محاولة استقراء التجربة الخطابية من طرف الدكتور امحمد جبرون في مقاله المعنون “هل أخطأ الأمير محمد ابن عبد الكريم في قيادة المقاومة؟“ فتح نافذة نقدية على التجربة الخطابية في الريف. وهي في عمومها محمودة وجيدة، فكل التجارب السياسية وغيرها من التجارب لا بد لها من التحليل والتمحيص والمراجعة، وبالتالي ممارسة قراءة نقدية وإعمال المنهج النقدي… وهذا ما يستوجب أساسا اعتماد ومقابلة المصادر والمراجع مع بعضها البعض، واستبعاد الرأي الشخصي والانحياز له، الشيء الذي يضفي قدرا معتبرا من المصداقية على النقد.
إن تقييم التجربة الخطابية يستلزم دراسة شخصية الأمير ابن عبد الكريم التي كانت بمثابة مرآة انعكست على واجهتها كل حيثيات ثورته التحررية، باعتباره العقل المدبر الرئيسي لها.
فالأمير ابن عبد الكريم امتزجت شخصيته بثلاث مكونات رئيسية:
أولها المكون الريفي: نستحضر هنا قولة المؤرخ عبد الله العروي: “المكون الريفي هو الذي يحيل على هويته العميقة بوصفه كائنا اجتماعيا له انتماء إلى ثقافة ولغة أم، وهو العنصر الذي يبني كيانه“.
أما المكون الثاني فهو المكون الإسلامي: الذي كان له الدور الحاسم في نجاح الأمير في توحيد قبائل الريف، كما أن هذا المكون ظهر واضحا بعد انتقاله من جزيرة لارينيون إلى مصر.
بينما المكون الثالث المكون الأجنبي: إذ لا يُغفل أن الأمير تأثر بالحضارة الغربية وعبَّر بشكل صريح عن نيته الإصلاحية من خلال نماذج حضارية على رأسها النموذج الجمهوري الذي أرساه في “ظرفية خاصة”، أو من خلال دعوته لتبني نموذج سياسي ملكي قائم على مفاهيم الديمقراطية.
ومن الثابت أن المكون الأول والثالث قد استغل من طرف بعض النخب واعتبرته تهديدا مباشرا لمشروع دولة مخزنية أشكال حكمها تيوقراطية. وهذا التهديد “المصطنع والوهمي” كان ذريعة لمنح المخزن الضوء الأخضر لدولتي فرنسا وإسبانيا لغزو الريف بأسلحة الدمار الشامل المحرمة دوليا والمتمثلة في الغازات السامة. وفي هذا الصدد نستحضر ما ورد في كتاب “عبد الكريم الخطابي التاريخ المعاصر” للدكتور علي الإدريسي فقد صدرت عنه (السلطان) رسائل إلى بعض قواده تصف العمل الذي قام به المجاهدون الوطنيون بقيادة الخطابي بالفتنة وإيقاظ نار الثورة والفساد. وقد جاء في رسالة بعث بها إلى بعض قواد شمال شرق المغرب قوله: “قصدنا العاصمة الفاسية للإحتفال بعيد الأضحى …ومن الأسباب التي دعتنا لسفرنا هذا ما حدث من الفتنة ببعض القبائل الجبلية اللاحقة بالثائر الذي جاء من الجبهة الريفية ليوقظ الثورة والفساد بين سكان ناحية ورغة…وعما قريب تسمعون إن شاء الله بأن النصر توج أعمالنا، وأن الثائر فشل سعيه ووهنت حيله، ولقي جزاءه من سوء عاقبة المفسدين”.
هذا التخاذل الذي اعتبره السلطان مولاي يوسف “نصرا” عبر عنه بشكل جلي عند اضطرار الأمير ابن عبد الكريم للاستسلام حفاظا على عرق الريفيين. إذ توجه السلطان إلى فرنسا يوم 14 يوليوز 1924م ليلقي خطابا أمام الرئيس الفرنسي جاء فيه: “قدمنا إلى هذه الديار عقب الانتصار الباهر الذي أحرزته الجنود الفرنساوية والمغاربة، الذي يرجع إليهم الفضل في قطع جرثومة العصيان من ولايتنا، وتدعيم النظام والسلام. وإننا لنجد نوعا من الارتياح في الإعراب لفخامتكم عن التأثر الذي خامر أنفسنا لحظة ما شاهدنا مرور الآليات المتاخمة التي تمثل أولائك الشجعان الأشداء الذين أظهروا في ميادين آلياتنا آيات ومعجزات من البطولة والصبر والثبات، فلشخصكم يا فخامة الرئيس نرجو خير الرجاء وكامل السعادة ونرفع كأسنا لنشربها تحت عظمة فرنسا ورفاهيتها” ؟!!.
