باشرنا بائع العطور، أنا وصديقي، بالقول “هذا عطر الناس الأكابر، وذاك لا يشتريه سوى أصحاب السيارات الفارهة”. لم يكن لدينا الاثنين أمام دعايته الوقحة سوى خيارين: إما أن نعرض عن هذه العطور، ومن ثم نخرج عن صف الناس الأكابر، وإما أن نثبت له أننا منهم ولو صغرت جيوبنا فلا تتسع حتى لصفاقته!
وبعيدا عن شذى العطور، تذكرت أن مثل هذه الجملة واجهتني عند الحديث عن الكتب أكثر من مرة. وأتذكر أن أحد اليساريين ذات زهو استنكر عليّ أنني لم أسمع عن الكاتب الذي تحدث عنه فضلا عن قراءة شيء له. لعلّي أجبته حينها: وهل قرأت أنت لسليم الهلالي أو عائض القرني؟!
هناك اليوم من يرتفع أنفه إذا كرر أسماء مثل: هيجل ونيتشه وصولاً إلى فوكو وهراري. وغيرهم يردد تمائم مثل الجاحظ والتوحيدي إلى الرافعي ومحمود شاكر. وعلى المرء أن يختار من أي الناس الأكابر هو. وإذا كان المال لدى بائعنا هو غايته التي تبرر حمقه، فثمّة حجب كثيفة تضرب على أعين من يتخذ الثقافة سبيلا للاستعراض.
ما الذي يحدث عندما تغدو الأفكار تماما كالثياب وأنواع السيارات؟ ستسوّق الموضات الأفكار لتذهب إلى مصيرها بعد زمن كانت من صرخاته، وتترك أصحابها صلدًا. وأحسب أننا نمر بلحظات نرى فيها ثياب السبعينيات أو التسعينيات فنتساءل كيف كانت أذواق تلك الأجيال لترضى بمثل هذه التلاطيش؟ هكذا سيكون الموقف أمام الأفكار عندما تشبه سراويل تشارلستون.
قد يشعر أحدهم لحاجة تصنيف الكتب والكتّاب إلى مجموعات يضعها على رفوف لا لينظّمها بل ليتّخذ موقفًا منها. وقد تنكّس رايات قراء أمام رايات غيرهم. لربما استحيى أحدهم أن يتلفظ باسم ابن خلدون أمام اسم هيجل، أو ينحبس لسانه عن ذكر المقامات في جو مترع بذكر الروايات المعاصرة. وكما نرى أولئك الذين لا ترتفع جباههم إلا بمقدار ما يرتدونه من ثياب، نرى كذلك من يهنئ نفسه بمقدار الأسماء التي قرأها أو يحب أن يقرأها، ممن أصبحت القراءة لهم موضة، وأمام هذه الأرستقراطية الثقافية سيأوي الغارق في التراث إلى جبل منيع وينظر إلى الناس من علٍ.
أصبحت قيمة الكتب، إذن، وكذلك الأفكار بمقدار الحديث عنها؛ أن يمنّ تويتر أو غيره فيتَرنِد أو يهشتِق هذا الكتاب أو ذاك. هكذا أصبح هذا الرمز (#) لونا من ألوان البركة وضربًا من السحر، وإذا شفع بصورة لمشهور يحمل الكتاب فقد بلغ مراتب اليقين. ستكثر القراءة (عن) الكتب وليس قراءتها. تصبح الأفكار افتراضية، تمامًا كتلك المواقف الافتراضية التي ترضي أصحابها بمجرد كتابة تغريدة أو حتى تدوير أخرى.
(الأكابريّة) إذا دخلت عالم الثقافة تعبّر عن نرجسيّة خاوية على عروشها؛ حال الأكابر يقول: ما دمت قرأت هذا الكتاب أو اهتممت بذاك الكاتب فعلى العالم أن يؤمّن. وبالمقابل، لا تخلو مواقف الأكابر الثقافيين من احتقار مرير تجاه ما لا يهتمون به. هذه نتائج (رسملة ثقافية) رديئة. فهذه الطبقيّة الثقافية تشابه الموقف العنصري تمامًا؛ الحكم المسبق فيها تجاه الآخر مبني على أمور لا علاقة لها بالحكم القيمي.
ليسوا سواء
لا يمكن القول إن كل الكتب-لأنها ثقافة مدوّنة-تحمل نفس القيمة. كل قارئ لديه الحق العائد إلى مبادئه وذوقه في الحكم على ما يقرأ. لكنّ بعض ميادين الدرس البحثي قد لا تملك هذا الترف. فكيف، مثلاً، لعالم اجتماع أو مؤرخ للأفكار الكتابة عن زمن أو موطن ما دون أن يعرّج على التراث المكتوب جيده ورديئه. حينها يتحول الكتاب، سواء الجيد أو غيره، من عمل مدوّن إلى صورة من صور هذا العصر أو ذاك.
بلادي بلادي
شهد العالم العربي في العقد الأخير تصاعد الدعوات الوطنجية، وكان لا بد للميدان الثقافي أن يصيبه من كير حدادي هذه الدعوات. سبق لسان الفنان محمد عبده عندما قال يوما بأن النبي صلى الله وعليه وسلم (سعودي) فكان مادة للسخرية على وسائل التواصل حينها. ولكن ما سخر منه الناس وقتها أصبح اليوم تيارًا يكتب بنَفَسه أتباعه ويصدقه قراؤه. هكذا أصبحت الدولة القومية تسحب على التاريخ كله، وحيثما امتدت حدود هذه الدولة امتد هوس الوطنجية معها. وعل سبيل المثال، قرأت مرة مقالا لأحدهم يفتخر بابن صلاح الدين الذي توطّن (بلاده)، ولو سئل المغفور له عن اسم بلد الكاتب الفخور لما عرفها!
