في مقاله المنشور حديثًا في مجلة فورين بوليسي الأمريكية تحت عنوان: “The Dangerous Decline in Israeli Strategy” (التراجع الخطير في الاستراتيجية الإسرائيلية)[[1]] يشير عالم السياسة الخارجية الأمريكي وأستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد ستيفن والت إلى أن إسرائيل تعيش الآن في ورطة خطيرة. فمواطنوها منقسمون على أنفسهم بشدة، وهي غارقة في حرب لا يمكن كسبها في غزة، ويظهر على جيشها علامات الإجهاد الواضح، وما يزال احتمال اندلاع حرب أوسع نطاقاً مع حزب الله أو إيران قائماً. كما يعاني الاقتصاد الإسرائيلي بشدة، وقد ذكرت صحيفة تايمز أوف إسرائيل مؤخراً أن ما يصل إلى ستين ألف شركة قد تغلق أبوابها هذا العام.
علاوة على ذلك، ألحق سلوك إسرائيل الأخير في حربها ضرراً بالغاً بصورتها العالمية، وصارت دولة منبوذة بطريقة لم تكن متصورة في السابق. والواقع أن الدعم في الولايات المتحدة لأفعال إسرائيل يتراجع بشكل حاد، ويعارض الأميركيون الأصغر سنا (ومن بينهم العديد من اليهود الأميركيين الشباب وصغار السن) تهاون إدارة بايدن مع أفعال إسرائيل.
يقول والت إنه من المغري إلقاء اللوم على نتنياهو في كل هذه المشاكل، وهو يستحق بالتأكيد الانتقادات التي تلقاها في الداخل والخارج. لكن إلقاء اللوم كله على الأخير يتجاهل مشكلة أعمق: ألا وهي التآكل التدريجي في التفكير الاستراتيجي لإسرائيل على مدى السنوات الخمسين الماضية. حيث كان الصهاينة الأوائل والجيل الأول من قادة إسرائيل من الاستراتيجيين المهرة. فقد شرعوا في تحقيق مشروع بدا مستحيلاً تقريباً وهو إقامة دولة يهودية في وسط العالم العربي، على الرغم من أن عدد السكان اليهود في فلسطين في عام 1900 كان ضئيلاً، وكانوا ما يزالون يشكلون أقلية أيضًا عندما تأسست إسرائيل في عام 1948. ولكن نجح هؤلاء المؤسسون بسبب الاستفادة من الفرص المواتية، وبناء قوات عسكرية قادرة، وكسبهم الدعم من القوى العالمية المهيمنة.
بعد تدشين الدولة، عملت حكومتهم الجديدة بجدية لحشد الدعم الدولي من خلال الدعاية المتواصلة ومن خلال إقامة تحالفات مع فرنسا وجنوب إفريقيا وعدة دول أخرى. والأهم من ذلك أنها أسست “علاقة خاصة” مع الولايات المتحدة، تستند في المقام الأول إلى القوة المتنامية ونفوذ “لوبي إسرائيل”. وقد ساعدتهم دبلوماسيتهم الماكرة، بجانب كم لا يستهان به من الخداع، على تطوير ترسانة سرية من الأسلحة النووية، وعلى إخفاء الوقائع والحقائق القاسية لتأسيس دولتهم عن الشعوب الغربية وباقي العالم، حيث لم تصبح تلك الحقائق معروفة على نطاق واسع حتى ظهر عدد من المؤرخين البارزين مثل: بيني موريس، وإيلان بابيه وأفي شلايم، وغيرهم من المنتمين إلى مدرسة “المؤرخين الجدد” في الثمانينيات.
بحسب والت كانت الفطنة الاستراتيجية للدولة الصهيونية في أيامها الأولى مثيرة للإعجاب بشكل عام، وخاصة لدى مقارنتها بخصومها. وكانت نقطة التحول هي انتصار إسرائيل المذهل في الحرب العربية الإسرائيلية عام 1967. فقد فاجأت سرعة ونطاق هذا الانتصار الكثيرين وساعدت في تعزيز شعور من الغطرسة قوض قدرة الدولة على التقدير الاستراتيجي السليم منذ ذلك الحين.
كان الخطأ الرئيسي، كما زعم المتبصرون من أبناء تلك الدولة مراراً وتكراراً، هو القرار بالاحتفاظ بالضفة الغربية وغزة واحتلالهما واستعمارهما تدريجياً، كجزء من جهد طويل الأمد لإنشاء “إسرائيل الكبرى”. وقد سعى بن غوريون وأتباعه إلى تقليص عدد الفلسطينيين داخل الدولة اليهودية الجديدة، لكن الاحتفاظ بالضفة الغربية وغزة كان يعني أن إسرائيل ستسيطر على السكان الفلسطينيين الذين تزايد عددهم بسرعة بشكل بات يقارب عدد سكان اليهود الإسرائيليين. وقد خلق هذا الاحتلال، توتراً لا مفر منه بين الطابع اليهودي لإسرائيل ونظامها السياسي ذي المعايير الغربية؛ فلا يمكن أن تظل دولة يهودية إلا من خلال قمع الحقوق السياسية للفلسطينيين وإنشاء نظام فصل عنصري، ولم يكن بإمكان إسرائيل التعامل مع هذه المشكلة من خلال المزيد من التطهير العرقي و/ أو الإبادة الجماعية وممارسة الجرائم ضد الإنسانية.
