هذا تقرير يحاول تكثيف أهم ما ورد في هذه الأطروحة الموسومة ب “بلاغة الحجاج في الخطاب؛ حجاجية الاستعارة في الخطاب الفلسفي، تكوين العقل العربي لمحمد عابد الجابري نموذجا”، والتي أشرفت عليها الدكتورة فاتحة سلايعي، وناقشها الأساتذة الباحثون: د. حسن المودن، د. عادل عبد اللطيف، د. عبد العزيز لحويدق، د. عزيز الخطيب. برحاب كلية اللغة العربية، مراكش يوم 7/1/2023.
أولا في أهمية الموضوع ودواعي اختياره:
كثيرا ما كان يقال إن الفلسفة بمعزل عن الأدب، وإن الفيلسوف عقل منضبط والشاعرَ خيال هائم، وإن أساليب هذا غيرُ أساليب ذاك… ونادرا ما كان يُقال إن دوحة الإبداع الأدبي تتسع للفلاسفة مثلما تتسع للأدباء، وأن شجرة التفكير الفلسفي تضرب عميقا في الكتابات الأدبية، بله أن يقال إن الدراسات الفلسفية مخترقةٌ بالتخييل ومدينة له بناء وتبليغا. كان ذلك الإنكار المزدوج محركا لفضول رافقني طويلا حتى تبلور، بفضل توجيهٍ كريم من بعض أساتذتي الأجلاء، في صيغة إشكاليةٍ تتمحورُ حول التساؤل عن دور الاستعارة في الخطاب الفلسفي؛ هل هي مجرد محسن هامشي تمليه الرغبة في تنميق الكلام أم هي من صميم الخطاب الفلسفي ومن أقوى الحجج فيه؟ هل هي مما يعيق “فهم مراد المتكلم الفيلسوف” ويربك حركة الاستدلال في خطابه أم هي، على العكس من ذلك، من أقوى الأساليب التي بها يُبين ويقنع؟ هل الفلسفة هي فن التفكير فقط أم هي، أيضا، فن التعبير، وهل الفصل بينهما ممكن؟
وقد وقع الاختيار على كتاب “تكوين العقل العربي”[1] لمحمد عابد الجابري نموذجًا للتطبيق، لأنه يعود لأحد المتحمسين لقضية العقلانية والملتزمين بتوطينها وأحدِ أبرز المنتصرين “للبرهان” وأقيسته وقوانينه على حساب “البيان” وأساليبه، ولأنه الكتاب المفتاح لهذا المشروع الفلسفي المتفرد موضوعًا ومنهجا وأسلوبا (نقد العقل العربي)، والذي لاقى انتشارا واسعا (“فما من أحد إلا تأثر به سلبا أو إيجابا كما يقول حنفي). وإنه لمن الغريب حقا أن يستفيض الحديث عن مضامين هذا الكتاب ويخفت الكلام عن بلاغته حتى ليكادُ يكون أشبهَ بالسكوت، كأن الفكرة تنفصل عن الصورة وكأن تفسير قوة التأثير والانتشار ممكن دونها… هكذا وجدنا أنفسنا على أعتاب الفلسفة، تحملنا رياح البلاغة الجديدة متسائلين: أيُّ بلاغة هذه التي حملت هذا الكتاب المؤثر إلى القارئ العربي وحمَلَته على الانخراط فيما يدعو إليه؟ ماذا حمَلت إليه وبماذا حمَّلته؟ ما مُراد صاحبها منها؟ وما حدود جدواها وفعاليتها؟ وما موقع الاستعارة من هذه الفعالية؟
هل للبلاغة شيء تقوله للفلسفة وعن الفلسفة… ماذا تعني الدراسة البلاغية وبماذا تعد، وخاصة حين يتعلق الأمر بخطاب “أدمن أصحابه التوجس من البلاغة عامة والاستعارة خاصة”؟ هل بقي لهذا التوجس مبررٌ بعد الاجتهادات الفارقة التي قادها فلاسفة وبلاغيون.. والتي يسميها مانويل كاريلو ب”المنعطف البلاغي”؟[2]
