في ختام يومياته التي دونها في رحلة الحج، يبوح جلال آل أحمد بهدفه، وما كان يفتش عنه في هذه الرحلة، فيقول فيما يشبه الاعتراف الجريء: «قد يعتبر ما سأقوله اعترافا، أو اعتراضا، أو زندقة، أو أي شيء آخر، لكنني كنت أبحث في هذه الرحلة عن أخي، وكل إخوتي الآخرين، أكثر من بحثي عن الله، فالله موجود، في كل مكان، لمن يؤمن به».
ربما يبدو مثل هذا الاعتراف مفارقة، تفزع أصحاب التجارب الروحية، والمرتاضين، والمتصوفة من المسلمين، الذين يرتشفون في مناسك الحج أعبق أدعيتهم، وأذكارهم، ومواجيدهم، ويتوقون إلى بلوغ أقرب منازل السير إلى الله تعالى، والاغتراف من مناهل التواصل معه.
غير أن جلال آل أحمد يترجم لنا فلسفة الحج، بلغة أخرى، قد يحسبها البعض نوعا من الشطحات، باعتبار جلال أتى إلى الحج ليتعرف على أخيه المسلم، بل الإنسان، مما يعني أنه غير مكترث بما يعرّفه بالله، ويقربه إليه، لكن قراءة متأنية ليومياته في رحلته، تدحض هذا التصور، حيث تتجلى روح آل أحمد، ونزعاته المعنوية، وأخلاقيته، وعواطفه البريئة، ومشاعره الشفافة، ويغدو اكتشاف الآخر، ووعي آلامه وآماله، والتعايش، والتسامح في كل ما يوجب الخلاف معه، كل ذلك أقرب السبل إلى الله تعالى، وأن الطريق إلى معرفة الله يمر عبر معرفة الإنسان، وتبني قضاياه، والدفاع عن حقوقه المهدورة، وحرياته المغدورة، طبقا لفهم آل أحمد للإسلام ومقاصده العامة.
تبرز براعة آل أحمد، وموهبته البيانية، في قدرته الفائقة على ابتكار عناوين فريدة لكتبه، بحيث تغدو هذه العناوين، بعد ذيوع الكتب التي تحملها في مرحلة لاحقة، وكأنها لافتات فكرية، وشذرات أدبية، وهو ما نلاحظه بجلاء في كتابه «غرب زدگي» «نزعة التغريب» إذ ما برح هذا العنوان أن تحول إلى مصطلح واسع التداول في الأدبيات المدونة بالفارسية بعد صدور كتاب جلال.
وكعادته انتخب عنوانا أثيرا ليومياته التي دونها في رحلته إلى الحج، فوسمها بــ«خسي در ميقات». و«خس» كما في معاجم اللغة الفارسية تعني: (تبن، أو علف جاف، أو شوكة، أو نتفة تافهة من الخشب، أو حشائش جافة مضمحلة، وتستخدم مجازا بمعنى حقير، ووضيع). ويقابلها بالإنجليزية Small chip of wood.([1])
اما الياء في «خسي» فهي للتنكير، تنكير الاسم وإخراجه من كونه معرفة إلى معنى شائع في جنس، كما في «رجل».
وبعد مطالعة الكتاب وجدنا آل أحمد يشير بكلمة «خسي» في عنوان كتابه إلى حالة اضمحلال، وتلاشي «الأنا» وذوبانها، حال أداء المناسك، كما صرّح بذلك في مواضع متعددة من مذكراته. فوقع اختيارنا على كلمة «قشة» العربية، وهي كلمة تتضمن المعنى الموازي لكلمة «خسي» الفارسية، مضافا إلى أنها تتضمن المداليل التي تفصح عنها يوميات آل أحمد.
