آنا بلاسيو
ترجمة البشير معاد
لقد أظهر وباء كوفيد-19 القُصور الذي يعتري المؤسسات الدولية، كما أظهر بوضوح أنّ التحديات الكبرى في زمننا هي تحديات كونية بطبيعتها، وفي هذا السياق فإنّ الدفاع عن المؤسسات المتعددة الأطراف ليس ضربا من “الحنين” بقدر ما هو تصرف واقعي.
*******
مدريد– قام المنتصرون عقب الحرب العالمية الثانية بإنشاء مجموعة من المؤسسات التي ستعزز دعائم النظام العالمي منذ ذلك الحين؛ وأثبتت قدرتها العالية على الصمود بالرغم من أنها كانت دوما محل نزاع، وهذا لا يعني أنها كانت حصنا منيعا، بل على العكس من ذلك فقد تآكلت فعاليتها تدريجيا لا سيما عندما تُستخدَمُ كبيادق جيوسياسية.
يقدم لنا البحث الأكاديمي تحليلا وافرا حول العوامل التي تعزز قوة الاحتمال لدى المؤسسات، والعوامل التي تسرِّع الفشل المؤسسي. وثمة رسالة رئيسية واحدة أثبتتها تجربتي في البنك الدولي وفي الاتحاد الأوروبي مفادها أنَّ المؤسسات تزدهر بوجود عامل الثقة. وليس من العجيب إذن أن تكون الترتيبات المؤسسية للنظام العالمي معرضةً للخطر.
لقد تسببت إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في العجز الواضح الذي أصاب الثقة المؤسسية، ففي أربع سنوات فقط قام ترامب بوقف التمويل عن عدة وكالات تابعة للأمم المتحدة واتفاقيات متعددة الأطراف وتعليق أنشطة بلاده فيها، كما عطَّل منظمة التجارة العالمية، وجرَّ الولايات المتحدة للانسحاب من منظمة الصحة العالمية.
لقد تجاوز النظام المتعدد الأطراف وبشكل ضئيل، اختبارات الإجهاد الناجمة عن هجمات ترامب، بالرغم من أنّ مغادرته للبيت الأبيض لم تجلب معها أي ارتياح، فما بالك بالإنعاش الذي كانت آمال بعضهم معقودة عليه؛ بل بالعكس يُظهر مؤشر إيدلمان للثقة لعام 2021 أنّ الثقة في المؤسسات في تراجع مستمر على مستوى العالم.
وفي أغلب الأحيان يقع اللوم على جائحة كوفيد-19، لكنّ المؤسسات المتعددة الأطراف أخفقت رغم بعض النجاحات في إحراز التعاون المطلوب والتصدي بفعالية للأزمة، ولنا في التوزيع غير المتكافئ لجرعات اللقاح خير مثال على ذلك.
لقد قام بعض النقاد بمحو مؤسسات ما بعد الحرب العالمية الثانية معتقدين أنّها لم تعد ذات نفع أو فائدة؛ فهم يعتبرون أنّ الكلام حول إصلاح أجهزة مثل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أو صندوق النقد الدولي يعد مجرد انحراف عن المَهَمَّة الأكثر أهمية والمتمثلة في “استخلاص الشكل الذي ينبغي أن يكون عليه النظام الجديد”، فهل ينبغي له على سبيل المثال أن يعتمد أكثر على تشكيلات مخصصة لهذا الغرض كتلك التشكيلات التي انتشرت بكثرة في السنوات الأخيرة؟
الجواب الصريح لهذا السؤال هو النفي، ففي المحصلة أخفقت هذه التشكيلات إلى حد كبير في أن تُفرز شيئا شبيها بأوجه التعاون المتعدد الأطراف الذي يحتاجه العالم.
ومما لا ريب فيه أنّ أطر الحوكمة التقليدية أصبحت قاصرة عن تحقيق مبتغاها، فعلى سبيل المثال، وكما لاحظ مارك ليونارد مدير المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية ذلك مؤخرا، فإنّ مؤتمرات الأمم المتحدة حول التغير المناخي “فشلت في إفراز نموذج حوكمة كونية بمقدورها تحجيم سياسات القوة، ناهيك عن إثارة أي إحساس بالمصير المشترك عند البلدان”. ومؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي (COP26) الذي اختتم أعماله للتو يُزكِّي بشكل كبير هذا الاستنتاج.
قد تكون المؤسسات الدولية لما بعد الحرب العالمية الثانية غير مثالية، بيد أنّ سِجِلَّ عملها الجماعي يجعلها الأمل الأفضل للعالم في التصدي للتحديات العويصة المقبلة، أو كما أشار لذلك مؤخرا البروفيسور في جامعة هارفارد جوزيف صامويل ناي بكون المؤسسات القائمة تعمل على “ترسيخ أنماط قَيِّمة من السلوك” أثناء تدعيمها ركائز “نظامٍ من القواعد والأعراف والشبكات والتوقعات التي تخلق أدوارا اجتماعية يترتب عنها التزامات أخلاقية”.