ثانيا: إشكالية البحث:
مدار إشكالية هذا البحث حول السؤال التالي: أيُّ دور للتخييل والاستعارة في الخطاب الفلسفي الموسومِ، عادة، بكونه خطابا عقلانيا؟ وهو سؤال تتفرع عنه أسئلة عديدة من قبيل سؤال الفرق بين الخطاب الفلسفي والخطابات الأخرى (وعلى رأسها الخطاب الأدبي)، وسؤال حدود التداخل والتخارج بينهما وسؤال اشتغال التخييل في الفلسفة واشتغال “التحقيق” في الأدب وسؤال مقومات الكتابة الفلسفية ومدى إمكانية استغنائها عن التخييل والاستعارة… وسؤال العلاقة بين الفكرة الفلسفية والصورة الأدبية وسؤال القيمة المضافة للاستعارة في الفلسفة…
يتطلع هذا البحث، وهو يفكر في هذه الأسئلة، إلى الدفاع عن الأطروحة التالية: للاستعارة، والتخييل عامة، وظيفةٌ حجاجية داخل الخطاب الفلسفي. إننا نفترض أن الاستعارة هي الأداةُ المثالية التي يُعوَّل عليها في تثبيت أركان النسق الذي يشيده الفيلسوف والجسرُ الآمن الذي يصل المتكلم بعقل المخاطَب وقلبه ويُمكِّنه من التأثير فيه فلسفيا. وهذا افتراض مخالف للادعاء القائل بأنها “تخييل” من خصائص الأدب، وأن الفلسفة “علم” وتحقيق مباين له.
إن دعوى “علمية” الفلسفة، ومن ثم لا استعاريتها، لا تصمد كثيرا أمام الاختبار؛ لأنها تتجاهل قوة الاستعارة ودورها في صياغة العلم نفسه، كما تتجاهل التداخل الشديد بين الأدب والفلسفة، وتتغافل عن تاريخ تكوُّن الفلسفة نفسها في ظل ذلك المناخ الفكري المتأرجح “بين الخيال الأسطوري وخيال التنظيم العقلي المبكر”[3]، والذي يؤكد بأن الفلسفة هي الأخت الشقيقة (والشقية في الآن نفسه) للأدب!
صحيح أن الفيلسوف منشغل بالاستشكال والاستدلال، مجتهد في إبداع المفاهيم وصياغة التصورات، ولكنه، إذ يفعل كل ذلك، لا يفعله إلا على صهوات البلاغة، يفعل ذلك رغم ارتيابه وتوجسه وعدائه الصريح أحيانا للبلاغة: يقول مايير في هذا الصدد: “قلما يحب الفلاسفة أن يقال لهم إن خطابهم ذو طبيعة حجاجية”، ويقول ماكس بلاك: أنْ تَلفت الانتباهَ إلى اسْتعاراتِ الفيلسوفِ هو أنْ تَستخف به وتُقلِّل من شأنه – وكأنَّك تَمدحُ المَنْطقيّ على خَطِ يَدِه الجَميلِ”[4]. وإنها لمفارقة لافتة تسم موقف الفيلسوف: معاداة البلاغة/ الاعتماد على البلاغة!
ستنحل هذه المفارقة تدريجيا بفضل تلك الصدمات التي أحدثتها العلوم الحديثة والتي أفرزت مقاربات تجديديةً ترى البلاغةَ فنا للإقناع، والفلسفةَ حجاجا لا يستغني عن البلاغة، والاستعارةَ حجةً وثيقةَ الصلة باللغة والعقل، مخترقة لكل أنماط الخطاب. لم تعد البلاغة عائقا بل صارت مفتاحا للحل، ولم تعد “الصورة هي الصيغة المتدهورة والمشوَّهة للفكرة[5]“، بل صارت هي (والاستعارة في قلبها) “هي وحدها المُؤهَّلة للإمساك به [بالواقع المتعدد] حينما تعجز المفاهيم عن اجتراح ذلك”[6]، أو لنقل مثلما قال دانيال كوهن: “فإن أفضل فلسفةٍ هي الاستعارة الأكثرُ عمقًا…”[7].
