الثلاثاء 4 غشت 2026
  • إتصل بنا
أواصر
No Result
مشاهدة جميع النتائج
  • الرئيسية
  • من نحن
  • وجهة نظر
  • الرأي
  • متابعات وأخبار
  • تدوينات ثقافية
  • حوارات
  • مرئيات
  • أدب و كتب
  • الرئيسية
  • من نحن
  • وجهة نظر
  • الرأي
  • متابعات وأخبار
  • تدوينات ثقافية
  • حوارات
  • مرئيات
  • أدب و كتب
No Result
مشاهدة جميع النتائج
Awaser.net
No Result
مشاهدة جميع النتائج

الأنصاري والاستعادة السماعية لابن خلدون

محمد الأحمري by محمد الأحمري
28 شتنبر 2024
لقاء التاريخ بالعصر عند الأنصاري
0
SHARES
124
VIEWS
شاركه على الفايسبوكشاركه على تويتر
طباعة 🖨

المؤلف: محمد جابر الأنصاري

الكتاب: “لقاء التاريخ بالعصر، دعوة لبذر الخلدونية بأبعادها المعاصرة في وعي الشعب تأسيسا لثقافة العقل” 120 صفحة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، عمان 2006م.

هذه مجموعة مقالات عن ابن خلدون كتبت في مناسبات عديدة وسبق نشرها كمقالات ثم جمعها المؤلف في كتاب سابق، ثم أعاد نشرها هنا منفصلة في كتاب مستقل. نجد أن من أبرز ما نادى به الكاتب هو استعادة فكر ابن خلدون ونهجه ليعيش في حياة وعقول العرب المعاصرين، ومن أبرز جوانب هذه الاستعادة، وجود ثقافة نثر تتجاوز لغة الشعر، فالعصر عصر النثر لا زمن الشعر، ففي زماننا نجد أن المثقفين من الشعراء كتبوا نصوصا نثرية جيدة، ولهذا نادى بنداء ابن خلدون في إيجاد نثر عقلاني دون خطابة ولا شعر أو كما وصف مقدمته الشهيرة بأنها “ما ليس من علم الخطابة”.

في الكتاب نقاط جميلة قليلة، وهي غالبا من نقله عن ابن خلدون، مثل تحذيره لرجال السلطة من ممارسة التجارة، ومن منافستهم للناس فيها، لأن هذا يؤدي إلى عرقلة الاقتصاد وتدميره، ونبه إلى: “أن التجارة من السلطان مضرة بالرعايا ومفسدة للجباية” وهذا ما يلخص واقع الفساد الحكومي في يومنا، وأن قادة العرب الشرفاء اشترطوا “على عوائلهم إما التجارة وإما الإمارة، ولا خلط بينهما”. ص27. ويؤكد هذا مرة أخرى، وأنه كان يشيد بالسلاطين النبلاء الذين يمنعون أنفسهم وقرابتهم من خلط الامارة بالتجارة، وقد جرى على نصح ابن خلدون ذاك قلائل من ذوي النزاهة من الحكام العرب، “على ندرتهم في تاريخنا وواقعنا” كما ينص المؤلف. ص 39

وكذا نقله لنص مهم عن الجاحظ في رسالته عن الترك، يمثل تفسيرا مبكرا لحركتهم ولطبيعة دولتهم اللاحقة، ولعل الكثيرين –خاصة من الغربيين المتأخرين-اختصموا حول هذا التفسير وطبيعة الفتح العثماني وعزّ من اعترف من الغربيين بفضل تأسيس الجاحظ للنظرية حول أصل فكرة الدولة العثمانية كـ: “دولة بدو غزاة مغيرين”. ص 94

