إذا أخذنا بالتعريف المعاصر للسفسطة باعتبارها غلطا حواريا وخرقا للوجه السليم الذي ينبغي أن تسلكه المحاورات والمناظرات[1]، فسيكون بالإمكان الوقوف على وصف بديع من قبل علماء المسلمين الذين ألفوا في المبحث المسمى بـ”آداب البحث والمناظرة” لبعض المغالطات الحوارية أو ما يمكن وسمه بـ”سفسطات المناظرة”، وهي جملة من أفعال التناظر التي لا تُقبل بسبب خرقها لقواعد التناظر السليم وآدابه المرعية. إن هذه القواعد والآداب التناظرية هي حصيلة نظر عميق في الممارسة الفعلية للمحاورات والمباحثات في أبواب العلم المختلفة، ونتيجة للتنقيب في أكثر الطرق وفاء بالهدف الأصلي للفعل التناظري، وهو اقتناص الحق مع حفظ الود بين المتناظرين، وقد صاغ النظار المسلمون هذه النظرات العميقة ونسقوها بصورة محكمة توسلت بما كان مقررا في المباحث المنهجية على عهدهم، وخاصة علمي المنطق واللغة، ولكنهم التزموا في ذلك بروح مرنة مبدعة بعيدة عن الحرفية والجمود. وسوف نحاول الوقوف على نماذج من هذه القواعد على أن نبقي الباب مفتوحا للنسج على ذات المنوال في تتبع سائر هذه المظاهر المنحرفة عن الفعل التناظري المعياري باعتبارها “سفسطات تناظرية”، ونقتصر في ذلك على ما يرتبط بوظيفة السائل (المعترض) دون المجيب (المعلل أو المدعي أو العارض).
في سياق حديثهم عن وظيفة السائل أثناء المناظرة أشار المؤلفون في هذا الفن إلى جملة من الوظائف (أي أفعال التناظر بالاصطلاح المعاصر) التي لا تُسمع (أي لا تقبل) في الفعل التناظري، وهي بهذا الاعتبار مغالطات أو سفسطات لأنها تعيق المناظرة عن بلوغ مبتغاها وهو طلب الحق. وعلى وجه الإجمال يمكن التمييز في الأفعال التناظرية للسائل بين أربعة أفعال أساسية[2]:
– منع الدعوى غير المدللة
– منع مقدمة من مقدمات الدليل في الدعوى المدللة
– منع عموم الدليل في الدعوى المدللة
– منع الدعوى المدللة ذاتها
ولننظر في المغالطات المتصلة بكل واحدة من هذه الأفعال:
أ ـ الغصب أثناء منع الدعوى المجردة عن الدليل:
نشير بداية إلى أن مصطلح المنع يفيد عند أهل المناظرة معنى عاما لا ينحصر في الدلالة الحرفية لهذا اللفظ، فهو يدل كذلك على طلب الدليل، فالسائل حين يمنع فهو يطالب المعلل بإقامة الدليل على دعواه. من هنا فإن المعلل إذا طرح دعواه مجردة عن دليلها، فإن للسائل الحق في أن يلجأ إلى هذه الوظيفة، فيمنع الدعوى ليدفع المعلل إلى الإتيان بالدليل الذي يسندها.
ومثال ذلك:
زيد: الإنفاق على مشاريع استكشاف الفضاء تبذير للمال لا طائل من ورائه
عمرو: “أمنع دعواك هذه” أو “لا أسلم لك هذه الدعوى” أو “هذه الدعوى ممنوعة”…الخ
وقد اختلف أهل النظر في هذا الفن حول جواز أن يورد السائل سند المنع ومبرره في هذه الحالة (ويسمونه أحيانا بالشاهد)، وقد رأى البعض أن إيراد سند المنع غير مقبول، أي أنه سفسطة أطلقوا عليها اسم الغصب، ويتمثل في الهجوم على الدعوى قبل تدليلها، وفي ذلك مصادرة لحق المعلل في تعليل دعواه[3]. وعلى سبيل الاصطلاح نقترح تسمية هذه السفسطة بـالغصب العام تمييزا لها عن صورة أخرى من الغصب سيأتي بيانها بعد حين.
ب ـ الغصب أثناء منع مقدمة الدليل المسمى مناقضة أو نقضا تفصيليا
إن المناقضة أو النقض التفصيلي[4] تتمثل في منع مقدمة الدليل، غير أن السائل في أثناء منعه مقدمة من مقدمات الدليل قد يعمد إلى إجراء هذا المنع من خلال إقامة دليل مكتمل على فساد هذه المقدمة، أي يعمد إلى منع الدليل بالدليل، وفي هذه الحالة يكون قد أقدم على وظيفة غير مسموعة أيضا، وهي تسمى كذلك في اصطلاح المناظرة غصبا، لأنها تجعل السائل يأخذ دور المعلل، ويحرمه من تدليل دعواه، وهو ما يدخل المناظرة في حال يصطلح عليها بين أهل هذا الفن بـالخبط والنشر في البحث، أي انقلاب الوظائف بين المتناظرين[5]. ونقترح تسمية هذه السفسطة بـالغصب النقضي إشارة إلى ارتباطها بفعل النقض التناظري، وذلك حتى يحصل تمييزها عن الغصب العام المشار إليه أعلاه.
