في الجزء الأخير من ثلاثة مقالات خصصناها لعرض كتاب “قوة الأمهات” لمؤلفته الفرنسية فاطمة أوساق، سنحكي الحكاية بلسان الكاتبة وسنعطيها مساحة تروي فيها قصة الفعل السياسي للأمهات الفرنسيات المنتميات للطبقات الشعبية والمنحدرات من المستعمرات الفرنسية القديمة المغاربية منها والجنوب إفريقية. ولعل القراء الكرام قد اطلعوا من خلال المقالين الأول والثاني على نوع العلاقة المتشنجة والمتوجسة بين الأسر الفرنسية ذات الخلفية العربية والإسلامية ومؤسسات الدولة وعلى رأسها المدرسة. تقول فاطمة أوساق في هذا الإطار: “الأصل أن الآباء هم المسؤولون مسؤولية كاملة عن أبنائهم حتى وهم يودعونهم لمؤسسات الدولة من رياض أطفال ومدارس ومراكز أنشطة. إنهم فقط يودعونهم! ومؤسسات الدولة يجب أن تستحق ثقتنا كآباء.”
المدرسة هي الحرب: بداية المعركة من طبق غداء:
تبدأ القصة ببساطة من طبق الغداء الذي يقدم للتلاميذ في المدرسة حيث طلبت أن تقدم لأبنائي وجبة نباتية لكن اكتشفت أن وجبة الطعام هذه ليست بالبساطة التي يمكن أن نتخيلها. إنها معقدة وتختزل الصراع بين المؤسسة المدرسية وشريحة كبيرة من الآباء. إذ كان جواب الإدارة على طلبي “لن نقدم الأكل الحلال ففي مدرسة الجمهورية علينا احترام القانون وعلى رأسه اللائكية!”
ولأنني لم أجد الأذن الصاغية في مدرسة أبنائي، فقد قررت الانضمام إلى لائحة جمعية الآباء بنفس المُؤسسة، ثم جمعية الآباء على مستوى مدينتي. وكنت في كل مرة أقترح أن تدرج مسألة وجبة الأكل المقدمة في المدارس للنقاش، وأن يكون للآباء الحق في اختيار وجبة نباتية لأبنائهم. وفي كل مرة أواجَه من طرف الآباء بالنقد وأتهم بمحاولة فرض الأكل الحلال وعدم احترام اللائكية والانغلاق الثقافي والانعزالية (وللإشارة فإن تيار الأكل النباتي هذا منتشر في أوروبا في ظل الموجة الخضراء وبرامج الحفاظ على البيئة وانتقاد كثرة استهلاك اللحوم وضررها على الصحة ومكافحة تربية المواشي الصناعية).
وقد كُتب عني كل هذا في تقارير لجمعية الآباء وصلت إلى المسؤولين على مستوى المدينة! إذن، يبدو أن المسألة ليست مسألة أكل بقدر ما هي تجل لكون الأطفال والمدرسة هما الرهان السياسي الأول اليوم في فرنسا. وعندما كنت ألح في الطلب كان جوابهم النهائي “يمكنك التوجه نحو المدارس الخاصة فالأمر هناك مختلف!”
المدارس الخاصة وانهيار منظومة التعليم العمومي:
أنا على علم بتردي الخدمات في المدرسة العمومية تماما كترديها في باقي مؤسسات القطاع العام مما يجعل الكثير من الآباء المنتمين للطبقات الشعبية يحلمون بتسجيل أبنائهم في مدارس خاصة، والمدارس الخاصة المفتوحة أبوابها للطبقات الشعبية ثمنها بخس مقارنة بمدارس أخرى أغلى، كما أن مواردها ضعيفة ومنهجيتها البيداغوجية ليست أفضل حالا من مثيلاتها في القطاع العام. إضافة إلى أنه ليست هناك ضمانة بأن يعامل الأطفال معاملة لائقة. إن خوصصة التعليم تطرح سؤالا مجتمعيا حول تعميق الفوارق بين أبناء المجتمع الواحد وستضاعف من اللامساواة البنيوية بينهم. لقد قررت بكل وعي أن أبقي أبنائي في المدرسة العمومية وأن أستمر في النضال. أعرف أن النضال سيكون صعبا، إذ علي أن أقاوم بدون مال وبدون شبكة علاقات سياسية واجتماعية داعمة، وبوسائل ضعيفة مقارنة بالتنظيمات المهيمنة، ولا شك أنني سأواجه عراقيل كثيرة.
