، والمرافق العمومية الأخرى، كل هذه المشكلات كانت موجودة أصلا إلا أنها تفاقمت بسبب التدخلات المتكررة من القوى الغربية في الشؤون العربية. فلماذا يصعب حتى الآن تحقيق التغيير السياسي الذي يمكن أن يكون مفتاحًا لحل هذه المشكلات الكبيرة؟ ولماذا كلما سقط حاكم مستبد أتيح لنا حاكم آخرُ أشدّ استبدادا، وأجرء على انتهاك الأعراض وتكميم الأفواه،
في كتابه الصادر حديثًا عن منشورات جامعة برنستون في الولايات المتحدة تحت عنوان “The Great Betrayal: The Struggle for Freedom and Democracy in the Middle East” «الخيانة الكبرى: النضال من أجل الحرية والديمقراطية في الشرق الأوسط» (2025)، يُؤكد البروفسور فواز جرجس، بأن تضافر الاستبداد السياسي، والتدخل الغربي، وآثار الصراعات الإقليمية المطولة، كلها أسباب قد أسفرت عن هذا الشلل السياسي المستحكم، والركود الاقتصادي غير المسبوق، مما أحبط قدرة الناس العاديين على اتخاذ قراراتهم، بسبب صعوبة هذا الوضع الراهن، الذي تستفيد من استمراره قوى داخلية وخارجية، لا تريد لهذه الشعوب إلا أن تظل حبيسة الفقر والجهل، بينما تظل هي وأذنابها تنهب ثروات البلاد، وتستعبد الأحرار وتسومهم سوء العذاب.
ومحاولةً منه لفهم هذه القضية، ووضعِها في السياق الذي جاءت فيه، يتتبع الباحث جرجس أكثر من قرن من الزمن، مستنطقا الأحداث الكبيرة المؤثرة في المنطقة، بدءًا من نهاية الإمبراطورية العثمانية والتقسيم الأوروبي للشرق الأوسط، وصولًا إلى الثورة الإيرانية وانتفاضات الربيع العربي التي أسقطت طغاة مشهورين، وحاولت تغيير المنطقة لولا الثورات المضادة التي وأدت هذه التجربة الديمقراطية، مُظهرا كيف حُرمت شعوب الشرق الأوسط بشكل ممنهج ومتعمّد من حق تقرير المصير، والتمثيل السياسي، والحكم الفعّال، وفُرض عليها طغاة مستبدّون، وصلوا إلى السلطة إما بالقوة الغاشمة، أو التزوير الفاضح.
كما يؤكد الكاتب جرجس أن هذه المنطقة، بتنوعها وتقلباتها وصلابة شعوبها كانت- ولاتزال- تتحدى النظريات الكبرى المجردة؛ فالسرديات السابقة التي كثيرا ما كانت تعزو مشاكل الشرق الأوسط إلى سبب واحد، كالحداثة، تتجاهل تعقيد تلك القضايا وخصوصيتها والسياقات التي صاحبتها.
كما يتساءل الكاتب في ثنايا الكتاب عن ملامح المستقبل التي يمكن أن نستشفها من تاريخ الشرق الأوسط المضطرب، مؤكدا أنه متفائل بمستقبل أفضل لهذه المنطقة، كما يعلن بكل صراحة أن مصير الشرق الأوسط لن يحدده الحكام المستبدون ورعاتهم من القوى العظمى، بل سيحدده الشبابُ العربي المسلم الذي يتزايد عدده ووعيُه يوميا، ويطالب بأن يتم التعامل مع الشعوب بصفتهم مواطنين وليس بوصفهم رعايا.
إن هذا الكتاب مهم جدا ويساعدنا على فهم الكثير من الأزمات الحالية في الشرق الأوسط، ويبيّن لنا الأسباب التي جعلتنا نصل إلى هذه المرحلة من التمزق والفساد السياسي والإداري، وهو- من باب الإنصاف والدقة- أطروحة تتمتع بمقدرة تفسيرية عالية في شرح جدلية القوى الإمبريالية الخارجية، والقوى الوطنية الداخلية، والعوامل والمؤثرات الاجتماعية والاقتصادية التي تضافرت لتشكّل خريطة المنطقة السياسية على مدى القرن الماضي.
كما يحاول الكاتب من خلال هذه الأطروحة تغيير الصورة النمطية السائدة في أغلب الدوائر الغربية عن منطقة الشرق الأوسط، والتي غالبًا ما يتم التركيز فيها على الحكام وسياسات النخبة، مقدّما رؤيةً أكثر شمولًا للتيارات المجتمعية، ومحاولا توضيح أسباب فشل نموذج الحكم الديمقراطي في ترسيخ موطئ قدم راسخ في العالم العربي. ومما لا شك فيه أن تحليل المؤلف للفاعلية السياسية للناس العاديين أضاف بُعدًا جديدًا هامًا للدراسات السياسية المهتمة بتتبع تاريخ تطور أنظمة الدولة الحديثة في الشرق الأوسط.
نبذة عن المؤلف
المؤلف هو: فواز جرجس أستاذ العلاقات الدولية في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، ومدير مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة لندن، وهو أيضًا معلق سياسي معروف، وضيف بارز في كثير من المحطات الإخبارية الفضائية العربية والأجنبية للتعليق على شؤون الوطن العربي. وله العديد من المؤلفات السابقة المنشورة من بينها كتابا “ما الذي حدث خطأً: الغرب وفشل الديمقراطية في الشرق الأوسط” و”بناء العالم العربي” الصادران عن منشورات جامعة برينستون.