لم تسلم الكتب كذلك من أوضار الوطنجية، وأصبحت الأخيرة إيديولوجية لا تشبه الإيديولوجيات التي سبقتها. فنقاشات التزام الأدب، والوعي القومي، وغيرها من القضايا التي وقعت فيها الكتب من قبل ضحية أتباع التيارات المختلفة وجدالاتهم كانت في الأخير نقاشا فكريًا، بغض النظر عن مسافات الاتفاق والاختلاف التي طالت تلك الجدليات. غير أن الوطنجية اليوم ترفع وتُخفض الكتب بمقدار دخول أصحابها في خارطة الدولة أو خروجهم منها، بل وأصبحت آراء وتقييمات الكتب تمر عبر منظار الوطنجية. فإذا انتقد عراقي كتابا لمصري، مثلا، فهم هذا النقد على أساس التشظي الذي أصاب خارطتنا العربية؛ وبكل يسر يتم وصم هذا النقد بأنه (تحامل) عراقي على مصري!
منظار الطبقية الثقافية
أتذكر مرة أن أستاذنا أبا عمرو محمد الأحمري كان يتحدث أن كتب تراثنا ينبغي أن تقرأ بأبعاد متنوعة؛ فقد يكون جزء من التاريخ الاجتماعي أو السياسي في كتب العقائد أو غيرها، مما لا يُتوقع ورود هذا التاريخ في مثل هذه الكتب، وضرب مثالا بهذا النص الوارد في شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي: “… ولا شك أن البصراء يختلفون في قوة البصر وضعفه، فمنهم الأخفش والأعشى، [ومن] يرى الخط الثخين، دون الدقيق إلا بزجاجة ونحوها، ومن يرى عن قرب زائد عن العادة، وآخر بضده”[1]. ربما لوى بعض الأكاديميين اليوم عنقه إذا ذكرت له كتابا مثل شرح الطحاوية طلباً للمعلومة في غير مظانّها. لقد أسهمت التخصصات اليوم في تعزيز الاتجاه الواحد في حقول المعرفة. الانضباط الذي نتج عن التخصص أمر لا شك فيه، ولكن الإشكالية أن تتحول النظرة إلى العالم فتغدو من خلال منظار التخصص، وأن يتحول الاهتمام المعرفي المحدد إلى همّ أوحد. وفيما يخص علاقة التخصص بالتراث فقد لاحظ برتراند رسّل بأن “الاتجاه الراهن إلى الإغراق في التخصص يؤدي بالناس إلى أن ينسوا ما يدينون به لأسلافهم”[2]، لكن ما علاقة الأكاديمية بالطبقية الثقافية التي نناقشها هنا؟ تظهر هذه العلاقة عندما يرفع بعض الأكاديميين اليوم راية “ولكنه ليس أكاديميا” في وجه كاتب أو كتاب ما لم يشرفوه بختمهم. يبدو لي أحيانا أنه لم يبق من الأكاديمية عندنا سوى هذا الانتفاخ الذي “يحكي …صولة الأسد”.
لا تحقرنّ من (المكتوب) شيئاً
كيف لأحد أن يقرأ وهو متجرّد من تحيّزاته؟ ما أناقشه هنا هو أن يتخلّى القارئ عن تحيّزات لا علاقة لها بالمكتوب؛ إذ سينتهي به الأمر إلى مساحة ضيقة لا يشاركه فيها سوى أوهامه. ومن الخير للآراء أن تتناقد فيما بينها لا أن يتعالى بعضها على بعض. وقد تطورت العلوم اليوم إلى حد لا يملك بعضها سوى الاهتمام بكل ما تصل يد الباحث إليه، سواء أكان ذلك ثقافة مدونة أو شفهية. وقد شرح المؤرخ العربي عبد العزيز الدوري في كتابه الهام مقدمة في تاريخ صدر الإسلام كيف للمؤرخ أن يستفيد من كل الأخبار التي تبدو لأول وهلة تافهة في كتابة التاريخ، وهذا الكتاب قد يصلح دليلا للقراءة عامة وليس في ما يشير إليه عنوانه فحسب.
مرت الكتابة طوال تاريخ البشرية بمراحل تردد في بدايتها سقراط خوفاً على الذاكرة البشرية، وانتهت اليوم إلى مساحات وراء الشاشات تنافسها فيها الصورة والمسموع والكثير من الأوهام. ولعل أمل الكتابة دوما هو أن تلقى التحيزات اللائقة بها، بعيدا عن صلافة بائع العطور إياه!
[1] ابن أبي العز الحنفي، شرح العقيدة الطحاوية (بيروت: المكتب الإسلامي، 1984) ص 334. والتشديد من عندي. والأخفش: من لا يبصر في النهار، والأعشى من لا يبصر في الليل.
[2] برتراند رسّل ، حكمة الغرب، ترجمة: فؤاد زكريا (الكويت: سلسلة عالم المعرفة، فبراير، 1983) 1/14.




does creatine build muscle faster
References:
how fast does creatine start working