في مقالها المنشور في مجلة «ذا نيشن» الأمريكية تحت عنوان “Real Estate Is the Key to Trump’s Worldview” (العقارات هي مفتاح رؤية ترامب للعالم) [[1]] تقول الكاتبة كيت واغنر إن صناعة البناء قد لا تكون أول ما يتبادر إلى الذهن عند التفكير في دونالد ترامب. إلا أن تطوير العقارات أمر محوري في تاريخ الرجل، لدرجة أن عالم المعمار قد يكون مفتاحًا لفهم مشروعه السياسي بأكمله. لذلك لا يوجد إجراء واحد اتخذه ترامب خلال ولايته الثانية بدءًا من التعريفات الجمركية مرورًا بترحيل المهاجرين إلى الهجمات الشرسة على المؤسسات الأكاديمية وصولاً إلى التنصل من القيود البيئية، إلا وأثّر بشكل واضح على الفضاء العمراني للولايات المتحدة.
وقد أعاد ترامب في مأموريته الثانية إنتاج نسخة أكثر جرأة من تصوره المعماري الأول، لكن هذا كله يبدو الآن وكأنه مجرد حطام في بحر هائج. فجميع هذه المجالات الآن تحت تهديد وجودي خطير، فقد شهدت الأشهر الثلاثة الأولى من ولايته فوضى عارمة في كثير من الإدارات، كما شهدت أيضا عمليات فصل غير قانونية، وأوامر تنفيذيةً محيرة، إضافة إلى حملات قمع قاسية، استهدفت الكثير من المهاجرين كما ضيقت الخناق على الكثير من الحريات الثانية، مما يوحي بفشل هذه المأمورية التي كان يُعوّل عليها الناخب الأمريكي تعويلا كبيرا.
وقد كانت فلسطين في هذا السياق بمثابة إنذار مبكر، فبعد تولي الرئيس منصبه بفترة وجيزة، ألغت رابطة كليات الهندسة المعمارية (ACSA) – الهيئة الممثلة لكليات الهندسة المعمارية حول العالم – فجأةً وفي اللحظات الأخيرة عددًا من مجلة التعليم المعماري (JAE)، والذي كان سيصدر تحت عنوان “فلسطين”. كما أقالت المحرر المؤقت للمجلة: ماكلين كلاتر، وجاء في الإعلان ما يلي: “قرر مجلس إدارة ACSA أن مخاطر نشر هذا العدد قد ازدادت بشكل ملحوظ نتيجةً للإجراءات الجديدة التي اتخذتها الإدارة الرئاسية الأمريكية، بالإضافة إلى إجراءات أخرى على مستوى الولايات. وتشمل هذه المخاطر الجسيمة تهديدات شخصية لمحرري المجلات والمؤلفين والمراجعين، بالإضافة إلى متطوعي ACSA وموظفيها. كما تشمل مخاطر قانونية ومالية تواجه المنظمة بشكل عام”.
وبعد كارثة مجلة JAE بفترة وجيزة، هاجم ترامب الجامعات، بدءًا من جامعة كولومبيا، التي تضم أحد أكثر أقسام نظرية العمارة يساريةً في البلاد. فقبل وقت قصير من اعتقال محمود خليل، كانت رانجاني سرينيفاسان، -وهي باحثة من الهند- تدرس التخطيط الحضري بتأشيرة طالب في كلية الدراسات العليا للهندسة المعمارية والتخطيط والحفظ بجامعة كولومبيا، كانت هذه الطالبة من أوائل ضحايا ترحيل الطلاب. ففي العام الماضي، كانت سرينيفاسان مارّةً بأحد المخيمات المؤيدة لفلسطين، في طريق عودتها إلى منزلها، فألقت الشرطة القبض عليها عن طريق الخطأ، وسرعان ما بُرئت من جميع التهم. غير أنه مما يثير الريبة أن إدارة الجمارك والهجرة قد ألغت تأشيرة دراستها في وقت سابق من هذا العام، كما قامت برحلات متكررة إلى شقتها دون أمر قضائي. وقد اختارت سرينيفاسان حجز رحلة والهروب إلى كندا. وهي ليست وحدها في هذا الموضوع، ففي الأسبوع الماضي، أيضا فرّ من البلاد طالب هندسة معمارية مجهول الهوية كان يدرس في كلية تاوبمان للهندسة المعمارية بجامعة ميشيغان، بعد أن ألغت وزارة الأمن الداخلي تأشيرته.
