سمعت لأول مرة عن طرد المسلمين الإسبان (المعروفين باسم الموريسكيين) في القرن السابع عشر عام 1992، عندما كنت أعيش في برشلونة. كان ذلك خلال الذكرى السنوية الـ 500 للاصطدام الإسباني غير المتوقع بالعالم الجديد. كنت على دراية بطرد فرديناند وإيزابيلا لليهود عام 1492، لكنني لم أكن أعرف شيئًا عن مأساة الموريسكيين – المعروفين باسم “المور الصغار” – التي حدثت بعد أكثر من قرن.
تأثرت بالمصير المأساوي لهؤلاء الذين أُجبروا على التحول إلى المسيحية حينها (رغم عدم درايته الكافية بما جرى من وقائع كما يشير أعلاه)، لقد تعرض هؤلاء للتهميش والاضطهاد لأكثر من قرن قبل أن تقرر الدولة الإسبانية أنهم غير قادرين على أن يصبحوا مسيحيين “صالحين ومخلصين” – لكنهم ما زالوا يعتبرون أنفسهم إسبانًا حتى عندما جرى إلقاؤهم على شواطئ شمال إفريقيا.
لم تتوافق هذه الواقعة مع نغمة الانتصار لاحتفالات الذكرى الخمسمائة. في ذلك الوقت لم تكن لدي أي فكرة عن أنني سأكتب بنفسي كتابًا عن الموريسكيين يومًا ما، لكن على مرّ السنين وجدت نفسي أفكر في هذا الحدث حيث شاهدت العلاقات المتوترة بشكل متزايد بين أوروبا والأقليات المسلمة فيها وإعادة اختراع الإسلام كعدو وجودي جديد في المخيلة السياسية المحافظة واليمينية المتطرفة. كل هذه الميول تفاقمت بسبب الحادي عشر من سبتمبر والحرب على الإرهاب في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.
لقد أدهشتني الإشارات المتكررة إلى “خسارة” مملكة الأندلس القديمة المغاربية في بروباجندا القاعدة والمجموعات المتفرعة عنها، وتساءلت كثيرًا لماذا نادراً ما تضمنت هذه الإشارات إلى الموريسكيين. لكل هذه الأسباب، اعتقدت أنه قد يكون من المفيد إعادة زيارة هذا الحدث، وفي عام 2007 بدأت في البحث عن الكتاب الذي أصبح في النهاية “الدم والإيمان”.
لقد اعتمدت في الغالب على مصادر ثانوية، بالاعتماد على العمل الفذ لأجيال من العلماء الموريسكيين الإسبان والعالميين. وقرأت الوثائق الأساسية الرئيسية المتعلقة بالطرد، والنصوص التي كانت في غالبها عن الإبادة الجماعية التي كتبها مؤلفو القرن السابع عشر المناهضون للموريسكيين، مثل الراهب الدومينيكي الشرير خايمي بليدا. أردت أيضًا التقاط أجواء الفترة وزيارة بعض المواقع الرئيسية. ذهبت إلى قلعة سيمانقة «سيمانكاس» المهيبة، حيث يتم الاحتفاظ بأرشيفات الدولة الإسبانية، وقد قمت باستعراض ملف من الرسائل إلى الملك فيليب الثاني كتبها رؤساء البلديات والقضاة المحليون أثناء النقل الوحشي لمتمردي الموريسكيين من غرناطة إلى قشتالة في شتاء عام 1570. وقد وصفت معظم هذه الرسائل القصيرة الحالة الجسدية المروعة للمرضى والجياع من الرجال والنساء والأطفال الذين مروا أمام أعينهم في الشتاء القارس، وتعذر إطعامهم أو حتى إلباسهم. الموقف الرسمي تجاه هؤلاء المهزومين لم يكن احتفاليًا. على العكس من ذلك، غالبًا ما صُدم أولئك المؤلفون وفزعوا مما رأوه.
عندما قرأت تلك الحروف الصفراء، المقروءة بالكاد، شعرت أنني أمسكت التاريخ بين أصابعي. لقد أدهشتني الإنسانية البسيطة لهؤلاء المسؤولين، والتي تناقضت بشكل كبير مع الأحداث الوحشية التي أعقبت إصدار أمر طرد فيليب الثالث في بلنسية في سبتمبر\ أيلول 1609. في ذلك العام، خاض الآلاف من موريسكيي بلنسية معركة محكوم عليها بالفشل في قرية كورتيس دي بالاس لمقاومة طردهم. زرت مع المؤرخ المحلي ميغيل أباريسي نافارو، الذي أظهر لي أطلال قرى الموريسكيين، والنتوء الجبلية المعروفة باسم مويلا – حيث ألقت نساء الموريسكيين بأنفسهن مع أطفالهن للموت، بدلاً من مغادرة البلد الذي اعتبروه وطنهم الأم.
تم الاحتفال بالمعارك في كورتيس دي بالاس في واحدة من لوحات النصر التي كلف فيليب الثالث برسمها للاحتفال بهذه المناسبة؛ يتم الاحتفاظ بهذه اللوحات اليوم في أحد البنوك في بلنسية وليست مفتوحة للجمهور. بعد ظهر أحد الأيام، أقنعت المصرف بالسماح لي بالدخول، وسمح لي بالنظر إلى اللوحات بنفسي.
هذه اللوحات كانت تهدف إلى تمجيد ما اعتبره العديد من رجال الدولة جريمة. فمثل معظم الوثائق المتعلقة بالطرد، سرد هؤلاء قصة ذلك الطرد من وجهة نظر المنتصرين. أردت أن أحكي قصة مختلفة. كيف كانت الدولة التي كانت آنذاك أقوى دولة في أوروبا مدفوعة بالخوف والتعصب لتدمير أقلية من العزل والعمل ضد مصالحهم المادية الخاصة.
هذه الاتجاهات موجودة في كل مجتمع وفي كل عصر. كنت أتمنى بعد ذلك، كما آمل الآن، أن يجعل “الدم والإيمان” القراء أكثر انتباهاً للاحتمالات المدمرة في منطقتنا.
***
من المستحيل قراءة هذا الكتاب بحسب الكاتب أندرو ويتكروفت في صحيفة نيويورك تايمز دون الشعور بصدى له في عصرنا، يؤكد ويتكروفت على تحذير كار من اللغة الغاضبة الحالية في أوروبا، وعلى أن الانغماس في نبوءات الهلاك الديموغرافي الوشيك الذي جلبه المسلمون كثيرو الإنجاب – يقودنا نحو فكرة “محرقة مقبولة”، وهو ما أطلق عليه راهب دومينيكي في القرن السابع عشر الحل النهائي لإسبانيا لمشكلتها غير القابلة للحل.
[[1]] مؤرخ وكاتب بريطاني، ومؤلف كتاب “الدين والدم – إبادة شعب الأندلس”، الذي يعد أحد المراجع التاريخية الهامة عن تاريخ الأندلس وما جرى هناك من وقائع اضطهاد وقمع ديني وتطهير عرقي ضد الموريسكيين.



