في صالة عرض برنامج التسلية التلفزيوني الأمريكي الشهير “برنامج الليلة” الذي يقدمه جيمي فالون، يجلس بيل جيتس قبالة المذيع وقد سلطت عليهما الأضواء، وخلفهما ترتص المجسمات التي تمثل ناطحات السحاب الشهيرة في مدينة نيويورك. يستمر الحديث لفترة حول مبادرات بيل جيتس الخيرية حول العالم ثم يصل إلى نقطة ينحني فيها فالون ليلتقط كوبي ماء من طاولة جانبية ويضعهما أمامه، قبالة الجمهور. الكوبين يبدوان متشابهين جدا. كل واحد منهما مملوء حتى ثلاثة أرباعه بالماء، والفرق الظاهري الوحيد بينهما أن أحدهما عُلِمَ بالرقم واحد بينما تم تعليم الآخر بالرقم اثنان. لكن المذيع يخبرنا أن ماء أحد هذين الكوبين أتى من قنينة ماء عادية بينما الآخر تم فصله من ماء الصرف الصحي بواسطة جهاز تم تطويره بواسطة منظمة جيتس الخيرية، لكنه صالح للشرب مثله مثل الماء الموجود في الكوب الآخر. والمذيع الذي بدأت تظهر عليه علامات الفضول المشحون بالتوتر لا يدري أي الكوبين يحتوي على ماء القنينة في الوقت الذي يتوجب عليه أن يختار كوبا ليشرب ماءه بينما يشرب ضيفه بيل جيتس ماء الكوب الآخر. يحاول فالون أن يخمن أكثر من مرة، وسط بسمات جيتس الماكرة وهمهمات وضحكات الجمهور المتقطعة. في نهاية المطاف، يشرب المذيع وضيفه، كل من كوبه. بيل جيتس يشرب بثقة ودون تردد، بينما فالون يحرص أولا على تذوق الماء لكي يطمئن أنه لا يشرب ماءا لا يسيغ شرابه، بيد أنه يكمل المهمة ويقول بعدها أن مذاق ماء كوبه بدا عاديا، لكنه ينظر بترقب حذر لجيتس المبتسم، الذي يقول له في الختام “في الحقيقة، لقد خدعتك، كلا الكوبين كان بهما ماء تم فصله من معالجة الصرف الصحي”، عندها يضرب قارع الطبل في الفرقة الموسيقية آلته، ويلقي المذيع المرح نفسه بحركة تمثيلية على الأرض متظاهرا بالصدمة وسط ضحكات الحضور وتهليلهم.
هَدَف جيتس بطبيعة الحال من هذه الفقرة إلى زيادة الوعي بمشكلة عالمية حقيقية وخطيرة، هي ندرة المياه الصالحة للشرب. كما إنه أراد حث الناس على الحفاظ على الموارد الشحيحة وعلى الرفق بالبيئة. وتشاطر منظمات الأمم المتحدة بيل جيتس وغيره مخاوفهم من ندرة المياه العذبة وصعوبة الحصول عليها، خصوصا في بعض أجزاء عالمنا العربي. منظمة اليونسكو مثلا، تصف الشرق الأوسط بأنه أكثر مناطق العالم قاطبة شحا في المياه العذبة لأنه يحتوي، للأسف على خمسة عشر من أصل عشرين دولة في العالم تعاني أكثر من غيرها من ندرة ونقص في المياه العذبة بسبب التغير المناخي ومشاكل بيئية واقتصادية أخرى. توصي هذه المنظمات العالمية بالاقتصاد في الماء طبعا وباستخدام التقنيات الحديثة في حصاد مياه الأمطار وتقليل ما يذهب منها هدرا، بل ويوصي بعضها بالاقتداء بجيتس وتدوير مياه الصرف الصحي بعد المعالجات اللازمة طبعا.
لكن لندع بيل جيتس والأمم المتحدة وحتى القرن الواحد والعشرين جانبا، وأسمح لي بأن أدعوك للسفر عبر الزمان والمكان إلى مدينة البصرة في العراق، في القرن الثاني الهجري. دعنا أيضا نتجه إلى مسجد البصرة ونجلس بهدوء مع هؤلاء القوم الذين يعرفون باسم المسجديين وهم من يصفهم الجاحظ في كتاب البخلاء بأنهم “ممن ينتحل الاقتصاد في النفقة، والتثمير للمال، من أصحاب الجمع والمنع. وقد كان هذا المذهب عندهم كالنسب الذي يجمع على التحابّ، وكالحلف الذي يجمع على التناصر. وكانوا إذا التقوا في حلقهم تذاكروا هذا الباب، وتطارحوه وتدارسوه، التماسا للفائدة، واستمتاعا بذكره” ولنستمع أولا لما سيقوله هذا الشيخ الذي تصدر للحديث:
– “ماء بئرنا، كما قد علمتم مالح أجاج، لا يقربه الحمار، ولا تسيغه الإبل، وتموت عليه النخل؛ والنهر منا بعيد، وفي تكلّف العذب علينا مؤونة. فكنّا نمزج منه للحمار فاعتلّ منه، وانتفض علينا من أجله؛ فصرنا، بعد ذلك، نسقيه العذب صرفا. (…) كثيرا ما نغتسل بالعذب مخافة أن يعتري جلودنا منه مثل ما اعترى جوف الحمار. فكان ذلك الماء العذب الصافي يذهب باطلا. ثم انفتح لي فيه باب من الإصلاح، فعمدت إلى ذلك المتوضأ، فجعلت في ناحية منه حفرة، وصهرجتها، وملّستها، حتى صارت كأنها صخرة منقورة، وصوّبت إليها المسيل، فنحن الآن إذا اغتسلنا صار الماء إليها صافيا، لم يخالطه شيء. (…) فمقادير طيب الجلود واحدة، والماء على حاله. والحمار أيضا لا تقزّز له من ماء الجنابة، وليس علينا حرج في سقيه منه. وما علمنا أن كتابا حرّمه، ولا سنّة نهت عنه، فربحنا هذه منذ أيام. وأسقطنا مؤونة عن النفس والمال.