وكذا فقرة أخرى يسندها لابن خلدون، “فيقرر أن أهل الحل والعقد هم قادة القوى المجتمعية المؤثرة وليسوا هم الفقهاء الذين يؤخذ رأيهم على سبيل التبرك فحسب” ص 28. ثم لا يعطي المؤلف نقاشا كثيرا لهذا، ولكننا نعلم أن هذا ما جرت عليه السياسة بعد الراشدين. مما نجد بعد طول فحص، أنه حتى في عصرنا وفي واقع الحركات الإسلامية المعاصرة المعتدلة والمتطرفة، لا نكاد نجد من نصيب للعلماء في قرارها إلا للتبرك ولإغراء الجماهير بوجود مشايخ في قيادتها، فيبارك المشايخ التابعون قرار الحركيين فيها.  وأما الحركات أو الثورات التي نجحت فإن قلنا بوجود أثر ودور في القيادة فقد كان قصيرا تمليه حاجة التنظير والتأسيس المؤقتة، كما حدث في أكثر من حركة إصلاحية، ثم يقع بعدها المجتمع في أيدي لا تهتم بوجود الفقهاء أو عدمهم، وهذا حدث حتى في الحكومات السنية وفي حكومات الخوارج، وفي حكومات الشيعة؛ وإن لم يكن جليا الآن فإنه يلوح في المستقبل القريب، ومن كان من مشايخ مؤثرين اليوم فلكونهم زعماء سياسة لا رجال علم فقط، مما يجعل من الضروري إعادة فهم ونقاش مسألة أهل الحل والعقد ومن هم واقعا وإمكانا، لا مجرد تحكيم الرغبة، ولا استئناسا بكتب سطّرت خارج العمل وبعيدا عن الحياة اليومية.

ثم نتجاوز هذا إلى مناقشة بعض محتويات الكتاب، فمع أنه يبدو -من قراءة هذه المقالات- أن الأنصاري مهتم جدا بابن خلدون، ولكنه لا يعطينا شيئا ذا قيمة عنه كما فعل من أشار إليهم، ومن لم يشر إليهم من دارسي ابن خلدون السابقين أمثال: علي الوردي وطه الحاجري والجابري وطه حسين ولاكوست وغيرهم، ممن أثاروا الفكر وأمتعوا القراء بالقراءة والنقل والنقد والمقارنة، إلا أن يكون قد اجتهد في عمل في مكان آخر ولم يشر إليه هنا.

حاول المؤلف أن يجعل من ابن خلدون منقذا ومعاصرا ومبشرا بما يريد المؤلف، فكاد أن يجعله أحد أعضاء ومناصري بل ومؤسسي القومية العربية، التي لا تعرف حدود الدولة الإقليمية، وحاول أن يجعل نظرية العصبية الخلدونية أحيانا خادمة للفكرة القومية الأوروبية المنشأ والولادة، وأن يحفر لها خندقا أو يقيم لها بناء عند ابن خلدون أو أن يجعله فيلسوفها.

اشتمل الكتاب على حتميات وعبارات حماسية ولوازم تبعث على الشفقة لا التفكير ومنها قوله هذا عن ابن خلدون: “نرى أن أي تحليل لجذور التكوين الاجتماعي التاريخي العربي لا بد وأن ينطلق من مقدمته ومن نهجه ورؤيته، قبل القفز إلى تبني مناهج علم الاجتماع الأجنبي من مادية وليبرالية وغيرها، لأن منهج ابن خلدون مستمد من الخصوصية العربية ذاتها، وقوانينه مستوحاة من واقع هذه الخصوصية ومميزاتها الذاتية، في حين أن تلك المناهج الأجنبية على ما فيها من حداثة وجدة في التحليل والنظر مستمدة من خصوصيات أخرى وبيئات ومجتمعات مختلفة في الكثير من خصائصها، بحيث لا تتلاءم قوانينها وتنظيراتها مع صيرورة المجتمع العربي بل وتتصادم معها، وهذا ما يفسر لنا ظاهرة إخفاق العديد من الأيديولوجيات العربية المعاصرة” ص 86.

هذه إلزامات فكرية متناقضة، فالذي استقدم الفكرة “القومية الأوروبية” لتكون “القومية العربية”، وأنموذج تطبيقها البروسي تحديدا –كما ألح عليه ساطع الحصري- يعود ليستعمل أو يستعيد ابن خلدون بسبب خصوصيته العربية في توطين فكرة أوروبية غربية زاعما أن تحليله صحيح، ومحرما في الآن ذاته أي أدوات تحليل أخرى لأنها أجنبية وداعيا إلى ترسيخ فكرة أجنبية غربية أخرى بأدوات وبأفكار ابن خلدون المحلي! وابن خلدون فكرته العصبية الداخلية جزئية من مكونات المجتمع “القبيلة” وليست القومية، فهي عنده تفسر بنية داخل المجتمع، ثم ماذا يا أستاذ لو حدث العكس فكانت الأيديولوجية عربية أصيلة –إن صحت فكرة التأصيل هذه وهي لا تصح هنا فالفكرة القومية كالفكرة الشيوعية أجنبية- وكان التحليل المجتمعي غربيا فما الذي يمنع النجاح؟ لعل المشكلة في غربة الفكرة لا في غربة التوصيف وتحليل طبيعة المجتمع، بل ما أحوجنا أن نجد تحليلا أحدث جديدا أو قديما يساعد في فهم مجتمعنا.

