ألان تورين[1]
ترجمة محمد امباركي[2]
إن نظرية الهيمنة لدى بيير بورديو كان لها الكثير من الصدى، غير أنها تحول دون التفكير في التغيير.
إن أكثر ما أثارني في مسار “بيير بورديو” هو التحولات التي طالت وضعيته خلال حياته المهنية. لقد بدأ مساره كشاب ولامع في السوسيولوجيا من خلال أعماله حول الجزائر. وكان “رايمون آرون” يعترف به في حالته هاته.
بعد ذلك، رأت النور أعماله حول المدرسة من خلال الكتابين: “الورثة”، و”إعادة الإنتاج”. بعد سنة 1968، سوف يتحول “بورديو” الى رمز بالنسبة للشباب والمدرسين. وستشهد سمعته امتدادا خارج العالم الجامعي، ودوره كسوسيولوجي بدأ -إذن- يتضاعف ويكتسب وضعية مثقف نقدي يستنكر القوانين الصارمة للنظام ويسلط الضوء عليها.
وقد ظلت هذه المقاربة النقدية تتعزز في أعماله خلال السنوات اللاحقة، لكنه في ذات الوقت، استمر في الاشتغال والتفكير أساسا حول الثقافة وحول طبيعة المعرفة السوسيولوجية. وأعتقد أن هذا الجزء الأخير هو الأهم في عمله.
لقد انقلبت وضعية “ب. بورديو” رأسا على عقب لما ذهب خلال شتاء 1995 الى دعم العمال السككيين بمحطة القطار “ليون”، حيث تحول إلى “عالم اجتماع الشعب”. وفي ذات الوقت تعرضت أنا شخصيا لاعتداء عنيف من طرف بعض أصدقائه لأني اتخذت موقفا مغايرا في هذا الصراع.
نقاط القوة ونقاط الضعف في نظرية “ب. بورديو”
في سنوات 1990، أصبح “بورديو” إحدى المرجعيات الأساسية في الحركة المناهضة للعولمة. ومن الممكن وصف مواقفه خلال تلك المرحلة بكونها مواقف “هيجيلية” أو سياسيا قريبة من رجل السياسة “جون بيير شوفينمون”. كما أن المجتمع المدني أصبح مرادفا للسوق وسيطرة المال ومنذور على الدوام لخدمة المصالح الفردية. كما كانت الدولة مدركة باعتبارها الضامن الوحيد لما هو كوني، للمصلحة العامة.
إذن ينبغي الدفاع عن القطاع العمومي، الجمهورية، والموظفين. وقد انخرط قسم هام من الشرائح الفكرية والاجتماعية في هذه الرؤية بشكل قوي.. وكان موقف “بورديو” مناقضا للأطروحات السابقة حول المدرسة أو “نبالة الدولة”، والتي سوف توضح لاحقا أن الدولة ليست أبدا هي الممثل لما هو كوني.
إن الموقف النقدي المفرط لـ”بورديو” إزاء المجتمع منظورا إليه باعتباره نظاما للهيمنة، هو موقف يميز مثقفي ما بعد الحرب. وقبل هذه المرحلة، كان مثقفو فرنسا تقدميين وإصلاحيين، وكانت هذه حالة “إميل زولا و”دوركايم” أثناء قضية دريفوس، إذ كان المثقفون يواكبون التقدم الاجتماعي ويفكرون فيه.
ثم، وانطلاقا من سنوات 1950-1960، شرع هؤلاء المثقفون في نقد التقدم، وهذا هو حال مدرسة فرانكفورت في فرنسا. ويندرج “بورديو” ضمن هذا المنظور النقدي للحداثة التي تمت مقاربتها من زاوية وحيدة هي زاوية الهيمنة.
لا شك أن وجهة النظر هاته لها دور مهم وخصب على الصعيد النظري. إنها تتيح إمكانية الكشف عن بعض الأسس الخفية للنظام الاجتماعي. لكنها تعتبر في نفس الوقت تفكيرا مخيبا للآمال، عاجزة عن إدراك التغير والتناقضات التي تقود إلى مآزق على المستويات العملية والنظرية.
لقد أرادت الصدفة -مثلا- أنه في نفس اليوم الذي توفي فيه “بورديو”، كنت بصدد إعادة قراءة كتابه “الهيمنة الذكورية” بغرض الإعداد لندوة حول القضية النسائية.
إن نظرية “بورديو” حول الهيمنة الذكورية الكاسحة، الراسخة، هي نظرية عاجزة عن فهم حركة تحرر النساء. بالنسبة له، الهيمنة هي هيمنة شاملة، دون مخرج. ليس هناك أي انفراج ممكن. هنا تكمن وجهة نظري التي أختلف من خلالها مع “ب. بورديو”.
إن هذا الخطاب بالنسبة لي لا يعكس إطلاقا الواقع، بل هو خطاب يجد لنفسه صدى لدى مجموعة من المثقفين في مجتمعنا الذين لا يمكن حصرهم في حدود نخبة صغيرة، بل على العكس تضم الآلاف من الأشخاص، ذلك أنه كلما ابتعدنا عن الواقع، كلما كان الخطاب النقدي فعالا أكثر، وكلما كان لخطاب معينٍ علاقة أضعف بالواقع، كلما كان خطابا قويا.
مكتسبات صلبة
على الصعيد السوسويولوجي، يبدو لي أن أطروحات بورديو حول الرأسمال الثقافي هي عبارة عن مكتسبات صلبة. ويظهر اليوم وبشكل لا يقبل الجدل أن الرأسمال الثقافي يتدخل مثل الرأسمال الاقتصادي في تحديد الموقع الاجتماعي، لكن بالنسبة لي تظل الأطروحة الأقوى ل”بورديو” هي التي تتعلق بطرح الأسئلة الكبرى للفلسفة والسوسيولوجيا: كيف يمكن لفرد معين أن تكون له الحرية وهو رهين إكراهات وحتميات متعددة؟
إن “بيير بورديو” كما كنا نعتقد دوما، لا يتمسك بنزعة حتمية صارمة وقاسية. فنظريته حول “الهابيتوس” لا تسجن الفاعل داخل قفص حديدي، حيث ادماج الإكراهات، العادات، برامج السلوك، يمنح للفاعل الحرية في وسط معين. علاوة على أن “بورديو” يستعيد ويطور بطريقته الخاصة الفكرة التقليدية التي تقول إن الوعي بالحتميات يساعد على الحرية. وبهذا المعنى يعتبر بيير بورديو خلفا جيدا ل”نوربيرت إلياس”.
[1] ألان تورين. مدير الدراسات في مدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية. توفي بتاريخ 9 يونيو 2023 عن عمر يناهز 97 سنة. وقد كتب هذا المقال سنة واحدة قبل وفاته وذلك ضمن ملف خصصته مجلة العلوم الإنسانية عدد ماي- يونيو 2022 ل “بيير بورديو” تحت عنوان ” 20 سنة على رحيل بورديو. أي تأثير؟”.
[2] Alain Touraine. Itinéraire d’un sociologue du peuple. Sciences humaines. N° 26. Mai- Juin 2022. P / 75-76



