في مقالهما المهم والمطول المنشور حديثًا في مجلة ذى نيشن الأمريكية تحت عنوان “Israel Is Losing this War” (إسرائيل تخسر هذه الحرب) [[1]] يقول الصحفيان توني كارون ودانيال ليفيأن عدداً متزايداً من المحللين الاستراتيجيين يحذرون من أن إسرائيل قد تفشل في أهدافها السياسية في حربها على غزة، على الرغم من حملة العنف الكارثية التي أطلقتها ضد الفلسطينيين.
يطرح كارون وليفي مقارنة جزئية بين هجوم ال 7 من أكتوبر \ تشرين الأول، وهجوم “تيت” الذي شنه المتمردون في فيتنام عام 1968 ضد القوات الأمريكية، والذي قاموا خلاله بهجمات دراماتيكية عالية المستوى على أكثر من 100 هدف في جميع أنحاء البلاد في وقت واحد؛ ويقولان: إنه على الرغم من أن الثوار الفيتناميين قد خسروا المعركة، وضحوا بالكثير من بنيتهم التحتية السياسية والعسكرية السرية التي بنوها بصبر على مدار سنوات. ولكن مع ذلك، كان هذا الهجوم لحظة أساسية في هزيمتهم للولايات المتحدة؛ حيث حطمت العصابات الفيتنامية المسلحة بأسلحة خفيفة وهم النجاح الذي روجت له إدارة جونسون للشعب الأمريكي، وأوضحت لعموم الأمريكيين أن الحرب التي طُلب منهم أن يضحوا بعشرات الآلاف من أبنائهم من أجلها، هي حرب لا يمكن الفوز بها.
كما يشير الكاتبان إلى أن القيادة الفيتنامية قامت بقياس تأثير أعمالها العسكرية آنذاك من خلال آثارها السياسية وليس من خلال التدابير العسكرية التقليدية مثل خسارة الرجال والعتاد أو اكتساب الأراضي. ومن هنا جاء رثاء هنري كيسنجر عام 1969، حيث قال: “لقد خضنا حرباً عسكرية، وخاض خصومنا معركة سياسية. وسعينا للاستنزاف الجسدي، بينما كان خصومنا يهدفون إلى إنهاكنا النفسي. وفي هذه العملية فقدنا رؤية أحد المبادئ الأساسية لحرب العصابات: إن العصابات تفوز إذا لم تخسر، والجيش التقليدي يخسر إذا لم ينتصر”.
ويعزز الكاتبان هذه التحليل باقتباس من جون ألترمان الباحث الأمريكي المتخصص في قضايا الشرق الأوسط، الذي قال: “إن مفهوم حماس للنصر العسكري، يدور حول تحقيق نتائج سياسية طويلة الأمد. إن حماس لا ترى النصر في عام واحد أو خمسة أعوام، بل من خلال الانخراط في عقود من النضال الذي يزيد من التضامن الفلسطيني ويزيد من عزلة إسرائيل. في هذا السيناريو، تحشد حماس بغضب حولها السكان المحاصرين في غزة، وتساعد في انهيار حكومة السلطة الفلسطينية من خلال ضمان أن ينظر الفلسطينيون إلى الأخيرة على أنها ملحق ضعيف للسلطة العسكرية الإسرائيلية. وفي الوقت نفسه، تبتعد الدول العربية بقوة عن التطبيع، وينحاز الجنوب العالمي بقوة إلى القضية الفلسطينية، وتتراجع أوروبا عن دعم تجاوزات الجيش الإسرائيلي، ويحتدم النقاش الأمريكي بشأن إسرائيل، مما يؤدي إلى تدمير الدعم الحزبي الذي تتمتع به إسرائيل هنا منذ أوائل السبعينيات.”
ويعيد الكاتبان التذكير بالتحذير الذي أطلقه رئيس الكنيست السابق أفروم بورغ قبل عشرين عاما، حيث قال “لا يمكن لدولة تفتقر إلى العدالة أن تستمر.. وحتى لو أخفض العرب رؤوسهم وابتلعوا عارهم وغضبهم إلى الأبد، فلن ينجح الأمر. إن البنية المشيدة على القسوة تجاه البشر، سوف تنهار حتماً على نفسها.. ولا ينبغي لإسرائيل، التي توقفت عن الاهتمام بأطفال الفلسطينيين، أن تتفاجأ عندما يأتي هؤلاء معمدين بالكراهية ليفجروا أنفسهم”. وقد حذر بورغ كذلك من أن إسرائيل قد تقتل ألفاً من رجال حماس يومياً دون أن تحل شيئاً، لأن أعمال العنف التي تقوم بها إسرائيل سوف تكون مصدراً لإعادة بناء صفوف الحركة.” ومن نافلة القول إن تحذيرات بورغ قد تم تجاهلها.
