بداية أعتبر نفسي من آباء الحركة الإسلامية بتونس، لا من أبنائها، لأني انتميت إليها قبل الإعلان الرسمي عن ميلادها بثلاث سنوات (سنة 1978)، وأعتبر نفسي كذلك، لأني كنت من الذين استقبلت روّادها في المسجد، ولست ممن دُعوا إلى حلقاتها المسجدية من خارج المسجد. ومع ذلك فقد كانت الحركة الإسلامية بمثابة الأم الحاضنة؛ احتضتنا بالمئات، ثم بالآلاف:
– لأننا كنا شبابا متجذرين في هويتنا العربية الإسلامية؛
– لأننا كنا نريد تعميق انتمائنا لهذه الهوية في مواجهة موجة التغريب الثقافي المكرس من دولة شبه الاستقلال؛
– لأننا كنا نطلب مثالا أخلاقيا يقينا من طيش الشباب ويستثمر طاقاتنا في الخير والصلاح؛
– لأننا كنا رافضين لنموذج الدولة الوطنية المكرس زمن بورقيبة، القائم على سلطة الحزب الواحد والزعيم الأوحد، وعلى التبعية للغرب الاستعماري؛
– لأننا كنا رافضين للحيف الاجتماعي وللتفاوت المجحف بين الجهات؛
– لأننا كنا نحلم بإقامة دولة العدل والعدالة الاجتماعية المكرسة للقيم الإسلامية..
بعد سنوات من الانتماء للحركة الإسلامية بدأت الهالة المثالية المحيطة بالحركة وقيادتها تخفت في بعض نفوس الإسلاميين شيئا فشيئا، وظهرت عيوب البشر، وخلل الفكر، وقصور المنهج فيها، كما في أي جماعة أخرى.
– فعلى الصعيد الأول، سرعان ما أدركت شخصيا تحكم عقلية المشيخة فيها، وأنا من طبعي لا أقبل الخضوع لسلطة لا تجد أساسا لها في العقل العملي (الأخلاقي- الاجتماعي- المهني). والآن وبعد عقود من المكابرة وإخفاء الحقيقة، يتقدم مائة قيادي إسلامي بطلب تكريس سنّة التداول على المسؤولية لزعيم الحركة التاريخي راشد الغنوشي؛
– وعلى صعيد الفكر، ظهرت لي حدود الفكر الإخواني المهيمن على تفكير الحركة وقادتها وطوباويته وسذاجته (“الإسلام هو الحل” وصفة سحرية)، طوباوية وسذاجة انقلبتا به إلى التطرف الواضح مع حركات تفرعت عن الإخوان (التكفير والهجرة مثالا). ورفضا لهذا التوجه الإخواني السلفي الطوباوي اخترت توجها إسلاميا عقلانيا، تقدميا، وانضممت إلى مجموعة “اليسار الإسلامي” مع كل من احميدة النيفر وصلاح الدين الجورشي وعبد العزيز التميمي ومحمد القوماني ولطفي حجي ومنصف دريرة وغيرهم، فكانت تجربة مجلة الفكر الإسلامي المستقبلي (مجلة 15- 21، مع د. احميدة النيفر)، ثم منتدى الجاحظ للفكر المستنير مع الجورشي، وأخيرا رابطة تونس للثقافة والتعدد، مع د. احميده النيفر من جديد. وكان أبرز ما يميز توجهنا عن توجه الإخوان فهمنا المقاصدي للنص؛ القول بتاريخية تجربة السلف وبنسبية الاجتهادات في الفكر الإسلامي وفي الفكر الإنساني ككل؛ تبني المسألة الاجتماعية وقضية المرأة والانفتاح على الفنون المهذبة للذوق كالموسيقى والغناء والرسم؛ وأخيرا قولنا بالمشترك الوطني والإنساني واستعدادنا للإسهام بنصيبنا في بناء الحداثة وفق منظور أصيل مبدع.
– على صعيد منهج التغيير، كانت هنالك ازدواجية في الخطاب وفي العمل، طلبت الحركة الإسلامية الاعتراف بها تنظيما سياسيا حزبيا يعمل في العلن وفي إطار القانون، ولكنها ما زالت تستبطن حالة رفض الدولة، هذه الدولة الفاجرة الفاسقة، وحتى الكافرة لدى البعض. عندما تطالع الصفحات الأخيرة من كتاب “الحريات العامة للدولة الإسلامية” لزعيم الحركة الإسلامية بتونس راشد الغنوشي، تجده يصرح بأن الإسلاميين سيعملون من داخل الإطار المدني الديمقراطي على إقناع الجمهور بالشريعة مرة من بعد أخرى، حتى يقتنعوا بذلك، وعندئذ يمكن لهم إقامة الدولة الإسلامية. ولكأن هذه الدولة ليست بناء فعليا تراكميا في إطار التداول الديمقراطي على الحكم على محاور التنمية والعدالة الاجتماعية والمواطنة والاستقلال الوطني والرفاه والتقدم.
ليست المناسبة مناسبة الحديث عن مسيرة سياسية وفكرية وثقافية شخصية، ولذا أكتفي بهذا القدر، معترفا للحركة الإسلامية في مرحلتها “الرومانسية” بكونها:
– حمت شبابا كثيرين أمثالي من الانحراف الأخلاقي، بل أكثر من ذلك جعلت من بعضنا قدوات أخلاقية تقدم المثال في الصدق والتضحية والإيثار ونصرة الحق؛
– وفرت لهم إطارا اجتماعيا للتدرب على تحمل المسؤولية والقيادة؛
– منحتهم جرعة هامة من الجرأة والإقدام وعدم التهيب من المصاعب.
ولا زلت مقتنعا بضرورة وجود مثال أخلاقي حركي حضاري لدى الشباب في مواجهة مُثل التغريب، وأكثر منه التصهين والتفاهة. وعلى هذا الصعيد يمكن أن يستوعب الحراك الثقافي الحضاري ملامح متنوعة من الشباب المتصالح مع هويته ومع الحداثة بما هي نزع للسحر والطلاسم عن العالم والمتبني لمثل قيمية وأخلاقية سامية تعزز فعاليته الحضارية ولا تسلبه القدرة على المقاومة من أجل النهوض. وأعتقد الآن أن الحركة الإسلامية قد غادرت نهائيا مرحلة الرومانسية الأخلاقية والحركية، وأنها قد تحولت إلى حزب سياسي براغماتي مغال في براغماتيته، يحاول العمل من داخل الدولة وبنواميسها، ولكن للأسف ليس هذا فحسب، بل بالتطبيع مع المنظومة القديمة ومنوالها التنموي والاجتماعي الرأسمالي التابع. هنالك اليوم خط إصلاحي داخل الحركة الإسلامية نرجو أن يثمر تصحيحا لمسارها السياسي- الاجتماعي، أما “جناحها” (حزامها) الدعوي والثقافي، فهو في تصوري مرحلة عابرة في تطور الحركة الإسلامية، وهو مفتوح على احتمالين:
– فإما التطور إلى حراك ثقافي ذي محركات ذاتية لا علاقة لها بالأسباب والظروف التاريخية لميلاد الحركة الإسلامية بما هي ردة فعل على التغريب، وإنما ضمن فلسفة الثورة والدستور الجديد؛ – وإما الارتكاس إلى حالة” ميليشياوية” ناعمة، تقع فريسة الزبونية وتبتعد عن المثال الأخلاقي الذي تبنته الحركة الإسلامية خلال ثلاثة عقود، أي قبل عقد الثورة والانتقال الديمقراطي.