قال القوم: هذا بتوفيق الله، ومنّه.” ونحن نقول أيضا مثل قولهم كما لا يسعنا أيضا سوى أن نعجب برأي هذا الشيخ الذي سبق بيل جيتس وخبراء العصر الحديث في الإفادة من ماء الصرف الصحي، رغم نفورنا منه أول الأمر، كونه موسوما بالبخل وبالتقتير.
لكن نقص الماء ليس وحده هو المشكلة، بل أن هناك شحا في الطعام أيضا في كثير من أنحاء العالم على الرغم من وفرة إنتاجه في مواضع أخرى. وفي العالم العربي، يعد أحد هذه الأسباب هو الهدر الذي يذهب بثلث الطعام في البلدان العربية بحسب تقديرات منظمة الغذاء والزراعة العالمية (الفاو). لكن ولحسن الحظ ظهرت مبادرات كثيرة تحض على الحد من هذا التضييع في عالمنا العربي؛ ونفس الأمر ينطبق على العالم الغربي الذي انتشرت فيه موضة مطاعم حديثة تباهي بأنها تتمثل شعار “من الأنف للذيل” وتقدم مصداقا لذلك أطباقا تستفيد من كل جزء في الحيوان المذبوح، وتحد بذلك من إهدار ما يمكن الإفادة منه.
لنعد الآن إلى أصحابنا المسجديين هؤلاء عسى أن نجد عندهم تدبيرا ينفع لحل هذه المشكلة. ويبدو إن ظننا لن يخيب إذ “اندفع شيخ منهم فقال:
«لم أر في وضع الأمور مواضعها (…) كمعاذة العنبرية (…). أهدى إليها العام ابن عمّ لها أضحية. فرأيتها كئيبة (…) فقلت لها: مالك يا معّاذة؟ قالت أنا امرأة أرملة وليس لي قيّم، ولا عهد لي بتدبير لحم الأضاحي. وقد ذهب الذين كانوا يدبّرونه (…) وقد خفت أن يضيع بعض هذه الشاة (…). وقد علمت أن الله لم يخلق فيها، ولا في غيرها شيئا لا منفعة فيه. ولكن المرء يعجز لا محالة. (…) أما القرن فالوجه فيه معروف، وهو أن يجعل منه كالخطاف، ويسمّر في جذع من أجذاع السقف، فيعلق عليه الزّبل والكيران، وكل ما خيف عليه من الفأر (…). وأما المصران فإنه لأوتار المندفة (…). وأما قحف الرأس، واللحيان، وسائر العظام، فسبيله أن يكسر بعد أن يعرق، ثم يطبخ، فما ارتفع من الدسم كان للمصباح وللأدام وللعصيدة، ولغير ذلك، ثم تؤخذ تلك العظام فيوقد بها، فلم ير الناس وقودا قط أصفى ولا أحسن لهبا منه (…) وأما الإهاب فالجلد نفسه جراب وللصوف وجوه لا تعد. وأما الفرث والبعر، فحطب إذا جفّف عجيب.
ثم قالت: بقي الآن علينا الانتفاع بالدم. وقد علمت أن الله، عزّ وجلّ، لم يحرّم من الدم المسفوح إلا أكله وشربه، وأن له مواضع يجوز فيها (…) وإن أنا لم أقع على علم (…) صار كيّة في قلبي(…).
قال: «فلم ألبث أن رأيتها قط طلّقت وتبسّمت. فقلت: «ينبغي أن يكون قد انفتح لك باب الرأي في الدم». قالت: «أجل ذكرت أن عندي قدورا شامية جددا. وقد زعموا أنه ليس شيء أدبغ (…) من التلطيخ بالدم الحار الدسم، وقد استرحت الآن، إذ وقع كل شيء موقعه.