ثالثا: الدراسات السابقة:
من بين الدراسات الوثيقة الصلة بموضوع بحثنا تلك التي جعلت من موضوع “الصورة والحجة” بؤرة الاهتمام على غرار ما نجد عند: بيرلمان وأوليفيي روبول وكريستيان بلانتان وميشال مايير ومارك بونوم وروث أموسي وطه عبد الرحمان ومحمد العمري ومحمد مشبال وعبد الله صولة ومحمد الولي…
ـــ وفضلا عن ذلك، فقد استفدنا كثيرا من تلك الدراسات التي تولي عناية بالغة لحضور الاستعارة في الفلسفة، على غرار ما نجد في كتابات فيكو (وقد تَرجم كتابه الهام “العلم الجديد” أحمد الصمعي 2022) ونيتشه وريتشاردز وبيرلمان وامتداداتهم عند بول ريكور وجاك دريدا وجورج لايكوف ومارك جونسون… ناهيك عن تلك الدراسات التي تنص بوضوح على “خِطابية الفلسفة” و”بيانيتها”، كدراسات طه عبد الرحمان وجاكلين روس وغاستون غرانجي… ويمكن أن نضيف إلى هؤلاء بعض الدراسات اطلعنا عليها مؤخرا (سلسلة مفهوم الصورة (19 ابريل- 9 أكتوبر 2022) وخاصة: الصُّورَة والفِكْرَة: التَّوْأمَة المفْقُودَة أو قِصَّة العَازل بَيْن الأدَب وَالفَلْسَفَة، لمحمد شوقي الزين) خطابات الحداثة، لمانويل ماريا كاريلو، الحجج والاستعارات في الفلسفة لدانيال كوهن، ومعرفة الحب، مقالات عن الفلسفة والادب، لمارثا نوسباوم.
ولا بأس أن نشير، في هذا السياق إلى وجود دراسات عربية متنوعة من حيث المنهج والغاية، حول الاستعارة والفلسفة؛ وهي في مجملها تستهدف رصد مفهوم الاستعارة في نصوص الفلاسفة، أو تستلهم المرجعيات الفلسفية واللسانية الحديثة (وخاصة اللسانيات المعرفية)، بغرض إثبات دور الاستعارة في بناء المفاهيم والتصورات وصياغة “التصديقات”، مثلما نجد عند عبد الرزاق الدوَّاي وعائشة أنوس وفؤاد بن أحمد: “تمثيلات وتوفيق فائزي[8]، وعبد الله الحراصي[9] وآخرين.
ـــ وأما بالنسبة للدراسات الخاصة ببلاغة الجابري وحجاجية الاستعارة في خطابه، فهي قليلة؛ فإذا ما استثنينا تلك الإشارات العرَضية المتفرقة حول أسلوبه وطريقته البيداغوجية في الكتابة؛ فلن نجد من الدراسات البلاغية المخصصة لمشروعه غير دراستين يتيمتين؛ ترجع أولاهما لمحمد العمري وأخراهما، على غرارها، لإدريس جبري[10].
وإذا كان لهذين الباحثين، في العالم العربي، فضل الإسهام في إذابة الجليد بين البلاغة والفلسفة نظريا وتطبيقيا، بتأزيم المنظور الفلسفي التقليدي، المتعالي على البلاغة، وكشف مفارقاته، وبإعادة اكتشاف البلاغي الكامن في الفلسفي وبإبراز احتكام الفيلسوف لأدوات البلاغي في الفهم والتأويل والتبليغ، فإننا نفترض أن الحاجة ماسَّة للمزيد من الدراسات في هذا الباب، وحول الجابري بالذات. وذلك من قبيل البحث في اشتغال التخييل وأدواته في خطابه، ومن قبيل البحث في القيمة الحجاجية للتخييل في كتبه ومقالاته.
