أثناء انشغال العالم بمتابعة المباريات في مونديال قطر سرقتُ من الزمن ساعات حضرتُ فيها فعاليةً فريدة في أحد أماسي ذلك المونديال البهيج. حضرت أمسية شعرية أقيمت دعما لفلسطين في بيت الخاطر بالمدينة التعليمية؛ ضمن مهرجان دريشة.
تذكرت نزار قباني عندما لاحظتُ أن سيدتين قطريتين تتقدمان جمهور الأمسية. إحداهما تقود مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع، وهي سعادة الشيخة هند بنت حمد آل ثاني. والثانية تحتل منصب نائب وزير الخارجية، وهي صاحب السعادة لولوة بنت راشد الخاطر. أكلمت الأمسية ونزار قباني يسكن خيالي.
فقد تحدث نزار في أمسيته الأخيرة في الدوحة أواخر عام 1995 حديثا لا فتا عن المرأة القطرية والمجال العام. فقد كان مغتبطا بالحضور الثقافي لها عام 1995، مقارنا إياه بحضورها لأمسية أقامها في الدوحة قبل ذلك بعشر سنوات.
قال نزار قباني في أمسيته الأخيرة تلك: “سأقول في نادي الجسرة كلاما تأمرني الحرية أن أقوله، فأنا لا أعصي للحرية أمرا. وسأغني هنا -كما تعودتُ أن أغني دائما- دون أن أقسم الكلمة إلى نصفين، والفكرة إلى نصفين، والحقيقة إلى نصفين”. ثم عبر نزار عن مفاجأته من الحضور النسوي فقال: “إن هذا الحضور النسائي المميز دليل على أن قطر بدأت تقتنع أن المرأة ليست نصف الحضارة.. ولكنها كل الحضارة”.
ووصف نزار أمسيته السابقة التي غابت فيها المرأة بأنها: “كانت أمسية شعريةً فاشلة جدا…. كان كل جمهوري من الذكور، فتجمدتْ الكلمات في فمي، واختنق صوتي، وأحسست أن المنبر تحول إلى بحر من الجليد، وأني أصبحت شاعرا من شعراء الأسكيمو. لأن كل مكان بغير امرأة لا مكان له، ولأن اللغة بغير امرأة ليست لغة!”.
لاحظ نزار أن سنة خمس وتسعين “تغيرت فيها الصورة التي كان يعرف، وتحررت فيها نون النسوة وتاء التأنيث” في قطر.
ولعل كلام نزار قباني هذا -رغم نفَسه الشعري- كان إدراكا مبكرا لطبيعة الرؤية التغييرية التي تبنتها قطر منتصف التسعينات، وجعلت أساسها إطلاق المواهب والاستثمار في أبناء البلاد وبناتها لمعانقة المجد ومنافسة نظرائهم في الدول المتقدمة تعلما وتوظيفا وقيادة.
فالشيخة هند بن حمد آل ثاني نموذج حي لما حققته المرأة القطرية من تقدم وحضور وفاعلية في المجال العام خلال العقدين الأخيرين. فهي تواصل “شغفها وإيمانها بقوّة التعليم ودوره في تشكيل مسارات الحياة، وتعزيز تماسك المجتمعات، وبناء عالم أفضل” كما في سيرتها الذاتية بالموقع الرسمي لمؤسسة قطر التي تشغل المنصب التنفيذي الأول فيها.
حضرت الشيخة هند الأمسية كلها، متفاعلة مع الشعر وجماليات إلقائه. وكانت الشيخة متلقيةً للشعر ومناصرةً لفلسطين. ولعلها كانت تستعيد ذكرياتها السياسية مع القضية الفلسطينية وهي تنصت للشعر. فقد عملتْ مع والدها العظيم صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني –حفظه الله- مديرة لمكتبه خلال 2008-2013. وهي سنوات مفصلية في تاريخ القضية الفلسطينية والعربية. إذ هي السنوات التي أينع فيها الربيع العربي وتحققت فيها أحلام الشعوب العربية بإزاحة جلاديها.