ينقل الكاتبان عن محللين مثل طارق بقعوني (رئيس شبكة الدراسات الفلسطينية) ممن درسوا حماس ونمط تفكيرها على مدى العقدين الماضيين، أن الحركة سعت منذ بعض الوقت إلى التحرر من أغلال حكم منطقة معزولة عن بقية فلسطين، بالشروط التي وضعتها قوة الاحتلال؛ حيث أظهرت الحركة تلك الرغبة، بدءًا من احتجاجات مسيرة العودة الحاشدة غير المسلحة في عام 2018؛ وبالتالي إذا كانت نتيجة هجومها هي فقدانها لمسؤولية حكم غزة، فقد ترى حماس أن ذلك مفيد. ويقول بقعوني إن حماس شعرت على الأرجح بأنها مضطرة إلى خوض مغامرة عالية المخاطر لتحطيم الوضع الراهن الذي اعتبرته موتًا بطيئًا لفلسطين.
ويشير الكاتبان إلى أن حماس حاولت دفع فتح إلى مسار مماثل، حيث حثتها على إنهاء التعاون الأمني بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل في الضفة الغربية، وعلى مواجهة الاحتلال بشكل مباشر. ومن ثم لا يشكل فقدان الحركة للسيطرة على الحكم المحلي لغزة هزيمة حاسمة لمجهودها الحربي؛ فبالنسبة لحركة كرست نفسها لتحرير الأراضي الفلسطينية، بدأ حكم غزة يبدو وكأنه طريق مسدود، مثل الحكم الذاتي المحدود والدائم لجزر معزولة عن بعضها البعض في الضفة الغربية.
تتمتع حماس ــ بحسب الكاتبين ــ بمنظور فلسطيني شامل، وليس منظوراً خاصاً بغزة، ولذلك فقد قصدت أن يكون لـ 7 من تشرين الأول (أكتوبر) تأثيرات لها ما بعدها في جميع أنحاء فلسطين. والآن، تعمل الدولة الإسرائيلية على تسريع هذا الارتباط بين الضفة وغزة من خلال حملة اعتقالات وقمع ضد أي تعبير عن المعارضة بين الفلسطينيين في الضفة. وبهذا المعنى، فإن الرد الإسرائيلي المذعور لم يؤدي إلا إلى التقريب بين سكان الضفة الغربية وقطاع غزة.
ويشير الكاتبان إلى أنه من عجيب المفارقات أن إصرار الولايات المتحدة على وضع السلطة الفلسطينية تحت سيطرة السلطة الفلسطينية في غزة بعد حرب الدمار التي شنتها إسرائيل؛ يعزز اليوم من فكرة كون الضفة الغربية وغزة كياناً واحداً. ولذلك فإن السياسة التي تنتهجها إسرائيل منذ 17 عاماً لفصل الضفة الغربية الخاضعة التي تديرها السلطة الفلسطينية مأمونة الجانب عن غزة التي يديرها “الإرهابيون” قد باءت بالفشل.
ويقول الكاتبان أن الهجوم الذي قادته حماس دمر الأساطير التي تقول إن إسرائيل لا تقهر، وحطم توقعات مواطنيها بالدعة والهدوء. فقبل أسابيع فقط، كان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يتباهى بأن إسرائيل نجحت في “إدارة” الصراع إلى درجة أن فلسطين لم تعد تظهر على خريطته “للشرق الأوسط الجديد”، بعد اتفاقيات إبراهام والتحالفات الأخرى. وكان يوم السابع من أكتوبر بمثابة تذكير صارخ بأن هذا الأمر لا يمكن الدفاع عنه، وأن المقاومة الفلسطينية تشكل شكلاً من أشكال سلطة النقض (الفيتو) على الجهود التي يبذلها الآخرون لتقرير مصيرهم.
على صعيد الجبهة الإسرائيلية الداخلية، يشير الكاتبان إلى أن الشعب الإسرائيلي بات لا يثق في قيادته الوطنية بعد الفشل الهائل في الاستخبارات والرد على هجوم الـ 7 من أكتوبر. وهناك كذلك تأثير الحرب على الاقتصاد الإسرائيلي، الذي يعتمد نموذج نموه على جذب مستويات عالية من الاستثمار الأجنبي المباشر إلى قطاع التكنولوجيا وغيره من الصناعات التصديرية. وقد انخفض بالفعل الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة 68% على أساس سنوي خلال الصيف بسبب الاحتجاجات بشأن الخلافات الدستورية، وتضيف الحرب التي تخوضها إسرائيل حاليًا، التي تم حشد 360 ألف جندي احتياطي لها، مستوى جديداً من الصدمة.
