عن الكتاب
عندما تنتهي من قراءة كتاب ” قوة الأمهات” وتغلق دفتيه تحس أنك صاحبت الكاتبة فاطمة أوساق في نضالها، وقمت بجولة في الأحياء الهامشية والشعبية الفرنسية التي تقطنها الكثير من الأسر المنحدرة من أصول مهاجرة عربية ومسلمة، وتشعر أنك اطلعت على العلاقة المتوترة والمتشنجة للدولة الفرنسية ومؤسساتها مع شريحة واسعة من مواطنيها، وستطّلع على صعوبات وتحديات من نوع خاص يعيشها الآباء والأمهات هناك.
وستحس أنك كنت شاهدا على ملحمة ليست كالملاحم، ملحمة من نوع خاص تدور رحاها في أحياء بنيت على الهامش وسكنها المهاجرون القادمون من المستعمرات الفرنسية القديمة وخاصة المغاربية منها والجنوب إفريقية. أبطال هذه الملحمة الإنسانية هم الآباء والأمهات على وجه الخصوص، ممن حولن حبهن لأبنائهن والخوف عليهم إلى طاقة دافعة لمواجهة ما من شأنه أن يحد مما قد يؤثر سلبا على التوازن العقلي والنفسي والجسدي لفلذات أكبادهن أو أن يحد من طموحهم، ونذكر على سبيل المثال جميع أشكال الحيف والتمييز العنصري الذي يطال الأبناء، وتداعيات شيطنة الإسلام والمسلمين.
تكمن أهمية الكتاب، الصادر سنة 2020م، في كونه يوثق، بأقلام أبناء الرعيل الأول من المهاجرين، تجارب إنسانية لها خصوصياتها لارتباطها بالهجرة وهجرة العرب والمسلمين إلى فرنسا على وجه التحديد. فرغم أن الكاتبة تنتمي إلى الجيل الثاني إلا أن تاريخ الهجرة وتداعياتها لا زال يلقي بظلاله على الأجيال المتعاقبة من أبناء المهاجرين، وهو يشكل إرثا وجدانيا يتناقله الأفراد والأسر. إن هذا التوثيق في حد ذاته يمثل تطورا يعرفه مسار الهجرة في فرنسا مقارنة بهجرة الجيل الأول الذي ينعت بالصامت والذي لا شك عاش صعوبات وتحديات كبرى على المستويات الفردية والأسرية والجماعية لكنه لم يمتلك أدوات التوثيق وعلى رأسها التمكن من اللغة الفرنسية.
لغة الكتاب فيها من قوة العبارة وقوة الفكرة والإصرار والتحدي والمثابرة بحجم الحب والخوف الذي تحمله كل أم لأبنائها.
الفكرة المحورية
كيف يمكن استرجاع قوة الأمهات التي سُلبت منهن وإعادة تفعيلها وتحويلها إلى قوة سياسية منظمة لمصلحة حياة كريمة لأطفال فرنسيين من أصول عربية مسلمة، هذه هي الفكرة المحورية لكتاب “قوة الأمهات”. إذ تقول الكاتبة: “لقد حملت أبنائي وأنا من يسهر على راحتهم يوميا وأريد أن أساهم في بنائهم ليس فقط من خلال إعداد وجبات الطعام والحلوى، بل من حقي أن أشارك في السلطة السياسية التي تحدد معالم المجتمع الذي سيكبر ويعيش فيه أبنائي!”
“فالسلطة التي سحبت منا كآباء وكأمهات هي سلطة هائلة وعلينا استعادتها وذلك من خلال سردياتنا وقصصنا كأمهات، ومن خلال التواجد في الكتب والأفلام والتعبير عن وجهات نظرنا في وسائل الإعلام وفي الأحزاب السياسية”.
وتزعم المؤلفة أن الأمهات كفاعل سياسي مركزي وجِدّيٍ ستكون له المصداقية لأن نضالاته هي نضالات لا تشوبها الشوائب التي تعتري السياسة والساسة، فهي نضالات صبغتها الحب للأبناء.
أن تصبح الأمهات قوة سياسية ومدنية فاعلة هي محاولة للإجابة على أسئلة مؤرقة منها على سبيل المثال:
كيف سَيُعامل أبناؤنا في المدرسة؟ وما هو الثمن الذي سيؤدونه من حياتهم ومن كرامتهم بسبب القيم التي ربيناهم عليها نحن الآباء؟ كيف يكبرون ويصبحون مواطنين فرنسيين كاملي المواطنة بدون أن يبتر جزء من كيانهم ومن تاريخهم وإرثهم الأسري والحضاري وبدون أن يضطروا إلى الاختيار بين الولاء لأسرهم ودينهم أو الولاء لفرنسا؟ ما هو نوع الهواء الذي سيتنفسونه؟ وهل يمكن أن يتحركوا في الشارع بكل حرية عندما يصبحوا مراهقين بدون أن تهددهم المخدرات وعنف مجموعات المراهقين المتقاتلة فيما بينها بالإضافة إلى عنف الشرطة؟
و”في أوقات التحامل الإعلامي، تقول فاطمة أوساق، على أناس يشبهونني ويقدمون للرأي العام كخطر ينبغي حذفه أحس بالهلع، وتأتي لذهني صور سوداوية من التاريخ الحديث حيث كان يُحْمَلُ أناس في قطارات إلى أماكن مجهولة في صمت مطبق من الجميع (في إشارة إلى حقبة اضطهاد اليهود). أخاف أن ترمى يوما ابنتي في نهر السين أو نهر لالوار لا لشيء إلا لأنها رفضت الفاشية! أعرف جيدا تاريخي، تاريخ فرنسا، وأعرف أن مخاوفي هذه ليست هلوسات بل إن لها أسبابها من الواقع.”
