في مقالها المنشور حديثًا في مجلة نيوستيتسمان البريطانية تحت عنوان: “The purge of American liberty” [[1]] تتناول الكاتبة جيل فيليبوفيتش حادث قبض إدارة الهجرة والجمارك (ICE) على محمود خليل طالب الدراسات العليا السابق في جامعة كولومبيا، وهو مواطن جزائري من أصل فلسطيني سوري المولد، وحامل للبطاقة الخضراء (الجرين كارد)، ومتزوج من مواطنة أمريكية، وينتظران حاليًا مولودهما الأول.
وقد أُلقي القبض على خليل في منزله في نيويورك ونُقل إلى مركز احتجاز في ولاية لويزيانا، ولكنه لم يُتهم بأي جريمة. وقد صرّح مسؤول في البيت الأبيض لصحيفة “فري برس” بأن “الادعاء هنا ليس أنه كان يخالف القانون”، بل يُفترض أن إدارة ترامب تحاول ترحيله لأنها لا يعجبها مضمون خطابه، وحجتهم في هذا الإطار هي أن خليل، باحتجاجه على حرب إسرائيل في غزة، يُقوّض مصالح الأمن القومي للولايات المتحدة في مكافحة معاداة السامية. ولكن هل انخرط خليل في أي أعمال معادية للسامية أو أدلى بأي تصريحات معادية للسامية كما يشير الاتهام ضمنًا؟ لم تُقدّم الإدارة أي دليل على ذلك حتى الآن.
وقد كان خليل جزءً فاعلًا في الاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين والمعادية لإسرائيل التي هزّت كولومبيا وأمريكا العام الماضي. وعلى عكس العديد من المتظاهرين، كان غالبًا ما يظهر دون أن يرتدى قناعا على وجهه، معتقدًا أنه ليس لديه ما يخشاه. وقد تبيّن أن هذا الفعل يُمثّل مفارقة كبيرة؛ فقد آمن خليل بوعد أمريكا بأنه حر في التعبير عن رأيه دعمًا لقضية أراد الدفاع عنها. أما إدارة ترامب فتؤكد من خلال أفعالها بأنه في ظل هذا النظام، ليس ثمة وجود لمثل هذا الوعد. وقد أكد ترامب بأن ترحيل خليل سيكون “الأول من بين العديد من الترحيلات القادمة”.
ولا يبدو أن خرق القانون هو المشكلة بالنسبة لخليل، ولهذا السبب تعتمد إدارة ترامب على قانون غامض يعود تاريخه إلى عقود، يُقدّم لها ذريعةً غامضةً تتعلق بالأمن القومي لاعتقاله. ولعلهم يعلمون يقينًا أنه لم يرتكب جريمة، ولذلك يتخذون خطوات استثنائية لمعاقبته دون اتباع الإجراءات القانونية الواجبة. وقد يكون اعتقال خليل مؤشرًا مبكرًا على ما تخطط له إدارة ترامب بخصوص قضية تقييد حرية التعبير، وفي التجرد كذلك من الالتزام بالإجراءات القانونية الواجبة في اندفاعها الكبير الراهن تجاه مسألة ترحيل المهاجرين.
في ختام مقالها تقول فيليبوفيتش إن الأنظمة الاستبدادية وغيرها من الدول القمعية لا تُعاقب كل من يتجاوز الحدود، بل تجعل من بعض الناس عبرةً لترهيب الآخرين وإجبارهم على الامتثال. في الوقت الحالي، لا شك أن المهاجرين من بين أكثر الفئات خوفًا. لكن جهود هذه الإدارة لقمع حرية التعبير والأفكار لا تقتصر على المهاجرين. فلديها قائمة من الكلمات المحظورة في الوثائق الحكومية وفي المواقع الإلكترونية؛ وتحذو الشركات الخاصة نفس الحذو أيضًا، خاصةً ما إذا كانت تلك الشركات بحاجة إلى أموال فيدرالية أو موافقة على مشاريعها. والأهداف متعددة في هذا الإطار، لكن يبدو أنها تشمل تطهير أمريكا ممن يُفترض أنهم “غرباء”، وسلب حق كل شخص آخر في التعبير عن آرائه وأفكاره. ولكن ماذا سيتبقى في نهاية هذا التطهير؟ بالتأكيد ليس سوى أمة من الخائفين والصامتين.
[[1]]https://www.newstatesman.com/international-politics/2025/03/the-purge-of-american-liberty



