في مقاله المنشور حديثًا في مجلة نيوستيتسمان (New Statesman) ) البريطانية تحت عنوان: «The empire can’t strike back» الإمبراطورية لا تستطيع رد الضربة) يقول الكاتب السويدي مالكوم كييون إن ميزان القوى العالمي آخذ في التحول، وأن الهجوم الصادم الذي شنته حماس على إسرائيل في 7 تشرين الأول / أكتوبر قد أثار أزمة على مستوى المنطقة تُهدد بالتطور إلى حرب أوسع نطاقا، ويشير إلى أن الدليل على مدى الاختلاف الكبير الذي يمثله عام 2023 بالنسبة للعالم مقارنة بما كان عليه قبل عشرين عاما، لا يوجد في أوروبا الشرقية (أوكرانيا) أو في بحر الصين الجنوبي، ولكن في الشرق الأوسط.
يقول كييون إن الحصار الذي تفرضه إسرائيل على غزة والطبيعة العشوائية لحملة القصف التي تشنها والتي أدت إلى قتل المدنيين في غزة في شهر واحد بعدد يفوق الذين ماتوا خلال الحرب الأوكرانية برمتها؛ وهو ما أثار غضب العالم الإسلامي، مما أدى إلى زيادة العزلة الدبلوماسية لكل من إسرائيل وأمريكا.
بحسب كييون فإن ثمة “حرب ظل” في المنطقة تُشن ضد الولايات المتحدة ذاتها، من قبل أعضاء ما يسمى بـ”محور المقاومة”، الذي يضم حزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن، ونظام الأسد في سوريا، والعديد من الجماعات المسلحة في العراق. ويشير إلى أن هؤلاء ليسوا مجرد مخالب قطط لطهران، بل لكل من هذه الجهات الفاعلة أهداف ومصالح مختلفة.
يشير كييون إلى أن الهجمات التي وجهت ضد الولايات المتحدة لم تُناقش في التغطية الإعلامية إلا بشكل محدود. ويقول إن الولايات المتحدة تحتفظ بعشرات القواعد في الشرق الأوسط، ومن بينها المعاقل في العراق وسوريا، وهما دولتان تنتميان بحكم الأمر الواقع إلى محور المقاومة. وتتعرض هذه القواعد الأمريكية لهجمات صاروخية وطائرات بدون طيار وهجمات صاروخية مستمرة، وكانت هذه الهجمات المتفرقة على التحصينات الأمريكية تحدث منذ سنوات، ولكنها تواجه اليوم وابلا غير مسبوق من الهجمات، وتتعرض في بعض الأحيان إلى أكثر من ستة حوادث منفصلة يوميًا. والأكثر من ذلك أن وزارة الدفاع الأميركية تحاول التقليل من خطورة ما يجري، بل وإخفاء خطورته.
يتساءل الكاتب بدهشة ما الذي يجري؟ ويقول إن كثيراً ما يُقال لنا إن أميركا تمتلك أقوى جيش وأكثرها تقدماً في العالم؛ وبمبالغ تمثل نحو 40% من إجمالي الإنفاق العسكري في العالم. فما هو السبب الذي قد يدفعها إلى التظاهر وكأن شيئاً لم يحدث، حتى مع سقوط الصواريخ والطائرات بدون طيار على منشآتها؟
ويعتقد كييون أن السبب وراء رغبة الولايات المتحدة في إخفاء وإنكار حرب الظل هذه هو أن الحقائق العسكرية المتغيرة على الأرض جعلتها أضعف بكثير في المنطقة مما كانت عليه من قبل. ويشير إلى إن النجاحات العسكرية الكبرى في المنطقة مثل: عاصفة الصحراء (1990 – 1991)، ودرع الصحراء (1990 – 1991)، وغزو العراق (2003) حدثت كلها منذ عقود مضت، ضد خصم كان يفتقر إلى العتاد أو الإرادة.