ويستمتع الأنصاري ببذر التناقضات، فيرى أن هدم الحضارة الإسلامية أو العربية كما يراها كان من قبل من تسللوا للمجتمع العربي من فرس وترك وغيرهم كما يزعم، وكأن النقاء العنصري كان سيقينا من التدهور، لأن الترك لما داسوا البغداديين بخيلهم وعنفهم تدهورت الحضارة العربية! لا بأس ولكن ماذا عن أن الذين تفتخر بهم وتسمي جهدهم بالحضارة العربية –كما تفهم تمثلها المادي المهني فضلا عن كثير من التنظير-قد أنتجتها ونفذتها أجناس ليست عربية أو لنقل أغلبها أو –تنزلا- جزء كبير منها!

 لعل عقدة التفسير الأجنبي لسقوط الدولة الرومانية تحت الغزوات البربرية يمد جذوره هنا عند الأنصاري، ثم يتلبس ابن خلدون، وشواهده ونصوصه. فالبدو من فارس والترك وبادية الشام والجزيرة هم من هدموا الحضارة العربية، ولكن لماذا لا ترى خُبوّ الروح، وضعف وتمزق الفكرة الرّسالية والضعف المدني، وضعف المركز الاداري، واستعداده للانهيار بسبب عدم التجديد وضعف التحدي، وغياب الإبداع في المركز، وضعف استيعابه للمهاجرين، أسبابا أساسية، أم أن الغربيين قد قالوا إن البرابرة هدموا روما وقال ابن خلدون إن البدو غزوا الحاضرة فانتهى التفكير والنقاش برواية دون دراية. إن الأفكار الدافعة المؤسسة تجعل من البدو والبرابرة متمثلين جيدين وجنودا لحضارة وتستخدمهم القوة الفكرية النشطة الصاعدة، كما أنهم يمثلون عذرا سهلا لتفسير تراجع أيديولوجية أو سقوط دولة. إن البربرية والبداوة داء أو عجز داخلي لأي مدنية لا تصبح قادرة على إقناع نفسها ولا جذب مريديها، فتكتسي المدنية أخلاق غزاتها لضعف أفكارها وتراجع براعتها وتراجع جاذبية أخلاقها.

ومثلما ألقيت التهمة قديما على البرابرة ثم على الترك والفرس، يردد عرب اليوم  اتهام الريف العربي بهدم أفكار تمدنهم الوافدة، فالدّارس المعاصر لنا يدرس ابن خلدون وقد يغيب عنه حقيقة الاستخدام اللغوي لكلمة “العرب” في ثقافة المغرب الإسلامي أو “المغرب الكبير”، وقد عايشت وثائق المنطقة، ومارست كتب المؤلفين في عصر ما بعد ابن خلدون، ومن عرف هذه النصوص فإنه يدرك تماما أن لفظ “العرب” و “عربي” حتى في الاستخدام الدارج في هذه الثقافة كان يعني البدو، ولا يدخلون فيه العرب المتحضرين في المنطقة ولا غيرها، ولأن كلمة “عربي” عندهم كثيرا ما تتصل بكلمة أخرى أو تضاف لها، فيقولون عرب بني فلان، وهم يعنون غالبا العرب البدو الذين غزوا المنطقة في موجات متقطعة، أو من بقي على حال البدو قريبا من حال البداوة وسلومها كعادة الغزو، وإن كان من سكان الريف لا البادية. ونعلم أن الذين يطلقون كلمة “العرب” هذه في سياق نقدي على هؤلاء هم عرب أيضا كابن خلدون أو من غير العرب من الأعراق المستقرة في الحضر أي في القرى والمدن، وهي في النهاية عربية قديما أو خليط من أعراق عديدة منها العرب.