إن تجربتي أثبتت أنه لا جدوى من العمل من داخل تنظيم للآباء مكون من أشخاص غالبيتهم بيض من الطبقات المتوسطة المنتمية لليسار، في بانيولي، مدينتي! لقد فشلت في إقناعهم بأن مطالبي مشروعة! فشلت لأنني أم عربية مسلمة تسكن حيا شعبيا. لو كنت سيدة بيضاء تنتمي للطبقة المتوسطة لاختاروني الأم الأكثر حفاظا على البيئة!
العمل من خلال مؤسسات مستقلة وموازية:
وهكذا اضطررت لتأسيس جمعيات ومؤسسات مستقلة وموازية لتلك التي يديرها المنتمون للطبقات المهيمنة فأنشأنا سنة 2016 م “من أجل أطفال بانيولي”، وكان المنخرطون غالبيتهم من أمهات الأحياء الشعبية، وهذه خصوصية فرنسية، فالأمهات المهاجرات والمنحدرات من إفريقيا خاصة ينخرطن بسهولة في الأعمال والأنشطة الاجتماعية والتكافلية عندما يتعلق الأمر برهانات سياسية تخص أبناءهن. لقد كان لمبادرتنا هذه صدى في أحياء ومدن أخرى، كما أننا تركنا الباب مفتوحا مع جمعية الآباء على مستوى المدينة من خلال تقارير عن أنشطتنا نرسلها لهم، غير أننا لم نكن نتلقى ردودا.
وبشكل مواز كنا دائمي البحث عن شركاء من خارج الحي ينتمون إلى المجتمع المدني وإلى مؤسسات الدولة. ورغم ذلك تم الترويج ضدنا ولمدة أربع سنوات، بكوننا منغلقين وانعزاليين! وللعلم فهناك اتهامان أساسيان للضرب في مصداقيتنا ولإغلاق الباب أمام أية محاولة للمشاركة في الشأن العام ومراكز القرار والسلطة وهما الانعزالية والاقتحامية! أما الاقتحامية فمعناها محاولة اقتحام الشأن العام والتسلل للنقاشات التي تثار في الحقل العام، وكأننا جسم خارجي عن المجتمع، وليس له الحق في إبداء رأيه وانتقاد السياسات العمومية، كما أننا لسنا أهلا لممارسة حقنا الطبيعي كمواطنين مثل غيرنا من الفرنسيين البيض المنتمين إلى الطبقة المتوسطة. وأما الانعزالية فهي تُهمتك عندما تدفع دفعا للعمل من خلال تنظيمات موازية.
المهم أننا نجحنا فيما كنا نقوم به، وحضر لقاءاتنا العديد من الآباء ومنتخبون من المدينة وفاعلون من المؤسسات كما حضرت وزارة التربية الوطنية، وغطت أنشطتنا مجموعة من القنوات ووسائل الإعلام، واستُقبلنا من طرف عمودية المدينة أكثر من مرة، وتعلم المسؤولون كيف يستقبلوننا، كما وعدونا بتحسين جودة الأكل المقدم في المدارس وأصبح للآباء الحق في اختيار أكل نباتي لأبنائهم!
جبهة الأمهات
هؤلاء الأمهات المنحدرات من المستعمرات الفرنسية القديمة، رغم كونهن يُحْتَقَرْنَ ويتهمن بأنهن تخلين عن مسؤولياتهن في تربية أبنائهن، هن اللواتي نظمن أنفسهن حول مواضيع العدل الاجتماعي والمساواة والرهانات البيئية والصحة العامة وأسسن “جبهة الأمهات” التي هي عبارة عن نقابة تعمل جاهدة لإيصال صدى مطالبنا إلى المستوى الوطني ولبناء استراتيجيات جماعية وطنية لمقاومة التمييز البنيوي الذي يتعرض له أبناؤنا خاصة في المدارس. والهدف من تأسيس هذه الجبهة هو الخروج من المواجهة المباشرة مع المدرسة بخلق تنظيم قادر على عمل أشبه بعمل النقابات، وذلك بأن يصبح قوة سياسية ذات مصداقية، قوة منتجة لاقتراحات وأدوات قابلة للتنزيل. أنشطة الجبهة وأعمالها تتمركز حول أربعة محاور هي البيئة ومقاومة التمييز المدرسي ومقاومة العنف بين مراهقي وشباب الأحياء الهامشية ومقاومة عنف الشرطة.