فقبض صاحب الحمار والماء العذب قبضة من حصى، ثم ضرب بها الأرض، ثم قال: «لا تعلم أنك من المسرفين، حتى تسمع بأخبار الصالحين.” لعلك تتفهم انفعال صاحب الحمار ولعلك أيضا توافقني الرأي أن معاذة هذه استبطنت روح فكر الاستدامة الذي شاع في عصرنا الحاضر، بل إنها بزت المحدثين باستخدامها لكل مكون من مكونات الشاة لا ما يؤكل منها فقط.
يعود الجاحظ أيضا ليقول في موضع آخر من كتاب البخلاء أيضا “حدثني صاحب لي قال: دخلت على فلان بن فلان، وإذا المائدة موضوعة بعد، وإذا القوم قد أكلوا، ورفعوا أيديهم، فمددت يدي لآكل فقال: أجهز على الجرحى، ولا تعرض للأصحاء. (يقول: أعرض للدجاجة التي قد نيل منها، وللفرخ المنزوع الفخذ، فأما الصحيح فلا تعرض له. وكذلك الرغيف الذي قد نيل منه، وأصابه بعض المرق).” ويمكننا أن نرى هنا أيضا روح الحرص على عدم إهدار الطعام وتضييعه وهي عين ما تحض عليه المنظمات والجهات المعنية بالأمن الغذائي في عالمنا المعاصر.
ولعل الدرس الأخير من هؤلاء البخلاء الذي قد يصلح لأن نفكر فيه مليا وأن نقاوم رفضنا الأولي له بسبب ما ألصق بصاحبه من مذمة البخل، يأتينا من أبو سعيد المدائني الذي يخبرنا الجاحظ إنه كان:
“ينهى خادمه أن تخرج الكساحة من الدار. وأمرها أن تجمعها من دور السكان، وتلقيها على كساحتهم. فإذا كان في الحين بعد الحين جلس وجاءت الخادم معها زبّيل، فعزلت بين يديه من الكساحة زبّيلا، ثم فتّشت واحدا واحدا، فإن أصاب قطع دراهم وصرة فيها نفقة والدينار أو قطعة حلي، فسبيل ذلك معروف. وأما ما وجد فيه من الصوف، فكان وجهه أن يباع إذا اجتمع من أصحاب البراذ(ين). وكذلك قطع الأكسية، وما كان من خرق الثياب، فمن أصحاب الصينيّات والصلاحيات وما كان من قشور الرمان، فمن الصبّاغين والدبّاغين. وما كان من القوارير، فمن أصحاب الزّجاج. وما كان من نوى التمر، فمن أصحاب الخشوف، وما كان من نوى الخوخ، فمن أصحاب الغرس، وما كان من المسامير وقطع الحديد، فللحدّادين. وما كان من القراطيس، فللطراز. وما كان الصحف فلرؤوس الجرار. وما كان من قطع الخشب، فللأكافين وما كان من قطع العظام، فللوقود، وما كان من قطع الخرق، فللتنانير الجدد: وما كان من اشكنج (الطوب المكسر) فهو مجموع للبناء (…). فإذا بقي التراب خالصا، وأراد أن يضرب منه اللبِن للبيع وللحاجة إليه، لم يتكلّف الماء، ولكن يأمر جميع من في الدار أن لا يتوضؤوا ولا يغتسلوا إلا عليه، فإذا ابتلّ ضربه لبنا. “ولعلك لا تحتاج لأن أنبهك إلى أن أبا سعيد هذا سبق من قاموا بعده بقرون بتصميم منشآت إعادة التدوير وفرز النفايات، بل إن دقة ما قام به من فرز وغربلة وإعادة استخدام كاملة لشتى أنواع النفايات تفوق كفاءة أفضل مصانع اعادة التدوير في يومنا هذا!
في الختام لعله يتبين لنا أننا بحاجة لرد اعتبار بعض هؤلاء البخلاء الذين حجب نبذنا لما يمثلونه من خصال مذمومة ومستهجنة، بحق، بعض النقاط المضيئة في الجانب الآخر من بخلهم، أي جانب الحفاظ على الموارد واستدامتها والرفق بالبيئة وعدم إنهاكها بالاستهلاك. ولست أزعم هنا أن هؤلاء المحافظين على الماء والغذاء وغيرهما من الموارد كانوا يفعلون ذلك على هدى من وعي بيئي يماثل ما يشيع في عصرنا هذا، بل غالب الظن إن أغلبهم” صادق ليس يدري إنه صدقا! “لكن حكاياتهم على كل حال تستحق التمعن وإعادة النظر بعين جديدة تبحث عن مزيد من الحكمة التي هي” ضالة المؤمن. أنى وجدها فهو أحق الناس بها “.




مقال شيق و يحمل من الدلالات الكثير.
التدوير و التدبير أسلوب حياة في الحضارات القديمة.
الكاتب أبدع في سرد النص بمنظور مغاير لما تطرق إليه الجاحظ.
فما رآه الجاحظ قبيحا في البخلاء، رآه صاحب المقال إدراكا وعين فاحصة وسبق يجتهد عالم اليوم في تطبيقه.
Haha, now that both Xuantian Clan is Patriarch and Zhou Ruoxue are dead, we seem to be able to start killing finasteride prescription floroda