خلال القرن الثالث عشر، ألف عالم الطبيعة الفارسي والقاضي زكريا القزويني ما أصبح لاحقًا أحد أكثر الأعمال تأثيرًا في التاريخ الطبيعي في العالم ألا وهو كتاب (عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات). ومن خلال استكشاف هذا العالم المسلم للحركة المبهرة للنجوم في أعالي السماء، والتفاصيل الدقيقة الغريبة للمعادن تحت الأرض، وكل ما بينهما؛ استطاع أن يقدم رواية آسرة عن الكون؛ ومن خلال الرسومات الفنية الجميلة، والعلوم والمعارف الجديدة التي سجلها بين دفتي هذا الكتاب، ألهم القزويني الأجيال أثناء تجوالهم في أرجاء المعمورة، كاشفًا لهم عن القوى الغامضة والسحرية الكامنة في الطبيعة. ومع ذلك، وبعد تداوله لعدة قرون، أولاً باللغة العربية والفارسية، ثم بالتركية والأردية، أصبح كتاب القزويني في نهاية المطاف في الزمن الحديث والمعاصر رمزًا غريبًا – وإن كان جميلًا – عن الجهل السائد في العصور الوسطى.[[1]]
في كتابه الصادر العام الماضي 2023 باللغة الانجليزية عن منشورات جامعة هارفارد تحت عنوان: ” Wonders and Rarities: The Marvelous Book That Traveled the World and Mapped the Cosmos ” (عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات: الكتاب الرائع الذي جاب العالم ورسم خريطة الكون) يقوم الباحث ترافيس زاده بمراجعة درامية لمكانة ذلك الكتاب في تاريخ الفلسفة والعلم والأدب الإسلامي، على مدار عصر الفتوحات المغولية إلى صعود الإمبريالية الأوروبية وعصر الإصلاح الإسلامي. ويوضح زاده أن كتاب القزويني وفر وسيلة دائمة لتصور العالم؛ وشكل في الوقت نفسه رد فعل عاطفي، وموقف جمالي ولاهوتي، وحالة معرفية.
ومع ذلك، فإنه خلال حقبة الحداثة الاستعمارية، ساعد عالم القزويني المليء بالعجائب والغراب والأساطير في تعزيز فكرة أن المسلمين يعيشون في عالم خالٍ من الخرافات والسحر، غير مدركين لما يجري في النصف الغربي من الكرة الأرضية، أو حتى لحقيقة دوران الأرض حول الشمس.
وكما يخلص المؤلف، فإن المصلحين والحداثيين المسلمين قد تركوا الأرشيف الغني والمتنوع الذي تم الكشف عنه في ذلك الكتاب الكلاسيكي وراء ظهورهم. إلا أن زاده يأخذ قراءه مجددًا إلى ذلك العالم السحري الغابر الذي سبق هذا التحديث والإصلاح. ويقدم سردية تاريخية عن الطريقة التي أسر بها نص واحد القراء على مدار قرون، عابرًا حدود اللغة والدين والثقافة والسياسة. ويكشف عن السيرة الذاتية لهذا الكتاب الفريد، ويسلط الضوء على قوته وقدرته المستمرة على إلهام القراء وإبهارهم حتى يومنا هذا. ويستعيد مكانة القزويني من جديد في العالم الشاسع للفكر والتراث الإسلامي.
نشير ختامًا إلى أن أبا عبد الله زكريا بن محمد بن محمود القزويني، هو عالم عربي مسلم ولد في مدينة قزوين (في إيران حاليًا) عام 605 هـ، وهو حجازي الأصل، ويرتفع عمود نسبه إلى الإمام والفقيه مالك بن أنس عالم ومفتي المدينة المنورة. وقد ارتحل في شبابه إلى الشام وأقام في دمشق ثم ذهب إلى العراق وعاش فيها وعٌين في منصب القضاء في عهد الخليفة المستعصم العباسي، واستمر في توليه هذا المنصب حتى دخول المغول إلى بغداد في 656 هـ. وقد ألف القزويني العديد من الكتب في مجالات الجغرافيا والتاريخ الطبيعي للأرض، وتوفى عام 682 هـ.