بديهيٌّ أنّ وجود هذه المؤسسات لا يكفي لإيجاد حلولٍ لمشاكل العالم، أو كما قال جوزيف ناي، ينبغي استخدام هذه المؤسسات بطرق “تُلزم الأخرين على دعم الصالح العام العالمي” الذي يُحسِّن المصالح المشتركة على المدى البعيد.
لكنّ هذا ما لم يقم به الاتحاد الأوروبي في الأسبوع الماضي عندما تحوّلت المناقشة بشأن تصنيف الاستثمار الأخضر إلى تبادل للكلام اللاذع بين القوى ذات الثقل الكبير المتجدد في الكتلة وأولئك الذين يعتبرون الغاز والطاقة النووية جزءا لا يتجزأ من أي انتقال إلى الاقتصاد الأخضر، ولا محالةَ أنّ هذه المناقشة ستُلطخ سمعة الاتحاد الأوروبي التي بناها بمنتهى العناية كحامل لواء الاستدامة على مستوى العالم.
وإذا كان مثل هذا الانقسام يشوب الاتحاد الأوروبي فمن الصعب تصور كيف ستبلغ المنظمات العالمية الإجماع لا سيما في وقت تشهد القوى العظمى تنافسا مشتدًّا فيما بينها. والواقع أنّ المؤسسات الدولية في أيامنا هذه صارت مسرحا للمواجهة الجيوسياسية ولها في كثير من الأحيان أضرار جانبية.
ففي السنوات الأخيرة اتخذت الصين خطوات لتوسيع نفوذها في المؤسسات المتعددة الأطراف، فهي ترأس حاليا أربع وكالات من خمس عشرة وكالة للأمم المتحدة، وقد وقاها هذا المكسب من الرقابة الدولية.
كانت الصين مؤخرا محورَ فضيحة تزوير البيانات في البنك الدولي، حيث توصّل تحقيق مستقل أجرته الشركة القانونية الأمريكية ويلمرهيل إلى مخالفات في البيانات التي تم الاعتماد عليها في تحديد ترتيب الصين في مؤشر ممارسة أنشطة الأعمال في نسختيه لعام 2018 و2020.
واتُّهمت المديرة التنفيذية لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا التي كانت تعمل عام 2018 في منصب المسؤولة التنفيذية الأولى بالبنك الدولي بلعب دور محوري في الجهود التي رفعت ترتيب الصين، وفي غضون أسبوعين تم إيقاف إصدار تقرير ممارسة أنشطة الأعمال، كما تعرض منصب غورغييفا في صندوق النقد الدولي للخطر.
وفي نهاية المطاف وقف مجلس إدارة صندوق النقد الدولي إلى جانب غورغييفا، بل وتعرض تحقيق الشركة القانونية الأمريكية ويلمرهيل لانتقاد لاذع على افتقاره للدليل القاطع وعلى التحيز الواضح الذي أظهره التحقيق، وقد شبَّه جوزيف. إ. ستيغليتز بشكل مُوَفَّقٍ هذا الفصل الكامل بكونه “محاولة انقلاب” هدفها إبطال جهود غورغييفا في إجراء إصلاحات جريئة. وقد حظيت غورغييفا مؤخرا على الإشادة بقيادتها خلال تفشي الوباء بما في ذلك كسبها الموافقة التاريخية لصندوق النقد الدولي بشأن توزيع مخصصات حقوق السَّحب الخاصة.
وعلى أي حال قد تترك فضيحة مؤشر ممارسة أنشطة الأعمال ضررا متواصلاً على النظام الدولي المُحاصَر أصلا، فقد أظهر هذا الانحدار إلى جانب الثقة المتآكلة في البنك الدولي وصندوق النقد الدولي كيف يمكن للتوترات الثنائية أن تُشكِّل أو أن تشوِّه أنشطة المؤسسات الدولية.
لقد أظهر وباء كوفيد-19 القُصور الذي يعتري المؤسسات الدولية، كما أظهر بوضوح أيضا أنّ التحديات الكبرى في زمننا هي تحديات كونية بطبيعتها، وفي هذا السياق فإنّ الدفاع عن المؤسسات المتعددة الأطراف ليس ضربا من “الحنين” بقدر ما هو تصرف واقعي. وفي ظل استفادة ثُلَّة قليلة من انحلال النظام القائم، يبقى السؤال المطروح ما إذا كان بالمقدور استعادة الثقة العامة قبل فوات الأوان.
*******
المصدر: المنظمة الصحفية الدولية “بروجيكت سنديكيت”،22 نوفمبر 2021. (رابط المقال: How International Institutions Die by Ana Palacio – Project Syndicate (project-syndicate.org))



