في كتابها المنشور باللغة الانجليزية تحت عنوان «The Ottoman and Mughal Empires: Social History in the Early Modern World» “الإمبراطوريتان العثمانية والمغولية: التاريخ الاجتماعي في العالم الحديث المبكر” (دار نشر أي بي توريس، 2019) تسعى المؤرخة الألمانية المهتمة بالتاريخ العثماني ثريا فاروقي إلى تقديم قراءة اجتماعية تاريخية مقارنة بين الإمبراطوريتين العثمانية والمغولية اللتين كانتا من أقوى الأنظمة السياسية في العالم الحديث المبكر، وحكمتا مساحات شاسعة من الأرض وعددا كبيرا من السكان متعددي الأعراق، وتمتعتا بثروات هائلة واقتصاد مزدهر لردح طويل من الزمن. [[1]]
تعد هذه الدراسة التي قامت بها فاروقي جزءًا من سياق أوسع من الدراسات التي قارنت بين هاتين الإمبراطوريتين على وجه التحديد، بالإضافة إلى الإمبراطورية الصفوية في إيران؛ وهو سياق بدأ مع المؤرخ الأمريكي مارشال هودجسون في كتابه الشهير “مغامرة الإسلام” (1974)، وامتد بعد ذلك من خلال جهود العديد من المؤرخين والباحثين مثل ستيفن ديل في كتابه “The Muslim Empires of the Ottomans, Safavids, and Mughal” “الإمبراطوريات الإسلامية للعثمانيين والصفويين والمغول” (2010)، ودوغلاس ستريوساند في كتابه ” Islamic Gunpowder Empires: Ottomans, Safavids and Mughals (2010″ إمبراطوريات البارود الإسلامية: العثمانيون والصفويون والمغول (2010) . [[2]]
لكن الجديد الذي تقدمه فاروقي في هذا الكتاب يكمن في تركيزها على تحليل الحياة والظروف الاجتماعية للسكان، بعيدًا عن السلالات الحاكمة والأرستقراطية وفنون السلطة والحكم. ولذلك فهو هو أول عمل يفحص أحوال الناس العاديين من الفلاحين والكتبة والتجار والمجموعات المهمشة، عوضًا عن السلاطين والأباطرة والحكام، في هذا السياق البحثي التاريخي، وهو ما نجحت فيه فاروقي ببراعة.
ينقسم الكتاب إلى ثلاثة أجزاء وتسعة فصول. الجزء الأول من الكتاب مخصص للأسئلة المنهجية، ويناقش طبيعة المصادر والطرق المختلفة التي استخدمها المؤرخون في التأريخ للإمبراطورتين العثمانية والمغولية. الجزء الثاني من الكتاب يستعرض العديد من الموضوعات المترابطة مثل الاستراتيجيات الإمبريالية والتعبئة العسكرية والاقتصاد والشرعية السياسية والدين، وديناميات التوسع الإمبراطوري، وتغير الحدود السياسة، والاستجابات لصعود القوى الأوروبية، وتجنيد أنواع مختلفة من العسكر، ومعاني الغزو، وآليات اكتساب الشرعية الإمبراطورية، والتنوع الديني، وتطور فن الحكم، والاستخدام المتزايد للغات معينة: كالتركية بالنسبة للعثمانيين والفارسية بالنسبة لإمبراطورية المغول في الهند، داخل مناطق كانت في الأساس تشكل مجتمعات متعددة اللغات.
الجزء الثالث وهو القسم الأكثر أصالة في الكتاب ينقسم إلى خمسة فصول، وهو عبارة عن تاريخ اجتماعي ثري للسكان الخاضعين للإمبراطوريتين، من أهل المدن والتجار والحرفيين والفلاحين والمهمشين، ويدرس التخطيط الحضري للمدن والبنية التحتية، ويستكشف ديناميات التجارة، وآليات عمل جماعات المصالح التجارية المختلفة، والتفاعلات بين العالم التجاري العثماني والهندي، وما يتصل بذلك من قضايا مثل وسائل وطرق النقل والمال، وطبيعة المنتجات الحرفية، وورش العمل، ومعدلات الدخل، وأنماط الهجرة، وتنظيم الطوائف الحرفية والتجارية والنقابات، وأحوال عالم الفلاحين والريف من حيث ملكية الأراضي، والإيرادات، وهجرات الفلاحين، والعلاقات بين الاقتصاد الزراعي والسوق، والأوضاع والظروف المعيشية للمهمشين والخدم والنساء الفقراء.
نشير ختامًا إلى أن مؤلفة الكتاب ثريا فاروقي هي مؤرخة مرموقة في حقل الدراسات التاريخية العثمانية. ولدت عام 1941 لأب هندي وأم ألمانية. تهتم فاروقي بالتاريخ الاجتماعي العثماني الحديث (الفترة بين عام 1500 مـ إلى أوائل القرن التاسع عشر)، وخاصة تاريخ مدينة اسطنبول ومدن الأناضول؛ والتاريخ المقارن للحرفيين، باستخدام السجلات الأرشيفية العثمانية لتحليل أوضاعهم الاجتماعية، والظروف التي عملوا في ظلها ومنتجات عملهم. وقد تم اختيار فاروقي كزميل في الأكاديمية البريطانية لعام 2022. [[3]]
[[1]]https://journals.sagepub.com/doi/full/10.1177/0971945820907409
[[2]]https://www.cambridge.org/core/journals/international-review-of-social-history/article/suraiya-faroqhi-the-ottoman-and-mughal-empires-social-history-in-the-early-modern-world-ib-tauris-london-etc-2019-xii-365-pp-ill-maps-8100-ebook-7776/E109C9D14EF5180FF6FDB6E9E80E73AD
[[3]] https://www.thebritishacademy.ac.uk/fellows/suraiya-faroqhi-fba/