أمام هذه الوقائع يقف التاريخ بعظمته خجولا مرتين:
المرة الأولى يقف خجولا محاولا تجاوز وطي تلك الصفحات القاتمة اللون، فمحاكمة هذه الوقائع لا تجدي نفعا بقدر ما تعمق الهوة التي نحن في ظرفية تستدعي الغنى عنها.
المرة الثانية يقف خجولا أمام مساءلة البعض هل مشروع الأمير كان انشطاريا؟ بمعنى أدق هل كان وطنيا وانفصاليا في آن واحد؟
بالله عليكم عن أي انفصال يتحدث هؤلاء!؟؟ هل يقصدون الانفصال عن نظام سلطان كان بمثابة ألعوبة في يد المستعمر؟ فمجرد الاعتراف به هو اعتراف بمعاهدة الحماية أم انفصال عن القوى الاستعمارية الإسبانية منها والفرنسية؟.
هناك من يحاجج أن الأمير لو كان وطنيا مخلصا لسعى لتحرير المغرب كله متناسيا الانتصارات الباهرة التي حققها على القوات الفرنسية مباشرة بعد تحرير تراب الريف من الإسبان ووصوله إلى حدود أبواب فاس، إلى درجة أن الجنرال كمباي تقدم بطلب رسمي إلى ليوطي بتاريخ 4 يوليوز 1925م قصد السماح له بالانسحاب من تازة بل عاود تقديم طلب مستعجل لليوطي يدعوه للاستجابة لقرار الانسحاب لتفادي وقوع الكارثة.
الحرب بين فرنسا والأمير هزت الإمبراطورية الفرنسية في كل شمال إفريقيا وكانت فترة دقيقة في تاريخ العالم تابعها المراقبون بكل اهتمام. مما جعل نواب فرنسا ينقسمون بين مؤيد لها ومعارض. على سبيل المثال أعلن النائب باتغلي في مجلس النواب يوم 21 ماي 1924م أنه على فرنسا أن تدافع عن مركزها في المغرب الأقصى أو أن تتقبل فقدانها لكل شمال إفريقيا وفي ظروف مهينة. “سيكون ذلك آخر إمبراطوريتنا الاستعمارية وآخر استقلالنا الاقتصادي الذي هو أمر محال بدون مستعمرات وستكون آخر هبة لفرنسا في العالم…”، هذا ما كان يصدح به الماريشال اليوطي محاولا إقناع المعارضة، ومن تداعيات هذا الرأي إقالته واستسلامه وبضغط من الجمعية العامة الفرنسية.
إن هذه التصريحات تبرئ (إن صح التعبير) الأمير ابن عبد الكريم من الاتهامات المجانية التي اتهم بها، بل تبين بشكل جلي أن تحرير الريف ما كان إلا خطوة أولى من تحرير المغرب بل شمال إفريقيا ككل.
وهذا ما يؤكده الساعد الأيمن للأمير السيد أزرقان: “نحن الريفيين لم يكن غرضنا التشويش على المخزن من أول أمرنا، ولا الخوض في الفتن كيفما كانت، ولكن قصدنا الأهم الدفاع عن وطننا العزيز الذي كان أسلافنا مدافعين عنه، واقتفينا أثرهم في رد الهجوم عليه فيما احتله من بلدان…” صفوة القول: إن الأمير يعكس في العمق عصره، ويعكس الظروف التي عاشها والتي فرضت عليه اتخاد المواقف التي اتخدها، فمحاولة اليوم إخراج كل ما قام به من سياقه التاريخي وإسقاط الصراعات السياسية الآنية على نصوص ووثائق تقرأ بشكل مبتور وخارج سياقها أمر غير موضوعي وغير مقبول.



