في مقاله المنشور حديثًا في مجلة ذا نيشن الأمريكية تحت عنوان: “The Impossible Story of Communism” (القصة المستحيلة للشيوعية)[[1]] يقول المؤرخ الأمريكي ديفيد بيل إن قصة الشيوعية هي واحدة من أعظم المآسي في التاريخ الحديث. فقد ولدت، قبل كل شيء، من رحم الرعب الذي أصاب البشرية بسبب الرأسمالية الكلاسيكية في طورها المبكر. ومن قلب هذا الرعب نشأ الأمل في مستقبل أفضل وأكثر عدالة، ونظرية في الاقتصاد السياسي تفسر كيف سيأتي هذا المستقبل، ألا وهي الشيوعية.
وكما أوضح كارل ماركس وفريدريك إنجلز في بيان الحزب الشيوعي لعام 1848، فإن الأنظمة الرأسمالية مع إجبارها المزيد والمزيد من العمال على بيع عملهم مقابل أجر، ستصنع بيدها حفاري قبورها، ألا وهم البروليتاريا القادرين على النهوض والثورة ضد ظروفهم السيئة وإقامة نظام اجتماعي جديد.
في العقود التي تلت ظهور البيان الشيوعي، تشكلت مجموعة كبيرة من المنظمات والأحزاب واتحادات العمال والجمعيات السرية والجماعات الإرهابية، التي التزمت بدورها بتحويل النظرية إلى واقع. وشارك الشيوعيون في الصحف، والاجتماعات الحزبية، والجامعات، والمنازل الخاصة، وداخل الآلاف المقاهي، في مناقشات شرسة وفوضوية حول كيفية تحقيق أهدافهم.
لكن الأنظمة الشيوعية الفعلية التي ولدت في القرن العشرين انتهكت النظرية، وأسكتت المناقشات، وخانت الأمل، ولم تحقق الأهداف أبدًا. ولم يصل العمال فعليًا إلى السلطة في الدول الرأسمالية المتقدمة. ولكن في أغلب الحالات، استولت مجموعات من المتشددين القساة على مقاليد السلطة في دول زراعية كبرى مثل روسيا والصين التي دفعت بهما ظروف الحرب العالمية إلى الانهيار (الحرب العالمية الأولى بالنسبة لروسيا، والثانية بالنسبة للصين). وفي مواجهة المعارضة من الخارج، والانقسام من الداخل، لجأت الأنظمة الشيوعية إلى الدكتاتورية والإرهاب، وفي نهاية المطاف إلى القتل الجماعي لفرض رؤيتهم للمستقبل بالقوة.
ومع ذلك، لم ينته الأمل على الفور، ففي مختلف أنحاء العالم استمر الملايين في الاحتشاد حول القضية الشيوعية والإيمان بوعدها، حتى رغم معاناة الملايين وهلاكهم على أيدي الشيوعيين. ولكن في نهاية المطاف، لم يتبق من الدول الشيوعية سوى البيروقراطيات المرهقة والقمعية التي لم تستطع التنافس مع الاقتصادات الرأسمالية أو الحفاظ على ولاء شعوبها. وفي النهاية، إما انهارت هذه الدول تحت وطأة ثقلها الذاتي (كما في أوروبا) أو عقدت صفقات مع الرأسمالية تخلت فيها عن مبادئها حتى يتمكن قادتها من البقاء في السلطة (كما في آسيا). واليوم، بعد مرور 107 أعوام على الثورة الشيوعية العظيمة الأولى، تحولت الدولة التي اندلعت فيها إلى دكتاتورية فاسدة عدوانية شبه فاشية. وتشمل بقايا القوة الشيوعية الأخرى النظام الشمولي الفرعوني الغريب في كوريا الشمالية، والرأسمالية القمعية في الصين وفيتنام، وكوبا اليائسة التي تعيش خانعة تحت وطأة نخبتها الفاسدة والحصار الأميركي الطويل القاسي. ولا يستطيع أحد ممن ما زالوا يأملون في مواجهة الضرر الهائل الذي تواصل الرأسمالية غير المقيدة إلحاقه بالعالم أن يتجاهل أو يفسر هذا السجل السياسي والاقتصادي الكئيب والمحبط.
يتناول المؤرخ ديفيد بيل بعد ذلك بشكل نقدي عددًا من الكتب والمؤلفات التاريخية البارزة التي تناولت الشيوعية، ويسلط الضوء على بعض أهم سلبياتها وايجابيها، ونجاحاتها وإخفاقاتها في التأريخ لتلك الإيديولوجية والأنظمة السياسية التي اعتنقتها وطبقتها. ويشير ختامًا إلى أنه في كثير من الأحيان، تُستخدم كلمة “مأساة” اليوم كمرادف لكلمة “فظاعة”. غير أنهما ليسا نفس الشيء. فالفظاعة هي عمل متعمد من القسوة والشر، في حين أن “المأساة” تشير إلى موقف تحدث فيه أشياء مروعة لأسباب خارجة عن سيطرة الإنسان. ويؤكد أخيرًا أنه قد ارتُكبت العديد من الفظائع باسم الشيوعية، إلا أن تاريخ الشيوعية ككل ليس فظاعة، بل إنه مأساة.
[[1]]https://www.thenation.com/article/politics/sean-mcmeekin-history-communism/