هذا الخوف وهذه الأسئلة تشكل قوة دافعة ومحركة للنضال ضد العنصرية وأشكال التمييز التي تمارس على الأطفال والشباب. “فالعنصرية، كما تذكر الكاتبة، تقتل إما حقيقة برصاصة في الرقبة أو رمزيا وبشكل بطيء وبنيوي يهدد سلامة وصلابة أبنائنا النفسية والعقلية.” هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن هذه الأسئلة المقلقة تجعل الأمهات متيقظات وحذرات لكيلا تكسر المدرسة أبناءهن ومناضلات من أجل مدارس عمومية تكفل فيها جودة التدريس وكفاءة المدرسين. إضافة إلى كل هذا فهناك واجهة إعلامية وثقافية واسعة تقتضي العمل الدؤوب وهي مقاومة النظرة الدونية للثقافات الأصلية للمهاجرين ولغاتهم والتقليل من قيمتها وجعلها غير مرئية ووصمها بالتخلف والعنف والدفع بها للتستر وسط الظلام.
هذه بعض من الأفكار التي وردت في الكتاب الذي نحن بصدد تقديمه للقارئة والقارئ العربي الكريم والتي سنعود إليها لأهميتها بشيء من التفصيل في مقالات قادمة بحول الله.
عن الكاتبة
ولدت فاطمة أوساق سنة 1976م بمنطقة الريف بالمغرب، وانتقلت سنة 1977م مع أسرتها إلى فرنسا لتلتحق بأبيها. نشأت في أسرة متدينة لم يمنع التدين أباها، كما تذكر، من أن يحرص على تعليم أبنائه وبشكل خاص بناته وحثهن على التفوق: “أبي لم يكن يعرف اللغة الفرنسية، لكنه كان يقرأ الأرقام فكان يراقب بصرامة النقط التي كنا نحصل عليها، ولم يكن يقبل منا أقل من التفوق في جميع المواد بما في ذلك الرياضيات”. هكذا تصف الأجواء الأسرية التي نشأت فيها.
درست الكاتبة العلوم السياسية بجامعة ليل الفرنسية وقد كانت على حد قولها، الطالبة الوحيدة الغير البيضاء في سنتها الجامعية الأولى. تعمل السيدة فاطمة مستشارة للسياسيات العمومية الخاصة بالأحياء الشعبية بمدينتها، وهي فاعلة جمعوية، وناشطة ضد السياسات العنصرية والتمييزية، وذلك منذ عشرين سنة وهي أيضا محاضرة وكاتبة وأم لطفلين.
حاز كتابها ” قوة الأمهات” على جائزة الجمهور النسوي الذي نظمته مجلة Causette.
كتبت السيدة فاطمة الكتاب بصفتها، كما تقول، ابنة عامل مغربي مهاجر تلقت ثقافة صلبة، جزء منها له علاقة بالثقافة العمالية وثقافة الكفاح والصمود، كما أنها تتحدث عن إرث ثقافي مرتبط بمسيرة الهجرة وكفاحها ضد الظلم والقهر والتمييز. وهي إضافة لهذا كتبته بصفتها أُمّاً تسكن مدينة بانيولي، ولكونها سكنت الأحياء الشعبية الهامشية، زد على ذلك عملها كمراقبة ومستشارة للسياسات العمومية الموجهة لهذه الأحياء مما يمكنها من مراقبة الميكانزمات العنصرية البنيوية لهذه السياسات.
المكان: مدينة بانيولي الفرنسية
لا بد قبل أن أنهي هذا المقال من أن أعرج بكم على مدينة بانيولي وهي المدينة التي تنتمي إليها الكاتبة والتي تقول عنها إنها مدينة تمثل مكانا خصبا للأمهات اللواتي يناضلن ضد سياسات التمييز والظلم. فالمدينة هي مدينة الهجرة والطبقات العمالية بامتياز، كما أنها مدينة شعبية ومدينة اليسار التي لها تاريخ طويل وخاص في المقاومة ودعم قضايا الشعوب العادلة وعلى رأسها القضية الفلسطينية، إذ غرست فيها أشجار الزيتون كرمز للتضامن مع النضال من أجل التحرر وأقيمت توأمة بينها وبين مخيم شاتيلا للاجئين الفلسطينيين بلبنان سنة 2002م.