جـ ـ المكابرة أثناء منع الدليل في عمومه المسمى نقضا أو نقضا إجماليا:
وسمي نقضا إجماليا لأنه يتضمن نقض الدليل في مجمله دون نظر تفصيلي في مقدماته، وينص أهل هذا الفن على أن هذا النقض الإجمالي يلزم أن يكون مقترنا بالسند، وفي الحالة التي يتخلف فيها السند ينقلب النقض الإجمالي إلى وظيفة غير مسموعة في عرف المناظرة هي التي يصطلح عليها بين أهل هذا الفن بالمكابرة، فالمكابرة إذن سفسطة تتمثل في منع الدليل دون تقديم السند (أو الشاهد) في هذا المنع[6].
وقد يرد السؤال: لماذا كان المنع بغير سند مشروعا إذا انصرف إلى الدعوى غير المدللة، دون أن يكون كذلك إذا انصرف إلى الدليل؟ تفسير ذلك واضح بين، إذ أن منع الدعوى غير المدللة إنما الغاية منه دفع المعلل إلى إقامة الدليل عليها، بينما منع دليل الدعوى دون بيان سند هذا المنع يبقى مجرد عناد ومكابرة تكون نتيجته انحباس المناظرة وانقطاعها. ومثال المكابرة في المناظرة :
زيد (المعلل): كل أثر إلا وله مؤثر، وقد وجد العلماء آثارا في هذه الصحراء، فلا شك أن هذه الصحراء شهدت حياة بشرية.
عمرو (السائل): أرفض دليلك هذا
زيد: لماذا؟
عمرو: أرفضه والسلام
د ـ النقض التبخيسي أثناء إجراء النقض الإجمالي
إذا أُجري النقض الإجمالي بصورة سليمة، أي مشفوعا بالسند، فإن الفعل التناظري يأخذ صورتين اثنتين:
ـ بيان غياب المناسبة بين الدليل والمدلول (الدعوى)، وذلك بالإشارة إلى تخلف المدلول عن الدليل، وهو ما يقتضي فساد هذا الأخير، لأن المفروض أن تكون بينهما علاقة لزوم يلزم فيها المدلول عن الدليل، فإذا ثبت الدليل وتخلف المدلول، فمعنى ذلك أن هذا الدليل ينطوي على خلل وفساد.
ـ بيان استلزام الدليل للمحال من تسلسل أو دور أو غيرهما من صور المحالات، وواضح أن الكشف عن هذا العيب في الدليل يوجب فساده وتهافته، لأن الدور والتسلسل يعدان من المحالات العقلية والواقعية التي إذا انطوى عليها الدليل كان فاسدا.
ويشير الباحثون في هذا الفن إلى أن الصورة الأولى قد يحصل فيها خلل يمكننا اعتباره كذلك سفسطة معيبة، إذ أن الناقض في منعه للدليل قد يلتزم بحرفية هذا الدليل فيعمد إلى بيان تخلف المدلول عنه، لكن بالمقابل يمكنه التصرف فيه من خلال حذف بعض عناصره، وحين ذلك يسمى نقضه “نقضا مكسورا“، والنقض المكسور جائز بشرط أن لا يكون مؤثرا في محتوى الدليل، أي أن لا يتسبب في تحريف دليل المعلل، وإلا كان هذا الكسر في النقض انحرافا تناظريا يمكن عده سفسطة، وهي قريبة مما يسمى في أدبيات البحث في السفسطة بسفسطة رجل القش المتمثلة في تهوين الرأي الذي تجري محاورته، وذلك بإعادة بنائه عل نحو يصير معه من اليسير نقضه وبيان تهافته. والمثال الذي نقترحه لتقريب سفسطة النقض التبخيسي: نفترض أن زيدا صاغ دليلا على النحو الآتي: سيسقط المطر، لأن المطر يسقط كلما تكثفت السحب وتلبدت السماء بالغيوم، وقد تكثفت السحب وتلبدت السماء بالغيوم”، فواجهه عمروا ناقضا على النحو الآتي : “أمنع دليلك هذا، فطالما كانت هناك سحب في السماء ولم يسقط المطر”. حيث يعمد السائل هنا إلى حذف عبارات “تكثفت…وتلبدت السماء بالغيوم” مستبدلا إياها بـ”كانت”، وهو ما يؤثر على محتوى الدليل، فهذا نقض مكسور غير جائز ونقترح الاصطلاح عليه بالنقض التبخيسي أو اختصارا بـالتبخيس.
