فترة الأشهر الستة مرت في غزة، ومعها تحول ملموس، وبات العفو الذي حصلت عليه الحكومة الإسرائيلية من قبل حلفائها في أعقاب هجمات حماس مهدداً بالانتهاء. بالنسبة للكثير من الجمهور الذي أيد وقف إطلاق النار منذ الأيام الأولى للهجوم على غزة، كان من الواضح دائمًا أن الكارثة سوف تتضح أبعادها. ولكن على صعيد المجال الرسمي – بين السياسيين وأجزاء من وسائل الإعلام – فإن الرعب الذي أحدثه 7 أكتوبر كان بمثابة شيك على بياض لبنيامين نتنياهو وحكومته.
لعل الأمر قد تطلب مقتل سبعة من عمال الإغاثة في “المطبخ المركزي العالمي” حتى يحدث هذا التحول، وربما كان هذا الأخير تراكميًا، لكن ما يصعب إنكاره الآن هو أن إسرائيل باتت مارقة. فعلى مدار الأشهر الستة الماضية، سواء في لهجة القول أو في العمل، برزت إسرائيل كدولة تنتهك كل البروتوكولات على النحو الذي لا يضعها ضمن الحظيرة الديمقراطية، بل في فئة ما خارجة عن القانون. لقد أهانت الحكومة الإسرائيلية حلفاءها ورعاتها، وتجاهلت وتحدت الأحكام والتحذيرات الصادرة عن منظمات ذلك العالم الديمقراطي الملتزم بالقانون، ذلك العالم الذي تدعي أنها تمثله في منطقة متخلفة معادية. وجعلت كذلك حلفاءها يبدون ضعفاء وعاجزين، الأمر الذي أدى إلى زعزعة استقرار سياساتهم الداخلية.
على أرض الواقع، من الواضح أن إسرائيل لم تبالغ في رد فعلها فحسب، بل تبدو متعجرفة، وتطلق الزناد، ولا يمكن الاعتماد عليها في استخباراتها وأساليبها في الحرب. وقد ذكرت صحيفة هآرتس مؤخراً أن قوات الدفاع الإسرائيلية أنشأت “مناطق للقتل” في غزة: حيث يمكن إطلاق النار على أي شخص يعبر خطوطها غير المرئية. وقد كشف تحقيق أجرته المجلة الإسرائيلية الفلسطينية “+972” (مجلة يسارية على الإنترنت تتخذ من مفتاح هاتف دولة الاحتلال اسمًا لها) وموقع (Local Call) باللغة العبرية هذا الأسبوع عن ميكنة مروعة للحرب: حيث يستخدم الجيش أنظمة الذكاء الاصطناعي لتحديد الأهداف، وقالت المصادر إنه تم السماح بمقتل 15 أو 20 مدنيا كضرر جانبي لعمليات قتل خلال الغارات الجوية على من تم تحديدهم على أنهم مسلحون من ذوي الرتب المنخفضة. ويتم تنفيذ تلك العمليات عادةً باستخدام ذخائر غير موجهة تُعرف باسم “القنابل الغبية”، وهي مفضلة على أي شيء أكثر تطوراً لأنه، وفقًا لأحد ضباط المخابرات: “أنت لا تريد أن تهدر القنابل باهظة الثمن على أشخاص غير مهمين، فهي مكلفة للغاية بالنسبة للبلد وثمة نقص في تلك القنابل”.
ومع قيام إسرائيل بتسوية غزة بالأرض والانحياز ضد المجتمع الدولي، فقد قوضت سمعتها، وتآكلت الثقة في عملياتها العسكرية والسياسية، واستنفدت التسامح الذي تتمتع به؛ وهو التسامح الذي منح لها ليس فقط في الآونة الأخيرة بسبب هجوم حماس، بل لأنه يُنظَر تقليدياً إلى إسرائيل باعتبارها تتقاسم القيم السياسية والثقافية الغربية. ويُنظر إليها على أنها تتمتع بنوع من “الأخلاق”، وأنها تركز على الحريات الاجتماعية واحترام التسلسل الهرمي للقوى العالمية، وهو ما يجعلها تستحق الدعم الذي لا ينضب؛ لذا فإن معاملتها للفلسطينيين تمثل في بعض الأحيان تجعدًا غريبًا يستوجب الاحتيال للتغاضي عنه.
ولكن الإفلات من العقاب له ثمن يدفعه الجاني والضحية على حد سواء، ويتلخص هذا الثمن في توقف الدولة عن القدرة على تنظيم سلوكها، والبدء في تدمير نفسها ذاتيا. جاءت هذه النقطة عندما تعرض عمال الإغاثة الأجانب للضرب بصواريخ دقيقة، سيارة تلو الأخرى، حتى ماتوا. وفي نظر أولئك الذين ينظرون إلى مقتل الآلاف من الفلسطينيين على أنه مأساة مؤسفة ولكنها بعيدة، وربما حتى مبررة، فإن الدولة التي تقتل مواطني حلفائها قد وصفت نفسها أخيراً بأنها دولة خطيرة وخارجة عن السيطرة.
