تعتبر الإمبراطورية المغولية من أهم الإمبراطوريات التي أثرت في التاريخ، لما تمتعت به من قوة وازدهار واتساع رقعة، وقد أسسها جينكز خان عام1206 بعد توحيد القبائل المغولية تحت سلطته، ليبدأ بعد ذلك حملة توسع مذهلة، اجتاح خلالها آسيا الوسطى وخراسان والصين الشمالية، وقوّض بناء الخلافة العباسية، وفعل بها من الأفاعيل المرعبة ما يذيب القلب كمدا وغما، معتمدا على جيش منضبط وذكي تكتيكيا، وبارعٍ في السرعة والتنقل، ولأن الإمبراطوريات عندما تنهار تحدث دويّا كبيرا، فقد خلّف انهيار هذه القوة العظمى أثرا كبيرا وفراغا عظيما، حاول بعض القادة أن يسدّه على مر التاريخ.
وفي كتابه الصادر عن منشورات جامعة ييل الأمريكية عام 2023 تحت عنوان “From Genghis Khan to Tamerlane: The Reawakening of Mongol Asia” (من جنكيز خان إلى تيمورلنك: يقظة آسيا المغولية من جديد) يُناقش المؤرخ: بيتر جاكسون جزءا مهما من هذه الفترة، من خلال دراسة مُفصّلة للحكم التركي المغولي في العالم الإسلامي، بدءًا من أواخر عهد دولة جنكيز خان، وحتى عهد الإمبراطور تيمورلنك.
والمؤلف أستاذ فخري للتاريخ الوسيط بجامعة كيل في المملكة المتحدة، وله مؤلفات عن الحروب الصليبية، والجزء الشرقي من العالم الإسلامي، والمغول، ومن مؤلفاته السابقة المنشورة: “المغول والعالم الإسلامي”، ومنها كذلك” المغول والغرب1221 – 1410″
يبدأ الكاتب بمناقشة المصادر، مقسما الكتاب إلى أجزاء وفصول أساسية، والناظر فيه يجد أن الباحث خصّص الجزء الأول من أجزائه الرئيسية الثلاثة للحكم المغولي. كما خصّص فصلًا مهما لمراجعة الإمبراطورية المغولية منذ تأسيسها وحتى سقوط الدولة الإلخانية عام 1335، وأفرد فصلًا آخر لمسألة اعتناق المغول للإسلام، قبل أن ينتقل في الفصل الثالث إلى محور تركيزه الرئيسي، وهو أزمة العالم المغولي في أواخر القرن الرابع عشر.
يواصل الكاتب حديثه فيتحدث في الفصل الرابع المعنون بـ “أزمة العالم المغولي: تراجع حكم جنكيز”، عن ضعف سلالة جنكيز خان، معرّجا على الأسباب التي أدت إلى ظهور حكامٍ قبليين وغيرهم، في معظم أنحاء الإمبراطورية المغولية، أما الفصل الخامس، فقد عنونه الباحث ب”أزمة العالم المغولي: الاضطرابات الاقتصادية والكارثة الديموغرافية”، وتناول فيه الأسباب غير السياسية لتراجع المغول؛ كما ضمنه تحليلًا دقيقا لأزمة العملة والنقود في تلك الفترة.
ومن أبرز القضايا التي استرعت انتباه الكاتب فتوقف عندها توقفا مهما، وناقشها مناقشةً شاملةً ومثيرةً للاهتمام قضيةُ الموت الأسود (الطاعون)، وأصله، والسبب في انتشاره، ومدى تأثيره. وقد خلُص جاكسون هنا إلى أن المناطق الخاضعة لسيطرة المغول في إيران كانت عمومًا أقل تأثرًا بالوباء من مملكة المماليك، أو أوروبا؛ أما تأثيره على أجزاء أخرى من الإمبراطورية المغولية، فيصعب تحديده. كما يعتقد الباحث أن الطاعون أثر على كلٍّ من السكان البدو والمستقرين، ومن الصعب-إن لم يكن من المستحيل- تحديد تأثيره النهائي على القوة المغولية، دون أن ننكر أن تأثيره كان بالغا وقويّا.
يعد هذا الكتاب بمثابة رواية ملحمية تسرد كيف انبثق نظام عالمي جديد بقيادة تيمورلنك من رحم انهيار الإمبراطورية المغولية؛ فبحلول منتصف القرن الرابع عشر، كانت الإمبراطورية العالمية التي أسسها جنكيز خان تمر بأزمة خانقة، وتتعرض لتصدّعات كبيرة، حيث انتهى حكم المغول في إيران والعراق، وتعرض حكامهم في الصين للتهديد من قبل سلالة مينغ، ووقعت القبيلة الذهبية ومنغول آسيا الوسطى فريسة للخلافات الداخلية. ومن قلب هذا الفراغ الكبير، ظهر أمير الحرب تيمورلنك، آخر الفاتحين الكبار الذين ظهروا من آسيا الوسطى. [[1]]
يتتبع جاكسون من خلال هذه السردية التاريخية صعود تيمورلنك إلى السلطة على خلفية انهيار الحكم المغولي. ليؤكد أن تيمورلنك- الذي كان بدوره من أشد المدافعين عن عادات وتقاليد المغول- كان يتحرك في ظل جنكيز خان، كما كان يحرص دائما على رسم أوجه الشبه بينه وبين سلفه العظيم؛ إلا أنه باعتباره مسلماً، استفاد أيضا من التقاليد الإسلامية، وكان لخوضه الحروب باسم الجهاد- سواء كان صادقًا في ذلك أم لا- تأثير أقوى من تأثير أي حاكم مغولي مسلم قبله.
[[1]]https://yalebooks.yale.edu/book/9780300251128/from-genghis-khan-to-tamerlane/