وهنا مسلمة خلدونية أخرى كررها المؤلف كثيرا، وهي خضوع المجتمع العربي –الذي يريده نقيا على عهد متعصبي القومية السابقين- لما يسميه بـ “التجاذب المتوتر بين قوى الحاضرة وقوى البادية”، هذه العلة السماعية أو الروائية المسيطرة على المؤلف التي لم تسمح للأنصاري بالتفكير في تحولها بل ونهايتها تقريبا في عصرنا، ولكنه بقي مأسورا بأفكار ابن خلدون التي صنعتها أيضا مشكلة بني هلال وغزو البداوة لحاضرة شمال إفريقيا. وها هو الأنصاري في البحرين حيث لا بداوة تقريبا، وفي الجوار –أو منطقة الخليج عموما-تحضّر البدو، لا بل وتحللوا إلى عصر ما بعد الحداثة وخلقه وشكلياته، وها هم سبقوا الحضر على السيارات والمتع وعلى لغة وأفلام هوليوود، فماذا سيقول لنا رواة تراث ابن خلدون عندما سحب منهم سلاح تحليلاته لحادثة محددة زمانا ومكانا لا يصح تعميمها، فلم يستعيدونه إماما معصوما بكلام سحري يصلح لكل زمان ومكان ولكل إنسان؟ وهذا ما يلغي رسالة الفكر والتحليل التي يوحي سياق عالم الفكر أساسا بالبحث عنها، والتي هي مميزة ابن خلدون.

يغفل الأنصاري عن عبث يحدث في مناطق من الخليج وهو العبث بعنصر الخوف من البادية على السلطة، وتخويف الحضر من البدو وتخويف البدو من الحضر -سواء كانوا هكذا أم لم يكونوا- فلو اجتاح البدو المدن هلكت الحياة البشرية فيها، وقُتل أهلها المتمدنون الخائفون الضعفاء، ويقال للبدو نحن من يعطي العشائر حقوقها ورشاواها وإلا فالحاضرة لا يعتبرونكم ولا يعطونكم حقوقكم، ليبقى هذا التوتر دائما والمحق فقط هو المسيطر وهو من يضع العدل والرحمة والتوازن ويقي شرور البدو وحسد الحضر، ولإبقاء المجتمع في حال خوف دائم بعضه من بعض وهذا من الأسلحة البدائية لتفريق المجتمعات ونشر الذعر الدائم فيها. ويفكر بهذه الطريقة ويمارسها من يتظاهر بالتمدين والتطوير وهو يغرس أكثر النزعات بدائية وينفذ أسوأ تفسيرات للعلاقات المجتمعية والبشرية، ويحرص على التأسيس والاستمرارية لها.

ثم في البحرين -والمؤلف من البحرين- أليس عمر تحضر السكان المؤثرين يزيد على الأقل عن ثلاثة قرون على أقل تقدير، ألا يكفي ثمانية أجيال لأن يتمدنوا؟ وكذا في كثير من مناطق الجوار، وهل حكام العرب وفدوا مع بني هلال أمس؟ أم أنه العقل الروائي الذي قيّد المؤلف في حفرة قول يروى عن ابن خلدون ولم يمرّ بمنطقة تفكير ووعي يستورد أو يقترف ليكون أنسب أو أقرب للحال؟ قد تقول إنك لا تقصد الذوات ولكن تقصد أن “البيئة بدوية”، وقد تجد من يوافقك على هذا عن  بعض البلدان أو في عقود سابقة، ولكن البادية اليوم لم تعد تنتج بدويا بل أحد سكان عصر ما بعد الحداثة لو وجدت من يمكنك وصفه بذلك.

ونعلم أنه في بعض العصور تكون البادية ذات الحياة الشقية القاسية ملجأ منقذا لسكان الحواضر من فساد السلطان وحواشيه البغاة على الناس في المدن وقد حدث ذلك في حواضر كثيرة فهاجر وجوه المجتمع ومصلحوه أو هربوا إلى البوادي النائية. غير أن مسألة البادية في هذا السياق هي مسألة ثقافة أو ممارسة لأخلاقياتها الوحشية، وهذه الثقافة أو السلوك الوحشي كثيرا ما بادر إليها الحكام الحضر تجاه سكان المدن المتحضرين أيضا، فيسطو الحكام المتوحشون بأخلاقهم وسلوكهم –لا بسبب أنهم جاءوا من أي بادية- على سكان المدن ليحاربوا بوحشيتهم السلوك المدني الراقي أو الإنساني، لأنهم يرون أن الوحشية والقسوة الفاسدة تصنع لهم الطاعة العمياء، فيغرسون أو يعيدون غرس السلوك الصحراوي عندما يرون أن السلوك المدني والنظم المدنية والقانون يهددهم بالمشاركة المجتمعية العامة في منافع النظم المدنية الحديثة. فالحكام كثيرا ما يلتمسون في وحشية التخلف البدوي حلا لمشكلاتهم مع الحضر، ومع أزمة الثقة بالحضر فكلما شعر الحكام بالنقص في مؤهلاتهم الاجتماعية والثقافية والسياسية، وكلما تراجعت شعبيتهم، أو تغيرت شرعيتهم، وخافوا من الأجدر منهم لجأوا إلى السلوك الوحشي البدائي منقذا لهم من قيود الحضارة ومن سلوك المدنية المتجه للأعلى، فيما يرون الحل في الرجوع لماض وحشي حقيقي أو مصطنع، ولهذا كان البحث عن السلوك المتشدد في الجهل والبداوة مخلصا لرواد الاستبداد، وسيجدون من يزعم أن المجتمع لا يصلح له إلا أخلاق الوحشية أو الهمجية الموغلة في محاربة المدنية.