وقد أدى الحادث إلى دعوات إلى نوع من التصرفات التي كان من الممكن إدانتها حتى هذه اللحظة، باعتبارها تقييدًا لحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها. وقد دعا نيك فيراري، الناقد المحافظ وكاتب العمود في صحيفة ديلي إكسبريس، إلى قطع الإمداد بالأسلحة. وكتب: “في معظم الحالات، أستطيع أن أرى الجانب الإسرائيلي”، ولكن “في بعض الأحيان يتطلب الأمر من صديق أن يخبر صديقًا أين يخطئ”. وتابع أن الهجوم على عمال الإغاثة “لا يمكن الدفاع عنه”، بسبب احتمال مقتل ثلاثة مواطنين بريطانيين بصواريخنا على يد جيش “من المفترض أن نعتقد أنه أحد أعظم الجيوش على وجه الأرض”.
عندما تتم الإشارة إلى الجيش الإسرائيلي بمثل هذا الازدراء من قبل شخص يدعي أنه “صديق لإسرائيل”، فإن شيئاً ما يتغير. والآن يتم إطلاق دعوات مماثلة من قبل شخصيات رفيعة المستوى في حزب العمل وحزب المحافظين، ويفكر الموظفون المدنيون المشاركون في تصدير الأسلحة إلى إسرائيل في اتخاذ إجراءات قانونية، خوفًا من احتمال تعرضهم للوم شخصي إذا تبين أن إسرائيل قد خرقت القانون؛ فعندما يُراق الدم بالقرب من المنزل (المقصود مجازًا: مقتل مواطنين بريطانيين في هذا الحادث)، يستطيع الناس رؤيته على أيديهم.
لكن إسرائيل أيضاً ربما أصبحت خارج المسار ببساطة بسبب طول مدة الهجوم. إن ستة أشهر هي فترة طويلة حتى يستمر هذا النوع من العمل العسكري بالوتيرة التي شهدها، مع نطاق الرعب والتصعيد الذي انطوى عليه.
جثث أطفال، ومستشفيات مدمّرة، ومخيمات لاجئين، ومدنيون، ورهائن إسرائيليون أطلق عليهم القناصون النار بالفعل أثناء سيرهم غير مسلحين إلى بر الأمان، والمجاعة الآن. كل هذا يُبث إلى العالم ويتخلله استمتاع الجنود الإسرائيليين وسخرية السياسيين والمعلقين.
إن ستة أشهر فترة طويلة حتى يستمر مثل هذا الصراع العنيف، الذي اجتذب المؤسسات الثقافية، وهوليوود، والجامعات والمدارس، وهيمن على موجات الأثير على هذا النحو المفتوح. لقد مضى وقت طويل بالنسبة للحكومات العربية لمواصلة السير على الخط الرفيع بين الحفاظ على علاقات جيدة مع الولايات المتحدة والقلق بشأن الاستقرار الإقليمي مع انتشار الحرب، فضلاً عن الغضب الداخلي المتزايد بشأن غزة، ومدى تأثير ذلك على خطط حكومات غير منتخبة لا تحتاج إلى المزيد من جلب السخط على طريقة إدارتها. وفي كل الأحوال، وبسبب غزة، أصبحت الماكينة السياسية العالمية ساخنة.
إذا أخذنا كل ذلك معًا، ليس من الصعب معرفة السبب الذي دفع جو بايدن إلى إجراء أقوى مكالمة له مع نتنياهو بكل المقاييس حتى الآن. حيث أشار، للمرة الأولى، إلى أن المزيد من الدعم يأتي بشروط. وطالب إسرائيل بتنفيذ “سلسلة من الخطوات المحددة والملموسة والقابلة للقياس لمعالجة الأضرار التي لحقت بالمدنيين والمعاناة الإنسانية وسلامة عمال الإغاثة”، ودعا إلى وقف فوري لإطلاق النار. ومن المقرر أن تبدأ جولة جديدة من مفاوضات وقف إطلاق النار في القاهرة اليوم.
باختصار، إن التغييرات في اللهجة والمطالب السياسية بدأت للتو في جعل العالم الرسمي متوافقاً مع الرأي العام ومع مخاوف عدد لا يحصى من المتظاهرين الذين تم التشهير بدوافعهم والاستخفاف بمشاعرهم. إن تغيير الرأي بين أصدقاء إسرائيل وضامنيها أمر مرحب به، إذا كان سيساهم إلى حد ما في تخفيف الأزمات الإنسانية والتعجيل بنهاية الحرب. ولكنه يأتي أيضًا مصحوبًا بتلميح ضمني مفاده أن كل ما حدث حتى الآن لم يكن متوقعًا أو يمكن منعه بالكلية.