وبالإجمال فإن الدراسات حول بلاغة الجابري عموما، وحول الاستعارة في خطابه خصوصا، تبقى نادرة. وإذا كان بالإمكان تبرير هذه الندرة في الماضي بالتوجس العام من فكرة استعارية الفلسفة بسبب هيمنة الرؤية العقلانية الصارمة والضيقة على التفكير الفلسفي، فإن السكوت عن بلاغة الجابري، اليومَ، غيرُ مفهوم؛ بالنظر إلى أهمية النتائج التي تخلص إليها الدراسات الحديثة حول البلاغة والفلسفة عموما وحول الاستعارة والفلسفة خصوصا. وهو ما نحاول استثماره، قدر المستطاع، في هذا البحث.
رابعا: المنهج:
يحاول هذا البحث استثمار الإمكانات التفسيرية التي توفرها تلك الدراسات المندرجة ضمن “بلاغة الحجاج في الخطاب”، والتي تنص بوضوح على أنه لا خطاب دون حجاج؛ لا خطاب دون استحضار للمخاطب وتوجُّه نحوه واجتهاد في التأثير “الفعال” عليه حتى ينخرط في طرائق التفكير والنظر والإحساس المعروضة عليه، أملا في تغيير رؤيته للعالم. وهو ما تسميه روت أموسي ب”الحِجاجية”[11].
ومعلوم أن دراسة هذه “الحجاجية”، وفق هذا المنظور، لا تتحقق إلا بجعل الحجاج جزءا مندمجا في “تحليل الخطاب”.
وعلى هذا الأساس، فدراسة حجاجية الاستعارة وفق هذا التصور تعني أن نبحث في الطريقة التي تُسهم بها في بناء الخطاب وفي تكوين الحجاج واشتغاله فيه؛ وهذا يعني التعاملَ مع الاستعارة، لا بوصفها مُحسنا تافها أو بوصفها بنية استدلالية مجردة ومعزولة عن الوضعية التلفظية للخطاب والطبيعة الحوارية التي تميزه والأثر العمَلي الذي يحدثه، بل بوصفها جزءا من الاستراتيجية الخطابية التي يضعها المتكلم بقصد التأثير في مخاطَبه. إن الاستعارة وفق هذا المنظور ــ كما في منظور عدد من البلاغيين المعاصرين ــ ليست مجرد مكون تجميلي من مكونات الخطاب، وليست هي حجة باتوسية تثير النوازع وتحرك العواطف فحسب، وإنما هي صورة “تجعلنا نشعر ونفكر”[12] في الآن نفسه، وهي بحكم جمعها المدهش بين إثارة الوجدان ومخاطبة العقل تمارس تأثيرها القوي على المخاطب فتعمل على تجنيد تفكيره في اتجاه حجاجي معين، وتسعى إلى إدماجه في عالم المتكلم. وذلك ما نفترض تحققه في الاستعارات المؤسسة لخطاب الجابري في “تكوين العقل العربي.
خامسا: خطة البحث:
يتألف هذا البحث من مدخل عام وبابين فضلا عن مقدمة عامة وخاتمة جامعة.
أما المدخل فقد حاول أن يوضح العلاقةَ الملتبسة بين مفهومي الاستعارة والفلسفة، والتي عرفت أطوارا من التوجس والريبة والعداء قبل أن تنقلب إلى احتفاء، كما حاول أن يبين أنَّ الفلسفة قولٌ حجاجي، تؤدي فيه الاستعارة أدوارا بالغة الأهمية؛ يَعِدُ الاهتمام بها بتعميق فهم النظريات الفلسفية.
وأما الباب الأول فقد خُصص للحديث عن “الاستعارة بين الوظيفة الشعرية والوظيفة الحجاجية”، وذلك من خلال تتبع مدونات بلاغية مختلفة زمنا ومرجعياتٍ. فجاء تبعا لذلك مشكلا من تمهيد وأربعة فصول وخلاصة.