ثمّ نأخذ المسلّمة التالية للمؤلف يقول: “غير أن كل عربي لن يتجاوز مرحلة الأمية الحضارية المتعلقة بجوهر فهمه لحقيقة أمته ..[النقاط من وضع المؤلف] إلا بعد أن يقرأ –مرارا مقدمة ابن خلدون” ص 63. وقال نحو ذلك أيضا في صفحة 30، ولم يحدد كم مرة يجب أن نقرأ فيتم إنقاذنا، ولكن للأسف أظهرت هذه القراءة ضعف فكرة الأنصاري إن كان قد قرأ مرارا “المقدمة”، أم أن علينا أن نحذر من قراءتها حتى لا تنجب لنا عقولا روائية تحفظ وتكرر وغارقة في زمن ابن خلدون لم تغادر عصره إلى عصرنا كما حصل للأنصاري الذي يطالب بطباعة مائة وخمسين مليون نسخة منها، ص62 وهذا الطلب كان قديما فلعله يزيد عدد النسخ المطلوبة مقارنة بزيادة عدد السكان منذ عام: 1998م.

ثم وكما في المسيحية:  “في البدء كانت الكلمة” عنون الأنصاري “في البدء كانت المقدمة” ص72، فمنذ اهتم الغربيون بابن خلدون ومقدمته منذ ما قبل توينبي إلى زمن ساطع الحصري، فقد جُنّد ابن خلدون لفكرة غربية، فجعله الأنصاري “يعقلن القومية” ص 63، –فهل القومية لم تكن عقلانية- لندع هذا، بل ويصبح نسب ابن خلدون وجنسه وهجرة أجداده وقصة حياته التي لم يقصد هو أن تكون كما حدثت، ولم يعقلنها لتكون حجة وليكون بانيا لفكرة تالية بعد قرون لم يعرفها، ومظهرا لنجاحها، أو كما يعصرن الأنصاري الماضي والشخص يكرر ويسطّر: “ومن حسن الحظ أن ابن خلدون فوق كل إقليمية عربية، فهو أصلا حضرمي من إقليم اليمن، وهو أندلسي السلالة، وهو تونسي المولد والنشأة، وهو مصري الإقامة- والمدفن” ص 63. حسم الموقف بهذه الطريقة المستعادة “لمّ الشمل القومي” ص 38. كما يقول، فما أسعد القومية بهذا الفتح الترحالي، وماذا كانت ستفعل القومية العربية لو بقي في الأندلس أو في حضرموت، أو نشأ ومات لسوء حظه في إقليم قومي واحد كمصر أو تونس؟ أم أن “حسن الحظ” وظروف الزمان الصعبة أصبحت تعقلن الأفكار! وهكذا ندفن العقل والعقلنة في كتاب يؤسس لثقافة العقل كما يقول العنوان!

أليس الكاتب-كما يظهر هنا- كاتبا متسلّفا يروي لنا الأفكار ويسردها كما قيلت أو نقدت قديما جدا، فهو يأتينا من بعيد من عقل الرواية لا من عقل الدراية، أو من الحفظ لا من التفكير، أليس في ظاهره مواليا لابن خلدون شكليا ولكنه مخالف لمنهجه عمليا من حيث أن الأنصاري يمثل مدرسة الحفظ والترديد وابن خلدون يمثل مدرسة الوعي والتفكير، ألم يقدم المؤلف نفسه بدويا بالغ التعصب لقبيلة ابن خلدون، ومعاديا لعقله السابر المستبصر.