والسيدة الثانية التي كانت تتقدم جمهور الأمسية -وهي صاحبة الفضل فيها وفي التنفيذ والإشراف على كثير من الأنشطة الثقافية والمبادرات الإنسانية المصاحبة للمونديال- هي صاحية السعادة لولوه بنت راشد الخاطر، مساعدة وزير الخارجية القطري. فهذه السيدة تختصر بملكاتها القيادية، وفصاحتها التميمية، وقلبها الملْذوعِ بواقع العرب والمسلمين، ما طمحتْ له قطر في خططها التنموية من ارتقاء بالإنسان وتمكين للأكفاء ومواءمة بين “التحديث والمحافظة على التقاليد”. وهي إلى جانب مسؤولياتها الدبلوماسية الكبيرة شاعرة ناقدة، ومثقفة حضارية تُشَرِّف أمتها والغيورين على لسان العرب ويقظة الضمير في زمن الحيف عليهما.
صورة هاتين السيدتين لم تأت جزافا. فلم يكن تطبيق قطر لرؤيتها التنويرية في إشراك المرأة في الشأن العام أمرا سهلا لمن يدرك طبيعة التاريخ الثقافي والاجتماعي في الجزيرة العربية في القرون الأخيرة. فمن المعلوم أن أصعب التحديات التي تواجه المشاريع التحديثية الراشدة هو وقوع مثل هذه الرؤى بين الانشغال بحراسة العادات، والدعوة للاستلاب الحضاري. والخروج من تلك الثنائية المعيقةِ يحتاج بصيرة ومضاء عزم امتلكتهما قطر. فكان الحضور المشرف للمرأة القطرية في الشأن العام وفق رؤية قطر الجامعة بين الاعتزاز بدينها وثقافتها من غير عقد، والانفتاح على العالم وتجاربه من غير انبهار أو استلاب.
إن ثنائية الاعتزاز بالهوية والانفتاح على العالم أو “التحديث مع المحافظة على التقاليد” حسب نص رؤية قطر الوطنية 2030 التي أشرف عليها سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أيام ولايته للعهد من التحديات الخمسة التي عالجتها هذه الرؤية. ولعل أصعب اختبار واجه هذا التحدي كان في تنظيم كأس العالم 2022. وقد أثبتت فيه قطر قدرتها على المواءمة بين مفردات ومظاهر هذه الثنائية الصعبة باقتدار ووعي وصرامة. حيث استقبلت الدوحة العالَم والأجناس والشعوب مع احتفاظها الواعي ويقظتها الصارمة بهويتها، بل وسعيها للتعريف بالثقافة العربية وقيم الإسلام السمحة ودعم القضايا العادلة فكانت المؤثر لا المتأثر.
كانت مناصرة فلسطين وهي رمز الشرف في زماننا العربي لازمة لا تغيب عن يوميات المونديال، كما قدمت قطر خلال مونديالها مبادرات إنسانية عميقة المغزى رساليا وحضاريا مثل “قطر 2022 فرحة للجميع”؛ فأهل قطر وهم في أوج الابتهاج والفرح لم يغفلوا عن المستضعفين والنازحين واللاجئين فكان إشراكهم لهم في هذه الفرحة العالمية سجدة شكر من سجدات المونديال الذي تألق فيه اللاعبون الساجدون.
خرجت من الأمسية وأنا أستعيد تاريخَ ليالي الدوحة مع الشعراء والقضايا العربية. فلم تفتأ الدوحة قبلة لشعراء العرب منذ عقود. ففي أرجائها صدح الجواهري عام 1978 مستنهضا همم “فتيان الخليج”، ومبشرا بخروج جيل خليجي فريد:
سينهض من صميم اليأس جيلٌ *** مريدُ البأسِ جبار عنيدُ!