وأما الباب الآخِر فقد عُني بالبحث في “حجاجية الاستعارة في كتاب تكوين العقل العربي”. وقد تألّف هذا الباب، هو الآخر، من تمهيد وأربعة فصول وخلاصة.
وقد حاولنا، في خاتمة البحث، استخلاص أهم النتائج، والتنبيه على بعض الآفاق.
سابعا: خلاصات وآفاق
وبالإجمال، فقد انشغل هذا البحث بالتفكير في ثلاث قضايا محورية هي: علاقة الفلسفة بالاستعارة، وعلاقة الاستعارة بالحجاج، وحجاجية الاستعارة في نموذج محدد هو كتاب “تكوين العقل العربي”.
وقد أفضى تتبع حضور الاستعارة في هذا الكتاب الفلسفي إلى تأكيد فرضية الدور الحجاجي للاستعارة في الخطاب الفلسفي؛ فقد تبين أن الاستعارة هنا أسلوب محوري في بناء خطاب الجابري وفي تبليغه؛ إذ بِها صاغ هذا المفكر تصوراته حول العقل العربي وبها خاطب جمهوره ادعاء واعتراضا، احتجاجا وإقناعا…
وقد استنتجنا من خلال تحليل عدد من النماذج الاستعارية، في هذا الكتاب، أن استعارات الجابري (المتميزة بطابعها الحسي، وبخطابيتها القوية، وبنزوعها العملي التوجيهي، وبانطوائها على قدر عال من الإثارة، وبحرص صاحبها على تفسيرها…) تَؤُولُ إلى تثبيت صورة كبرى هي صورة الهدم/ البناء. وهي صورة استعارية تجسيدية تكثف مشروع الجابري؛ ليس نقد العقل العربي، فيما يبدو لنا، شيئا آخر غير هدم العقل السائد وبناء العقل الناهض، وليست الخطة في هذا الهدم/البناء شيئا غير التحليل الابستمولوجي الكاشف عن الآليات المتحكمة في إنتاج المعرفة بعد تحليلها وإدراك تاريخيتها وفهم ظروف تشكلها تمهيدا للتجديد والتجاوز.
ولما كان الهدم والبناء الفكريين مستلزمين للتفكيك والتفسير والتغيير فقد وجدنا الجابري حريصا على مساءلة العقل العربي، تكونا وتشكلا واشتغالا، كما وجدناه حريصا على إقناع المخاطَب بضرورة تغييره وتجديده بعد ما اعتراه من ركود وجمود. وذاك ما نهضت به الاستعارات في هذا الكتاب، أيما نهوض، بعدما عبأها حجاجيا.
ورغم أن الجابري كان حريصا على وصف خطابه حول العقل العربي بالعلمي والموضوعي، قياسا إلى الخطابات السابقة والسائدة، فإنه هو نفسه القائل بأنه “يدشن” النظر في العقل العربي. إنه يدشن “آفاقا” للتفكير ولا يدَّعي أن خطابه نهائيا؛ وفي هذه الإشارة ــ الاستعارة تنبيه إلى أن خطابه “وجهة نظر” وخطوة أولى وصورة من صور التفكير المحتملة التي تقبل الاستثمار والتعديل والتجاوز، وهو ما حاولنا تبيينه في فصل “استعارية الحجة في تكوين العقل العربي”. يقول ابن عربي: “وما من دليل عقلي إلا ويقبل الدخَل والشُّبهة … فعينُ أدلَّتهم كلهم هي عين شبهاتهم”. ابن عربي معقبا على المتكلمين/ الفتوحات ج 3 ص 537.