هـ ـ المكابرة أثناء منع الدعوى المدللة ذاتها المسماة معارضة
إن المعارضة هي منع السائل المعترض دعوى المعلل المدعي بدليل آخر، أي أن المعترض يقيم الدليل على نقيض دعوى المعلل، وبمقتضى القانون الذي يحكم القضيتين المتناقضتين، فإن ثبوت هذه الدعوى المناقضة يستلزم بطلان دعوى المعلل لأن اجتماع النقيضين محال. وقد تنحرف المعارضة لتصير سفسطة غير مقبولة إذا عمد السائل إلى منع الدعوى بلا دليل، أي إذا رفض الدعوى المدللة بدون أي تعليل لهذا الرفض. ويسمى هذا الفعل التناظري الباطل بـالمكابرة.
ومثال ذلك:
زيد : ظاهرة الانحباس الحراري أكبر تهديد لمستقبل البشرية، فكل الدراسات التي أنجزت في هذا المجال تشير إلى آثارها الكارثية على البيئة.
عمرو: دعواك واستدلالك باطلان
زيد: كيف ذلك
عمرو: هذا رأيي
والجدول الآتي يتضمن تجميعا لـسفسطات المناظرة التي أحصيناها أعلاه :
|
سفسطات المناظرة |
وصفها المجمل |
طور حصولها |
عيبها |
|
الغصب العام
|
إيراد السائل سند منع الدعوى المجردة عن الدليل |
أثناء منع الدعوى المجردة عن الدليل
|
هجوم على الدعوى قبل تدليلها وفيه مصادرة حق المعلل في تعليل دعواه |
|
الغصب النقضي
|
إقامة الدليل على فساد مقدمة من مقدمات دليل المعلل أو قل منع الدليل بالدليل |
أثناء منع مقدمة من مقدمات الدليل أي أثناء النقض التفصيلي
|
أخذ السائل دور المعلل وانقلاب الوظائف بين المتناظرين الذي يسمى خبطا ونشرا |
|
المكابرة الصغرى
|
منع الدليل دون تقديم السند (أو الشاهد) في هذا المنع |
أثناء منع الدليل في عمومه، أي أثناء النقض الإجمالي
|
منع بالتشهي لا مبرر له غير العناد والمزايدة يؤدي إلى انحباس المناظرة وانقطاعها |
|
النقض التبخيسي
|
منع عموم الدليل ببيان غياب المناسبة بين الدليل والدعوى مع التصرف في هذا الدليل بالكسر المحرف |
أثناء إجراء النقض الإجمالي
|
تشويه دليل المعلل وتحريفه عن الوجه الذي ورد به وفيه |
|
المكابرة الكبرى |
منع الدعوى المدللة بلا دليل، أي دون تعليل لهذا المنع |
أثناء المعارضة أي منع الدعوى المدللة
|
إحجام عن المناظرة لأن المناظرة تفاعل في النظر ومادام المعلل قد دلل دعواه فالسائل ملزم بالتفاعل مع دليله |
[1] Frans Van Eemeren et Rob Grootendost, Les sophismes dans une perspective pragmatico–dialectique, dans L’argumentation, Colloque de Cerizy, Pierre Mardaga éditeur, Liège, 1991. p.188.
[2] فالفعل الأول (منع الدعوى غير المدللة) يتعلق بالحالة التي يورد فيها المعلل دعواه مجردة عن الدليل، والأفعال الثلاثة الأخرى تتعلق بالحالة التي يورد فيها هذه الدعوى مسنودة بالدليل، فلنقل في هذه الحالات واحدة واحدة.
[3] غير أن البعض أجاز المنع في هذا الموضع معتبرا أن فيه نوع من التوجيه لهذا المعلل وزيادة تنبيه له إلى المسالك التي يحسن أن يسلكها
[4] سمي نقضا تفصيليا لأنه يفصل في تعيين المقدمة التي انصرف إليها المنع.
[5] وقد أجاز نفر من أهل هذا الفن هذه الوظيفة ولم يعتبروها غصبا وعلى رأسهم ركن الدين العميدي
[6] المكابرة هي المنازعة التي لا تكون الغاية منها إظهار الحق وإنما التظاهر بالفضل والغلبة، أي إظهار النفس بدل إظهار الحق. ومن ثم فهي تقود إلى نظير هذه المسالك، من رفض لدليل الخصم لا لعيب فيه وإنما لكي لا يكون لهذا الخصم فضل يعلو به على هذا المناظر المكابر.