بقي أن يقول باحتمال أو تفصيل وتوضيح آخر قد يشفع له وهو أن ثقافة البداوة، وعقل شيخ القبيلة البدوية البدائي، هي التي تسيطر على عقول وسلوك المتنفذين الذين لبسوا لباس المدنية والحضارة، وهم يفكرون بعقول بدوية في عصر ما بعد الحداثة ويديرون الحياة اليومية بثقافة موغلة في التخلف، وفي هذا الحال ما شأن بقية نادرة من البدو البعداء على أطراف المدن وفي الصحراء، ليحمّلهم الذنب، فليسوا هم سبب الأمية الحضارية بل السبب هي العقول البدائية من سكان المدن من قدماء التحضر ومن هم غلاة في ثقافة البداوة وهم قادتها وصنّاعها المعاصرون.

ومما جانب الصواب زعمه بأن منصب قاضي القضاة في مصر “لا يتولاه إلا من كان تبحره في الفقه لا يعلى عليه” ص 119 هذا قول مجاف للحقيقة، فكان قاضي قضاة مذهب “المالكية”، نعم إنه يحتاج للعلم ولكن -وأنت فيما يبدو تهتم بالتاريخ- تعلم أو يهمك أن تعلم أن هذه المناصب كان يسود تنصيبها الفساد، والاتفاق على تقاسم الأوقاف والغنائم بين المستبدين والفاسدين من المتسلطين والمشايخ، وقد سجلوا-مشكورين-وللأسف قصص الفساد في ذلك الزمان وما بعده وما قبله.

نعم يحتاج المثقف للتلمذة على مفكر قديم أو معاصر، ولكن هؤلاء التلاميذ كثيرا ما يسيئون للأشياخ، ويبتسرونهم في ضيق عطنهم وضعف مخيلاتهم، وقلة مواهبهم، أو يجبرون العمالقة أن يكونوا جندا لأفكار صغيرة، فيحاولوا أن يولجوهم في سمّ خياطهم.

بسبب أن الكتاب كان مقالات مجموعة، جاءت الأفكار والنصوص مكررة بطريقة لا تليق بمؤلف ينشر كتابا، وكان أليق به حذف التكرار ليكون قد قدّم فكرة محددة، أما التكرار الحرفي للكلمات وللأفكار فقد كان الترديد مملا. ولا تصلح الذكرى المئوية السادسة لموت ابن خلدون شافعة لنشر ما لا يناسب، وللأسف فإن ولع كثيرين منا بشكلية كتاب جعل مؤلفنا يكلف نفسه أن يضع كلاما معادا في شكل كتاب فأساء الحجم للمؤلف ولم ينفع القارئ، وقد كانت فكرته واضحة مكتملة في أقل من عشرين صفحة، فلماذا في مائة وعشرين صفحة؟ كان هذا رابع أو خامس كتاب أقرأه كاملا للأنصاري وإني آمل أن تكون كتبه الأخرى خيرا مما عرّفت به أو ناقشته هنا.

وسوم: ابن خلدونالتاريخالرئيسيةالعصبيةالقومية
محمد الأحمري

محمد الأحمري

كاتب ومفكر، حاصل على الماجستير والدكتوراه في التاريخ الحديث والمعاصر لشمال أفريقيا. له العديد من المؤلفات والكتب منها: مذكرات قارئ، الديمقراطية: الجذور وإشكاليات التطبيق، ملامح المستقبل، الحرية والفن عند علي عزت بيجوفتش.

التالي
«بداية كل شيء»: تأريخ جديد للإنسانية

«بداية كل شيء»: تأريخ جديد للإنسانية

أضف تعليقاً إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أقسام الموقع

  • الرئيسية
  • من نحن
  • وجهة نظر
  • الرأي
  • متابعات وأخبار
  • تدوينات ثقافية
  • حوارات
  • مرئيات
  • أدب و كتب

أحدث المقالات

  • استئناف الحكمة العرفانية: المسلمون الجدد وأزمتهم الروحية
  • هل تعيش الولايات المتحدة اليوم لحظة «السويس»؟
  • في عزاء الشيخ الكبير حمد بن خليفة
  • الابتسامة لغة عالمية
  • الرئيسية
  • من نحن
  • إتصل بنا

©Copyright 2021 جميع الحقوق محفوظة لأواصر

No Result
مشاهدة جميع النتائج
  • الرئيسية
  • من نحن
  • وجهة نظر
  • الرأي
  • متابعات وأخبار
  • تدوينات ثقافية
  • حوارات
  • مرئيات
  • أدب و كتب

©Copyright 2021 جميع الحقوق محفوظة لأواصر