وبالإجمال، فإن فهم خطاب الجابري بعيدا عن فهم اشتغال الاستعارة وتبين أدوارها الحاسمة فيه، يبدو متعذرا. وإن أداةً، هذا سلطانها، لجديرة بأن تُبوأ الصدارة في اهتمام دارسة الخطاب الفلسفي لا أن يُختزل دورها في تحسين الأسلوب أو يهمَّش إلى مجرد تقريب المعنى الفلسفي، بله أن ينظر إليها بوصفها “مزلَّة”… أو ترفا. فماذا لو كان، مثلا، الخلاف الحاد بين الجابري وعدد من خصومه (المتهمين باللاعقلانية) راجعا بالأساس إلى إهمال الطبيعة الاستعارية لخطاباتهم جميعا؟
وإننا، إذ نلح على القيمة الحجاجية للاستعارة في الخطاب الفلسفي، فإننا نأمل أن تتوسع الأبحاث الاستعارية حول المتون الفلسفية؛ ففضلا عما في هذا المسلك من تجديد للمداخل، فإنه يعِدُ بفهم أعمق وأدق بجمالية النصوص الفلسفية وبكيفية بنائها وطرق تأثيرها. فماذا لو أدمجت نصوص فلسفية ضمن درس البلاغة، وماذا لو أدمج درس البلاغة في درس الفلسفة؟ ألن يسهم ذلك في تجديد فهمنا للبلاغة والفلسفة معا؟ ألن يسهم في توطين الفلسفة وانتشارها والمصالحة معها؟ ألن يُمدَّ الكُتَّابَ من الفلاسفة بما يجعل خطابهم جميلا ومفهوما وفاعلا ومؤثرا ومقروءا؟ وماذا لو كان من أهم أسباب النفور من الفلسفة هو التجاهل، الذي يصل إلى حد الإنكار، لتلك الاستعارات الفلسفية، بدعوى أن الفلسفة تحقيق لا تخييل فيه؟ وماذا عن هذا البؤس المزمن الذي يطوقنا؛ كللا في التفكير وعيًّا في التعبير واختلالا في التدبير… أليس هذا من أعراض “قصور” فهمنا للبلاغة والفلسفة، ومن أعراض جهلنا بتداخلهما وتكاملهما وضرورتهما معا في حياتنا الاجتماعية والسياسية والثقافية؟ ختاما، يبقى هذا البحث مجرد محاولةٍ في الفهم، وخطوةٍ صغيرة في مسار طويل.. وإننا لنرجو، من هذه المحاولة “المعلقة” التي تنتظر التصويب والتقويم من أساتذتي في هذه اللجنة المحترمة، ألا يكون فاتَنا فيها تمام النية والعزم، إن كان قد فاتنا تمام الجهد والوُسع، كما نرجو ألا يكون التحليل قد أفسد جمالية استعارات الجابري أو حدَّ من قوتها المعرفية والحجاجية… فليس يضير التحفة الموسيقية أن “تُحلل بنيتُها النَّغَمية واللحنية
[1] محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط 10/2009.
[2] مانويل ماريا كاريلو، خطابات الحداثة، ترجمة ادريس كثير وعز الدين الخطابي، دار ما بعد الحداثة، فاس، 2001.
[3] سعيد الغانمي، فاعلية الخيال الأدبي، محاولة في بلاغية المعرفة من الأسطورة حتى العلم الوصفي، منشورات الجمل، بيروت ــ بغداد، ط/2015، ص 285. كما نشير إلى دراسات مارثا نوسباوم التي تعتبر كثيرا من النصوص الأدبية نصوصا فلسفية.
[4] البلاغة، ترجمة محمد أسيداه، ط1/2021 ص105. ثم: ماكس بلاك، الاستعارة، ترجمة أحمد فريحي: https://www.mominoun.com/articles/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%B9%D8%A7%D8%B1%D8%A9-8157#_ftn1
[5] نشير هنا إلى سلسلة دراسات جديدة ومفيدة قدمها المفكر محمد شوقي الزين، تحت عنوان مفهوم الصورة (19 ابريل- 9 أكتوبر 2022) وخاصة: الصُّورَة والفِكْرَة: التَّوْأمَة المفْقُودَة أو قِصَّة العَازل بَيْن الأدَب وَالفَلْسَفَة، موقع معنى، 9/10/2022. https://mana.net/idea-and-image/.
