في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وضعت الدول الإسلامية المُستعمرة قوانين جنائية جديدة وأعادت تشكيل النظام القانوني الخاص بها، لترسي بذلك أسس الأنظمة القضائية التي ما تزال تشكل مرجعية تطبيق العدالة اليوم. ولكن في المقابل رأى كثيرون أن إدخال هذه القوانين جرى تحت تأثير الاحتلال الأجنبي وصعود رغبة الدولة الحديثة في السيطرة على سكانها، وأنه مثل تحولا وانحرافا عن الشريعة التي كانت هي النظام القانوني السائد في البلاد الإسلامية ما قبل الحداثة.
في كتابه الصادر عن الجامعة الأمريكية بالقاهرة عام 2023 تحت عنوان:
“A Continuity of Shariʿa: Political Authority and Homicide in the Nineteenth Century “
(استمرارية الشريعة: السلطة السياسية وجرائم القتل في القرن التاسع عشر)، يتحدى المؤلف برايان رايت هذا الرأي، ويقارن بين السياقات المصرية والعثمانية والهندية، وكيف تم التعامل مع جرائم القتل في الهند وتركيا ومصر قبل قرنين ونيف من الآن. [[1]]
من خلال فحص البيئة التي جرى فيها سن تلك القوانين الجديدة، ومن خلال تسليط الضوء كذلك على نشاط العلماء المحليين والجهات الفاعلة القانونية، وفحص محتوى القوانين نفسها، يزعم رايت أن الأنظمة الجنائية في أواخر القرن التاسع عشر لها صلات بالماضي الإسلامي أكثر مما كان مفهومًا في السابق؛ حيث تم تكييف التأثير الاستعماري من وجهة نظره مع الظروف المحلية وتم دمجه مع المفاهيم ما قبل الحديثة في بيئة قانونية انتقائية لخلق حلول للمشاكل المحلية مع الحفاظ على استمرارية الشريعة الإسلامية.
وتأتي دراسة رايت التي بين أيدينا ضد الفكرة التي تجسدت في أعمال أكاديمية وفكرية كثيرة من أبرزها أعمال البروفسور وائل حلاق التي تقول إن الأنظمة القانونية المستندة على الفكر القانوني الغربي نجحت في تجاوز عالم الشريعة خلال فترة ما قبل الحداثة. ويدافع رايت عن حجته تلك بأن القوانين الحديثة في العالم الإسلامي يمكن العثور على مصادرها داخل التقاليد الإسلامية، وأن العلماء خلال القرن التاسع عشر قد عملوا مع الدولة عوضًا عن العمل ضدها في مشاريع تطوير مدونات قانونية جديدة تجمع بين الفقه الإسلامي وقواعد القانون الغربي (الفرنسي عادةً)؛ ولذلك فإن الشريعة بحسب رايت، بالمعنى الواسع، لم تختف حقًا.[[2]]
يتناول رايت القضية من العدسة نفسها التي نظر بها خالد فهمي في كتابه “السعي للعدالة: الشريعة الإسلامية والطب الشرعي في مصر” (بيركلي، كاليفورنيا: مطبعة جامعة كاليفورنيا، 2018) إلى القانون الذي سنته السلطات الحديثة في العالم الإسلامي، والذي لا ينبغي فهمه على أنه خارج نطاق الشريعة، والتي لا ينبغي اختزالها بدورها في تقاليد الفقه كما يزعم. ويعتقد فهمي أيضًا أن مصر لم تكن خاضعة لحكم استعماري مباشر طيلة أغلب القرن التاسع عشر، ولكن مع تعمق الإيديولوجية والنشاط القومي في العقود الأولى من القرن العشرين، أصبح القانون يُنظَر إليه باعتباره المجال والساحة الرئيسية التي أدى فيها العنف المعرفي الغربي عمله في تدمير دولة ما قبل الاستعمار.
نشير ختامًا إلى أن المؤلف بريان رايت هو باحث زميل في المركز الأمريكي للأبحاث في القاهرة، يركز في دراساته على تحولات الشريعة الإسلامية وتطور الأنظمة القانونية الحديثة في القرنين التاسع عشر والعشرين في مختلف أنحاء الشرق الأوسط وجنوب آسيا. وقد حصل رايت على درجة الدكتوراه في الدراسات الإسلامية من جامعة ماكجيل في كندا، وحصل على درجة الماجستير في الدراسات العربية والإسلامية من الجامعة الأمريكية في القاهرة.
[[1]]https://academic.oup.com/jis/article-abstract/36/1/131/7760218?