جبهة الأمهات رائداتها أمهات ولكن لا يعني هذا أنها خاصة بالأمهات بل هي مفتوحة وترحب بكل من تشغله أحوال أبنائنا ابتداء من الآباء مرورا بأفراد الأسرة ثم المربين المنتمين للهيئات الحكومية والفاعلين المدنيين وغيرهم. كما أن نضالها هو استمرا ر لتاريخ طويل من نضالات مرتبطة بالهجرة حققت نجاحات استفاد منها الجميع.
نجاحات
أما عن نجاحاتنا نحن فنذكر منها دعوى قضائية رفعناها ضد عنف الشرطة خلصت إلى أن عنف الشرطة لا يمثل حالات معزولة بل هناك عنف للدولة! هذه النضالات جعلت سؤال عنف الشرطة يصبح هو السؤال السياسي المركزي للحركات الاجتماعية التي تعمل في الأحياء الهامشية.
وفي سنة 2017 م تضامنا مع سكان عمارة بمدينة بانيولي تتكون من ثمانية عشر طابقا كان المصعد فيها معطلا منذ ثلاث سنوات وأمام لامبالاة المسؤولين طلبنا تعويض المصعد بآخر ذي جودة.
فلم يؤبه بنا ظنا من المسؤولين أن الناس سيتقاعسون بسبب خلافاتهم أو خوفا من عدم الحصول على سكن أكبر أو خوفا من تداعيات مشاكل إدارية. تحركنا بسرعة وجعلنا الشباب ينضمون إلينا وقمنا بالتحرك في الفضاء العام من خلال الاجتماعات والجلوس أمام مقر المسؤولين وإرسال العرائض وغير ذلك مما جعل الشركة المسؤولة تخضع لمطالبنا وتقرر إصلاح المصاعد في جميع عمارات الحي وتخصص لذلك مبلغا ماليا يقدر بمليوني أورو وتعترف أنها لم يسبق أن واجهت مثل هذا التحرك الاجتماعي! وهكذا كلل نضالنا بالنجاح مما دفع العديد من الآباء إلى الانضمام إلينا.
من الأمور التي تعلمناها ووعيناها وانتبهنا إليها من خلال هذه التجربة أن العطب الحاصل في المصعد له تداعيات أكبر وأعقد مما نتصور، حيث أن حرية الناس في التنقل في الفضاء العام تقلصت وأعيقت والعديد من الآباء منعوا أبناءهم من الخروج خوفا عليهم. فكيف إذن نتعجب عندما نعرف أن أكثر الأطفال استهلاكا للشاشات هم أبناء الطبقات الشعبية؟
أمر آخر يتعلق بتعامل الإعلام مع تغطية ما يقع في الأحياء الشعبية، إذ اتصلت بنا صحفية من إحدى القنوات التلفزية الكبيرة، واستقبلناها وقضينا معها ساعات، وقمنا معها بجولات في الحي لنطلعها على أحواله عن كثب، وتحدثنا عن نضالنا الذي تكلل بالنجاح وعن المليوني أورو، لكن الصحفية في تقريرها فضلت الحديث عن مدن أخرى وأحياء أخرى حيث المصاعد لا تعمل! نستخلص أن الصحافة لا يهمها انتصاراتنا فلا أحد من مصلحته إظهارنا كفاعلين سياسيين قادرين على التغيير فمثل هذا الأمر مُعدٍ وقد يدفع آخرين إلى الحذو حذونا.
وختاما، وفي عصر العولمة فإن الكثير من الأمهات وكذلك الآباء سيجدون في هذا الكتاب صدى لما يكابدونه في تربية أبنائهم. ويبقى سؤال المدرسة والتعليم وتكافؤ الفرص سؤال مُهم يتجاوز الحدود، كما أن فكرة استعادة قوة الأمهات والوالدين بشكل عام وتحويلها لمشروع سياسي مجتمعي من أجل مصلحة الأبناء فكرة ملهمة وجديرة بالاهتمام.