[6] محمد الولي، “مصطلح البيان العربي، السبيل إلى تحرير البلاغة العربية”، مجلة البلاغة وتحليل الخطاب، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ع9/2016. ص 37.
[7] DANIEL COHEN; Arguments and Metaphors in Philosophy; University Press of America, 2004. P2.
[8] توفيق فائزي، الاستعارة والنص الفلسفي، دار الكتاب الجديد المتحدة ــــ لبنان، ط1/ 2016، ص 517. وقد حرص الكاتب في دراسته هذه على تأكيد أن التخييل في الفلسفة لا يكون حاضرا “حضورا باهتا، أو حاضرا حضور الخادم لسيادة التصديق، بل بعده مؤسسا للمعاني الفلسفية” ص (10).
[9] عبد الله الحراصي، دراسات في الاستعارة المفهومية، كتاب نزوى، مؤسسة عمان للصحافة والأنباء، أبريل 2002، ص8.
[10] هناك بعض الدراسات التي عنيت بالاستعارة في مشروع الجابري ولكنها انصرفت الى الاهتمام بالاستعارة في معناها اللغوي لا البلاغي على غرار: رضا شريف، الاستعارة المفاهيمية في إبيستيمولوجيا محمد عابد الجابري، مجلة الإناسة وعلوم المجتمع، العدد: 06 (ديسمبر 2019)، ص 65 – ص 88.
[11] Ruth Amossy, L’argumentation dans le discours, Armand Colin, (2e édition) 2016, p 9.
[12] Ruth Amossy, L’argumentation dans le discours, p 255.
En bouleversant les attentes, en réorganisant l’ordre du discours, la figure donne à sentir et à penser.
( من خلال قلب التوقعات ، من خلال إعادة تنظيم ترتيب الخطاب ، تمنحنا الصورة الشعور والتفكير).




حظا موفقا. ما ينبغي البحث قيه اليوم هو تقويض آليات الفكر المغربي، وخصوصا فكر كل من أستاذنا الجليل محمد عابد الجابري، وفكر أستاذنا الجليل طه عبد الرحمان. فبالرغم من أن هذين العلمين من الأساتذة الذين درسونا، وكانا من الأوائل الذين مهدوا الطريق للفكر المغربي، ومن الذين ساهموا في الفكر العربي، فإنهما سقطا في مزالق كثيرة: ففي الوقت الذي يدافع فيه الأستاذ الجابري عن البرهان، يستند في ذلك على لغة طبيعية خطابية مشبعة بالتشبيهات والاستعارات، ونحن نعلم على القطع بأن البرهان مانه الرياضيات والمنطق فقط، حيث اللغة الرمزية. أما اللغة الطبيعية، فغاصة بالمجاز. هذا من جهة. ومن جهة أخرى، يتوسل الأستاذ طه عبد الرحمان بلغة استدلالية، لكنه يدافع بها عن اللامنطق. وهنا يكمن التهافت، وتكمن النقيضة Pradoxe في الفكر المغربي. لذلك، فلا سبيل لتطور الفكر إلا بالنقد والنسف. ولو لم يكن النقد، لاعتمدنا الرواية، ولأصبح مجال الفكر لا يختلف عن منهج الحديث، وحتى منهج الحديث فيه الجرح والتعديل. ولو لم يكن النقد لما وجد أرسطو الذي نسف نظرية أستاذه أفلاطون في المثل. أشكر الأستاذ على ما قام به.
شكرا جزيلا د. أحمد.
فعلا، ربما يكون الأوان قد حان لمراجعة ما كتب في الفكر الفلسفي المغربي ونقده، بحثا عن أفق جديد وأسئلة مغايرة وأساليب مختلفة في الكتابة.