كما تُتيح القضية الفلسطينية أيضا نافذةً مهمة على أهداف ترامب التنموية، وتحدد بعض ملامح رؤيته لهذه المنطقة. فقد أثار الأخير دهشة حكومات العالم، عندما دعا إلى سيطرة الولايات المتحدة على قطاع غزة، وطالب بالترحيل القسري لمن تبقى من الفلسطينيين في المنطقة. ففي فبراير\ شباط، نشر الرئيس ترامب مقطع فيديو مثيرًا للجدل، مُولّدا بتقنية الذكاء الاصطناعي، يُظهر أنقاض غزة وهي تتحول إلى منتجعٍ فخمٍ محاطٍ بأشجار النخيل، كُتب عليه “غزة ترامب “. إن هذا التصرف ليس فظًا ومبتذلًا فحسب، بل يُسلّط الضوء على تصور ترامب الأوسع للبيئة العمرانية.
وللتدليل على الموضوع أكثر، يمكن أن نأخذ كذلك موضوع الرسوم الجمركية مثالاً على هذا التخبط الواضح في القرارات الذي تعيشه الإدارة الأمريكية حاليا، لِما تسببه هذه التعريفات من تأثيرات جسيمة قد تعوق العديد من الصناعات في أمريكا، بما في ذلك صناعةُ البناء. حيث ستؤثر الرسوم الجمركية التي فرضت على الصين بنسبة 135% على عددٍ هائلٍ من منتجات البناء، بدءًا من النوافذ ووصولًا إلى الأرضيات الخشبية.
كم ستُلحق الرسوم الجمركية التي فرضت على الأخشاب الكندية بنسبة 35% ضررا كبيرا بالمطورين، حيث تُبنى غالبية المباني في الولايات المتحدة باستخدام الإطارات الخشبية. كما أن ترحيل المهاجرين من أمريكا الوسطى والجنوبية سيؤدي حتما إلى تقليص أعداد القوى العاملة في قطاع البناء. وهذا يعني أن جودة الإنشاءات الجديدة وكميتها على وشك الانهيار.
إضافة إلى ذلك فإن طريقة ترامب في بناء القوة الإمبريالية لا تتم بطريقة ناعمة، من خلال الاعتماد على منظمات مرموقة مثل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، بل تتم من خلال الاستيلاء على الأراضي الإمبريالية الجديدة في غرينلاند وغزة. وقد سبق لنتنياهو كذلك طرح فكرة تحويل غزة إلى منتجع سياحي، قبل أن يطرح ترامب رؤيته حول تحويل غزة إلى “ريفيرا” جديدة في الشرق الأوسط.
وباختصار شديد فإن هذا كله يعكس لنا جانبا من شخصية ترامب المتقلّبة، كما يظهر لنا هويته كمالك كازينو فاشل، وبائع متجول في ملعب جولف، ممزوجًا بدافع استبدادي لمساعدة وتحريض الاستبداديين الآخرين. فهذه “الخطط” البذيئة المُولّدة بالذكاء الاصطناعي لغزة تنقل لنا أحد أمرين لا ثالث لهما: إما فكرة مبالغ فيها عن الثروة (تماثيل ذهبية لترامب، وحشود تقذف الدولارات الأمريكية في الهواء) أو التقدم الرهيب (مزارع الطاقة الشمسية، والمباني الزجاجية، وطواحين الهواء).
في ختام مقالها تشير الكاتبة والناقدة المعمارية الأمريكية كيت واغنر إلى أنه في مثل هذه الأوقات، تبرز أهمية النقد المعماري بشكل ملحّ وواضح. وتقول إن مشكلة ترامب ليست في كونه مبتذلاً وكسولاً فحسب، بل في كونه شريراً وأنانيا إلى أقصى الغاية. كما تؤكد أنه ينبغي على الجميع أن يهتموا اليوم بنقد العمارة. فالعمارة -بحسبها- مرتبطة بكل شيء؛ ويجب على المرء أن يتذكر دائمًا أن السياسة، مثل المباني، يجب أن تُبنى، وبمجرد بنائها، تجب صيانتها. وتؤكد أنها بدورها ترفض المساهمة في مثل هذه الصيانة الدنيئة التي يقوم بها ترامب، وأنه ينبغي على جميع الأمريكيين رفض ذلك أيضًا.
[[1]]https://www.thenation.com/article/politics/trump-acsa-jae-saudi-real-estate/