كانت العلامة الواضحة التالية على تآكل القدرة على التقدير الاستراتيجي السليم هي الغزو الإسرائيلي المشؤوم للبنان في عام 1982. وكان هذا المخطط من بنات أفكار وزير الدفاع المتشدد أرييل شارون، الذي أقنع بيغن بأن الغزو العسكري هناك من شأنه أن يشتت منظمة التحرير الفلسطينية (التي كان لها وجود كبير في لبنان)، ويؤسس حكومة موالية لإسرائيل في بيروت، ويمنح إسرائيل حرية التصرف في الضفة الغربية. وقد شكل الغزو نجاحا عسكريا قصير الأمد، لكنه أدى إلى احتلال جيش الدفاع الإسرائيلي لجنوب لبنان، الأمر الذي أدى بدوره مباشرة إلى إنشاء حزب الله، الذي أجبرت مقاومته المتزايدة القوة إسرائيل في النهاية على الانسحاب من لبنان في عام 2000. ومن جهة أخرى لم ينه طرد منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان المقاومة الفلسطينية؛ بل مهد الطريق للانتفاضة الأولى في عام 1987، وهي إشارة واضحة أخرى إلى أن الفلسطينيين لن يتركوا وطنهم أو يخضعوا للخضوع الإسرائيلي الدائم.
وثمة مثال أخير واضح على قصر النظر الاستراتيجي الإسرائيلي يتمثل في معارضتها الشديدة للجهود الدولية للتفاوض على حدود البرنامج النووي الإيراني. حيث كان ينبغي لنتنياهو وغيره من القادة الإسرائيليين أن يشعروا بالسعادة والارتياح عندما أقنعت الولايات المتحدة والقوى الكبرى الأخرى في العالم إيران بالتوقيع على خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015. لماذا؟ لأنها تتطلب من طهران خفض قدرتها على التخصيب، وتقليص مخزونها من اليورانيوم المخصب، وقبول عمليات التفتيش شديدة التدخل من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وبالتالي تأجيل القنبلة الإيرانية لمدة عقد وربما لفترة أطول. وقد أيد العديد من كبار المسؤولين الأمنيين الإسرائيليين الاتفاق، لكن نتنياهو وأنصاره المتشددين، إلى جانب لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية والمجموعات الأكثر تشددًا في اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة، عارضوه بشدة. وقد لعب هؤلاء المتشددون دورًا رئيسيًا في إقناع الرئيس آنذاك دونالد ترامب بالانسحاب من الاتفاق في عام 2018، واليوم أصبحت إيران أقرب إلى بناء قنبلة من أي وقت مضى. ومن الصعب أن نتخيل سياسة إسرائيلية أكثر قصر نظر في هذا الصدد.
ختامًا، ما الذي يفسر التراجع الحاد في البراعة الإستراتيجية الإسرائيلية؟ أحد العوامل المهمة التي تجيب عن هذا السؤال بحسب والت هو الشعور بالغطرسة والإفلات من العقاب الذي يأتي من حماية الولايات المتحدة واحترامها لرغبات إسرائيل. فإذا كانت أقوى دولة في العالم تدعمك بغض النظر عما تفعله، فإن الحاجة إلى التفكير بعناية في أفعالك سوف تتضاءل حتما. بالإضافة إلى ذلك، فإن ميل إسرائيل إلى رؤية نفسها كضحية فقط وإلقاء اللوم على كل معارضة لسياساتها على معاداة السامية لا يساعد كذلك في هذا الصدد، لأنه يجعل من الصعب على القادة الإسرائيليين وجمهورهم إدراك كيف قد تؤدي أفعالهم إلى إثارة العداء الذي يواجهونه. كما أن حكم نتنياهو كأطول رئيس وزراء إسرائيلي خدم في هذا المنصب هو جزء آخر من المشكلة، خاصة وأن أفعاله مدفوعة في جزء كبير منها بالمصلحة الذاتية (أي الرغبة في تجنب السجن بتهمة الفساد)، وليس فقط بالمخاوف بشأن ما هو الأفضل لبلاده.
[[1]]https://foreignpolicy.com/2024/08/16/the-dangerous-decline-in-israeli-strategy/