وحث في قصيدته “الأمة العربية بين يومين” خيولَ الله أن ترد “منهلها العذبا”. كما نادى جيل الشرق الجديد بأن يقتحم الغرب كما اقتحمه سلفه طارق بن زياد حاملا قيم أمة “ما سملتْ عيناً ولا حجزت رأيا ولا حرقت كتبا”، وبثَّ في “مقصورته” وفي “دجلة الخير” أشواقه الملتهبة إلى العراق متباهيا بفتوته، منشدا لفلسطين التي أضناه حبها وزادته زيارته ليافا أسى وشوقا.
وفي “الجسرة” غنى عبدالله البردوني “لبنت الملوك صنعاء التي تأتي وتقرب فجأة”، و”لصنعاء في فندق أموي”. وفي الجسرة رفع محمود درويش عقيرته حنينا إلى خبز أمه وقهوتها، مستعيدا طفولة تكبر باستمرار على صدور الأمهات.
وفي المكان نفسه قبَّل سميح القاسم أرض قطر تقديرا لبلائها في دعم فلسطين، وتبرع بكوفيته في كعبة المضيوم لتُفرش للثوار المتعبين. وفي قطر استعاد محمد الفيتوري “صوته كشاعر، وإيقاعاته كضاج بالموسيقى في روحه” “ليناجي الملايين التي أفاقت من كراها” وخرجت تبحث عن تاريخها بعد أن “تاهت على الأرض وتاها”. وفي الدوحة تبارى أحمد فؤاد نجم وعبد الرحمن الأبنودي في إيصال الأنَّات العربية إلى الجماهير بعاميتهما المصرية اللطيفة.
أنا موقن أن روح نزار قباني لا تغيب عن أي أمسية شعرية عربية ولو حضر بجسمه أمسية بيت الخاطر لعبر عن سروره بما وصلت إليه المرأة في قطر من حضور نوعي وفاعل في المجال العام حيث يقدن وزارات محورية في الصحة والتعليم وقضايا الأسرة، ولم يعد دورهن مقتصرا على مجرد حضور أمسيات ثقافية، هذا مع الاعتزاز بالإرث الإسلامي والمحافظة على التقاليد الشرقية؛ فالتقدم في قطر وحضور النساء القيادي في المجال العام لا ينافيان الحشمة والوقار والاعتزاز بالهوية.
تساءلت في نفسي؛ هل علم نزار قباني في عالم برزخه في مقبرة الباب الصغير بدمشق بأن الفتيات من جزيرة العرب وبوادي العراق والشام كن يحاججن آباءهن الذين يحاولون منعهن من الدراسة الجامعية بحضور صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر وبنات شعبها في المجال العام مع تمسكهن بالدين والتقاليد؟، اعلم يا نزار أن تلك الحجج كانت مقنعة بدليل إقبال بنات تلك المناطق على الدراسة الجامعية وتفوقهن وحضورهن في الشؤون الثقافية والعلمية في النوادي والمنتديات.
ثم اعلم -يا أبا هدباء- أن الأمسية التي تنفسنا خلالها شعرا نقيا في بيت الخاطر وفي مهرجان دريشة أنعشها أربعة شعراء؛ شاعرتان عربيتان، وشاعران في الوقت الذي كان أسود الأطلس يقارعون منتخب “الناريين” الكروات في استاد خليفة الدولي للفوز بالمرتبة الثالثة في كأس العالم قطر 2022؛ فالعرب بعدك أيها “الدمشقي الذي احترف الهوى” بخير، والخليج لم يعد مجرد برميل نفط فقط بل تحققت فيه نبوءة محمد مهدي الجواهري ورأينا بعيوننا ما بشر به عن “فتيان الخليج” الذين سمتهم قطر “اللجنة العليا للمشاريع والإرث”، فنم في سلامك الأبدي، أبا هدباء!.




Hypothalamic pituitary adrenal and hypothalamic pituitary gonadal axes sex differences in regulation of stress responsivity can i buy cialis without a prescription