يشير الكاتبان إلى أن إسرائيل دولة غنية تتمتع بالموارد اللازمة للتغلب جزئيًا على الظروف الصعبة الراهنة، ولكن مع ثروتها تأتي الهشاشة، فلديها الكثير لتخسره؛ فعلى سبيل المثال يقدر اللوبي التكنولوجي في إسرائيل أنه تم تعبئة عُشر قوته العاملة. وقد أصيب قطاع البناء بالشلل بسبب منع مجيء القوى العاملة الفلسطينية من الضفة الغربية. وانهار استهلاك الخدمات مع ابتعاد الناس عن المطاعم وقلة التجمعات العامة. وتشير سجلات بطاقات الائتمان إلى أن الاستهلاك الخاص في إسرائيل انخفض بنحو الثلث في الأيام التي تلت اندلاع الحرب. وانخفض الإنفاق على الترفيه والتسلية بنسبة 70%. وتوقفت السياحة بشكل مفاجئ، وهي الدعامة الأساسية للاقتصاد الإسرائيلي. وتم إلغاء الرحلات الجوية. كما أمرت الحكومة الإسرائيلية شركة شيفرون بوقف الإنتاج في حقل تمار للغاز الطبيعي، مما كلف إسرائيل 200 مليون دولار شهريًا من الإيرادات المفقودة.
على صعيد الخطط الحربية، يشير الكاتبان، إلى أن القوات الإسرائيلية تدفقت على غزة ومعها خطة قتالية، ولكن لا توجد خطة حرب واضحة لغزة بعد غزوها. فبعض القادة العسكريين الإسرائيليين يهدفون إلى الحفاظ على “سيطرة أمنية” من النوع الذي يتمتعون به في منطقة الضفة الغربية التابعة للسلطة الفلسطينية، بينما يدعو كثيرون في الدوائر الحكومية الإسرائيلية من جانب آخر إلى تهجير قسم كبير من السكان المدنيين في غزة قسراً إلى مصر، من خلال هندسة أزمة إنسانية تجعل غزة غير صالحة للعيش.
ربما تكون إسرائيل والولايات المتحدة قد أقنعتا نفسيهما بأن العالم قد نسى القضية الفلسطينية، ولكن الآثار الارتدادية التي أطلقتها الأحداث منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول تشير بحسب الكاتبين إلى أن العكس هو الصحيح. فقد ترددت أصداء دعوات التضامن مع فلسطين في شوارع العالم العربي. وتحتل فلسطين الآن مكانًة رمزية في جميع أنحاء الجنوب العالمي، وفي مدن الغرب، باعتبارها تجسيدًا للتمرد ضد النفاق الغربي ونظام ما بعد الاستعمار الظالم؛ فمنذ الغزو غير القانوني الذي قادته الولايات المتحدة للعراق، لم يخرج هذا العدد الكبير من الملايين حول العالم إلى الشوارع للاحتجاج.
تسبب التسامح الغربي مع رد فعل إسرائيل على أحداث 7 أكتوبر أيضًا بحسب الكاتبين بتفجير فقاعة الأوهام الأمريكية المتمثلة في استعادة الهيمنة في الجنوب العالمي تحت عنوان “نحن الأخيار”. فالتناقض بين استجابتها للأزمات الروسية الأوكرانية والإسرائيلية الفلسطينية على التوالي أنتج إجماعًا على أن هناك نفاقًا في قلب السياسة الخارجية الأمريكية؛ مما أنتج مشاهد غير عادية مثل انتقاد بايدن وجهًا لوجه في قمة أبيك، من قبل رئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم لفشله في الوقوف ضد الفظائع الإسرائيلية.
ويقول الكاتبان أن الساسة الغربيين ووسائل الإعلام الغربية تحب أن تتخيل أن حماس هي عبارة عن مجموعة عدمية تحتجز المجتمع الفلسطيني كرهينة على غرار داعش؛ لكن في الواقع، فإن حماس هي حركة سياسية متعددة الأوجه متجذرة في نسيج المجتمع الفلسطيني وتطلعاته الوطنية. فهي تجسد اعتقاداً أكدته عقود من الخبرة الفلسطينية بأن المقاومة المسلحة تشكل عنصراً مركزياً في مشروع التحرير الفلسطيني بسبب فشل عملية أوسلو والعداء المستعصي من جانب إسرائيل. وقد نمت نفوذها وشعبيتها مع استمرار إسرائيل وحلفائها في إحباط عملية السلام وغيرها من الاستراتيجيات اللاعنفية من أجل تحرير فلسطين.
يشير الكاتبان أخيرًا إلى أن التاريخ يظهر لنا نمطا يجلس فيه ممثلو الحركات التي يصفها خصومها بأنها “إرهابية” – في جنوب أفريقيا، أو أيرلندا، على سبيل المثال – على طاولة المفاوضات عندما يحين الوقت للبحث عن حلول سياسية. وسيكون من غير التاريخي المراهنة ضد حماس، أو على الأقل ضد نسخة ما من التيار السياسي الإيديولوجي الذي تمثله. ويؤكدان في ختام المقال على أنه “بعد ثمانية أسابيع من الانتقام، لا يمكن القول إن إسرائيل تنتصر.”
[[1]]https://www.thenation.com/article/world/israel-gaza-war/