ولا نعلم لو كان المؤلف حيّا هل سيوافقنا على هذا العنوان بالعربية؟ لكننا نحسب أن «قشة في الميقات» عنوان غير مستهلك، لأنه يستخدم للمرة الأولى في تسمية كتاب في أدب الرحلة إلى الحج، وربما في عناوين الكتب العربية، ولعل ذلك يرضي آل أحمد، وهو الأديب المعروف بكلماته المضيئة، وبنفوره من العناوين المكرورة المبتذلة.
رحلة آل أحمد في أدب الرحلة للحج
إن رحلة جلال إلى الحج تظل في ذروة الآثار المدونة باللغة الفارسية في هذا الحقل، وهي تتوافر على الكثير مما يتسم به نص آل أحمد، حسب وصف زوجته الدكتورة سيمين دانشور، من أنه نص «مشبوب، دقيق، ثاقب، ناقم، متطرف، عنيف، صريح، حميم، تنزيهي، مثير، مكثف بصورة برقيات». ومقارب لذلك وصف الدكتور علي شريعتي بأنه نص «حاد، موجز، ساخر، صريح، إنساني، عفوي، جريء، عميق، فاضح، متين، جزمي، أُحادي، تقريري».([2])
وهي خصائص ربما تبدو متنافرة، لكن نجد معظمها في كتاب «قشة في الميقات». ولذلك فإن عباراته التي صاغها على شكل برقيات، وجمله الموجزة المكثفة، قد تبدو مفككة عند نقلها إلى اللغة العربية، لكن حرصت الترجمة على إشباعها بأدوات الربط ليظهر النص منسجماً متماسكاً.
ومن الآثار المهمة في أدب الرحلة إلى الحج باللغة الفارسية كتاب «موعد مع ابراهيم» للدكتور علي شريعتي، وهو كتاب يقع في ستمائة صفحة، ويضم ما كتبه شريعتي في سفرته الأولى إلى الحج سنة 1970، وسفرته الثانية والأخيرة، سنة 1971. القسم الأول يتضمن محاضراته في الرحلة الأولى، وهو عبارة عن أربع محاضرات متوالية ألقاها في حسينية الإرشاد في طهران بعد عودته من الحج تحت عنوان (موعد مع إبراهيم).
أما الرحلة الثانية فهي تتألف من إحدى عشرة محاضرة ألقاها شريعتي في المدينة المنورة، ومكة المكرمة، والمشاعر المشرفة، وهي تتمحور حول: (المدينة المنورة كمحطة للهجرة، والحضارة كنتيجة منطقية للهجرة، ورؤية تحليلية لفلسفة مناسك الحج، ودراسة في السيرة النبوية من الولادة إلى البعثة…وغير ذلك).
كذلك ألقى المهندس مهدي بازرگان محاضرة في عيد الأضحى سنة 1959 بعنوان «بيت الناس». تكلم فيها عن الآثار الاجتماعية للحج، ودور المناسك في توطيد أواصر الوحدة بين المسلمين، وبناء أسس الأمن والسلام. وهي أفكار استلهمها من الآيات القرآنية الكريمة، في ضوء رحلته إلى الحج قبل هذا التاريخ بثماني سنوات، أي في عام 1951.
هذه أهم الكتابات الحديثة المدونة بالفارسية في أدب الرحلة إلى الحج، وتظل رحلة آل أحمد متميزة، لأنها الوحيدة التي تتكون من يوميات، سجل فيها مؤلفها مشاهداته، وانطباعاته، وهواجسه، وتطلعاته، وآماله، وانفعالاته، وهو يتنقل بين البقاع المقدسة، ويتعاطى مع رفاق السفر، ومع مختلف الناس القادمين من شتى المواطن إلى الحج.
([1]) لاحظ مادة «خس» في: دهخدا. لغتنامه. وعميد «فرهنگ». ومعين فرهنگ. ومحمد التونجي. فرهنگ فارسي عربي.
([2]) حسن ذو الفقاري وصاحباه. اللغة والآداب الفارسية. طهران: نشر جشمه، 2002م، ص206.