يشير كييون إلى أنه قبل ثلاثين عامًا، كانت تكنولوجيا الطائرات بدون طيار في طور النشوء، ولم تكن الصواريخ منتشرة في كل مكان تقريبًا كما هي الآن. وكان الوضع الجيوسياسي مختلفاً أيضاً: فقد كانت الصين لا تزال دولة فقيرة نسبياً، وكانت روسيا تترنح من انهيار الاتحاد السوفييتي، وكانت إيران بلا أصدقاء، ولا تزال تتعافى من الحرب العراقية الإيرانية المدمرة بين عامي 1980 و1988. وكانت المؤسسة العسكرية الأميركية تتمتع بقدر كبير من القوة.
اليوم أصبحت الولايات المتحدة عالقة في مأزق. فقد أصبح أعداؤها أقوى وأكثر عدداً مما كانوا عليه قبل عقدين من الزمن، حينما كانت الولايات المتحدة تقاتل في الأغلب متمردين ضعفاء التسليح في العراق أو أفغانستان. اليوم، أصبحت الجماعات المسلحة العراقية أكثر صلابة بعد صراع دام عقدًا من الزمن ضد تنظيم الدولة الإسلامية، ولديها إمكانية الوصول إلى أسلحة حديثة: طائرات انتحارية بدون طيار، وصواريخ باليستية، وصواريخ قصيرة المدى ذات رؤوس حربية متفجرة تزن مئات الأرطال، وصواريخ حديثة مضادة للطيران، مصدرة من إيران أو روسيا.
حتى حزب الله في لبنان بات يشكل تهديداً خطيراً ضد البحرية الأميركية لأنه يمتلك الآن معدات مثل صواريخ كروز الروسية الحديثة المضادة للسفن من طراز ياخونت. ونتيجة كل هذه التحولات الجيوسياسية والاقتصادية والعسكرية في ميزان القوى هي تقويض الهيمنة الأمريكية في المنطقة بشكل خطير.
قبل عقد ونصف من الزمان، كان بوسع الولايات المتحدة أن تحوم طائرات بدون طيار فوق قسم كبير من الشرق الأوسط، وكانت تمطر الصواريخ على الإرهابيين المشتبه بهم مع الإفلات دون عقاب تقريبًا؛ ولكن قبل بضعة أيام فقط، قام المتمردون الحوثيون في اليمن (أحد أفقر الدول في المنطقة) بتحميل مقطع فيديو لهم وهم يستخدمون صواريخهم المضادة للطائرات لإسقاط طائرة أمريكية بدون طيار فوق البحر الأحمر.
يشير كييون إلى أن كلفة شراء طائرة أمريكية بدون طيار تبلغ نحو 32 مليون دولار؛ وعلى النقيض من ذلك، كانت تكلفة الصاروخ الإيراني الإنتاج الذي أسقطها ربما تقدر بعشرات أو مئات الآلاف من الدولارات. وبالتالي فإن الاستنزاف العسكري يخفي مشكلة أعمق: الاستنزاف الاقتصادي، ومع تقدم أنظمة الأسلحة الأميركية وزيادة كلفتها، أصبحت الأدوات المستخدمة لتحدي التفوق الأميركي أرخص ومتاحة على نطاق أوسع.
يقول كييون في ختام مقاله إن كل هذا يؤكد أن التفوق الأميركي قد مات، وأن الولايات المتحدة باتت عملاقاً ضعيفاً ومتهالكاً يقف على أقدام من الفخار. ويشير إلى أن الاعتراف بحرب الظل الراهنة التي لا يرغب أحد في البنتاغون في الحديث عنها على أمل أن تنتهي بكل بساطة؛ يعنى الاعتراف بما هو غير مقبول: بأن مشروع “القرن الأمريكي الجديد”، الذي ولد في النار والدماء في أفغانستان والعراق، يبدو أنه ينتهي اليوم بشكل حاسم في نفس المكان الذي بدأ فيه من قبل.



