في مقاله المنشور في مجلة «ذا نيشن» الأمريكية تحت عنوان “How Has the Idea of Revolution Changed” (كيف تغيّر مفهوم الثورة) [[1]]، يتناول الكاتب بيتر إي. غوردون، الكتاب الصادر العام الماضي 2025، عن منشورات جامعة برنستون، للمؤلف دان إيدلشتاين، تحت عنوان “The Revolution to Come: A History of an Idea from Thucydides to Lenin” «الثورة القادمة: تاريخ فكرة من ثوسيديدس إلى لينين» [[2]]، الذي يُقدم فيه أطروحة مفادها أن ما كان يُسمّى ثورة في الماضي لم يكن يعني القطيعة مع الماضي، بل كان في الحقيقة أقرب إلى فكرة العودة إلى الجذور.
يذهب إيدلشتاين إلى أن هذا المعنى القديم كان هو الفهم الشائع في الفكرين: اليوناني والروماني، وقد استمر حتى القرن الثامن عشر، ولم يتلاشَ إلا مع صعود فكرة عصر التنوير عن الثورة باعتبارها تقدمًا خطيًا في مجرى التاريخ، في تجاوزٍ للفكرة الكلاسيكية السائدة عن الدورات التكرارية للزمن.
ويُعرف إيدلشتاين، وهو أستاذ تاريخ بارز في جامعة ستانفورد، بكتاباته عن الثورة الفرنسية. وقد خاض كتابه الصادر عام 2009، بعنوان «رعب الحق الطبيعي»، في أكثر النقاشات حدةً حول عنف الثورة. إذ جادل فيه بأن فكرة الحق الطبيعي غذّت موقفًا من العداء السياسي الشديد؛ حيث رأى اليعاقبة خصومهم السياسيين ليسوا مجرد منافسين، بل «أعداء للشعب» أو «عدوّ الشعب».
ومن خلال ربط سياستهم بمفهوم الحق الطبيعي، أنتج الثوار الفرنسيون نمطًا فكريًا متعصبًا وخطيرًا في نهاية المطاف—أطلق عليه إيدلشتاين اسم «الجمهورية الطبيعية» —أعاد تشكيل السياسة حتى العصر الحديث. كما يرى أنه يمكن رصد سمات هذه «الجمهورية الطبيعية» في أسوأ تجاوزات عصرنا؛ إذ أسهمت في تبرير اللينينية والستالينية والنازية.
وفي كتابه الجديد، يقدم إيدلشتاين حجة مماثلة، وإن لم يعد يُلقي باللوم على مفهوم محدد كـ«الجمهورية الطبيعية».
وقد يُصنَّف هذا الكتاب ظاهريًا بوصفه دراسة في تاريخ الأفكار، إذ يتتبع «فكرة الثورة» كما تطورت وتغيرت على مدى نحو ألفي عام. ومع ذلك، فإن هذا العمل لا يُعدّ تاريخًا بالمعنى التقليدي؛ فهو عمل جدلي فريد من نوعه، وقد يشعر القراء بالحيرة إذا حاولوا تصنيفه ضمن الخريطة التقليدية للآراء السياسية من اليسار إلى اليمين.
ويُظهر إيدلشتاين في دراسته الجديدة معرفة واسعة بالتاريخ الأوروبي، وإتقانًا ملحوظًا لعدد من اللغات ذات الصلة بالموضوع. كما أنه بارع في إيراد الطرائف والنكات؛ إذ يستهل كتابه بسخرية لاذعة من الشيوعية. غير أن هذا الكتاب أيضًا من النوع الذي يثير أسئلة أكثر بكثير مما يقدّم من إجابات؛ إذ تتكاثر حججه وتتداخل بغزارة، إلى درجة قد يجد معها بعض القراء صعوبة في ربط بعضها ببعض. كما يسعى إلى دحض مسلّمات قديمة وتقديم رؤى جديدة حول نقاشات سياسية ظنّ كثيرون أنها حُسمت منذ زمن بعيد.
غير أن فرضية كتاب إيدلشتاين ليست جديدة تمامًا؛ فكلمة «ثورة» في أصلها اللاتيني (Revolutio) كانت تعني في الأصل: الدوران، أو الالتفاف، أو العودة إلى نقطة البداية. وفي السياق السياسي، كانت الثورة بهذا المعنى القديم تشير إلى أن الأنظمة تسلك مسارًا عضويًا يعيد في نهاية المطاف الترتيبات السياسية إلى نقطة انطلاقها. وكان هذا المعنى وثيق الصلة بعلم الكونيات القديم وبالفهم الكلاسيكي للزمن الدوري. إلا أن هذا المعنى قد تغيّر في مرحلة ما من القرن الثامن عشر؛ فعندما قدّم فلاسفة التنوير، مثل كوندورسيه، مفهوم التقدم التاريخي، أصبح من الممكن الإفلات من الدورة الزمنية، وغدا التاريخ أفقًا مفتوحًا. وهكذا، تحوّلت الكلمة التي كانت تصف سابقًا «العود الأبدي» [[3]]، إلى دلالة على انبثاق الاختلاف، والخروج عن الأنماط السابقة في السياسة والتاريخ.
ولإثبات وجهة نظره، يقترح إيدلشتاين العودة إلى بوليبيوس، المؤرخ اليوناني من العصر الهلنستي (نحو 200–118 قبل الميلاد)، الذي وصف في كتابه الضخم «تاريخ روما» التاريخ السياسي بأنه دورة متكررة تنتقل فيها الأنظمة من شكل دستوري إلى آخر. وقد تبنّى بوليبيوس ما يسميه إيدلشتاين «رؤية مأساوية للتاريخ»؛ إذ إن كل نظام يميل إلى التدهور: فالملكية تفسح المجال للاستبداد، والأرستقراطية للأوليغارشية، والديمقراطية للديماغوغية. وكان يرى أن السبيل الوحيد لتجنّب هذه الدورة الحتمية هو اعتماد دستور «مختلط» على غرار النموذج الروماني، يجمع بين أفضل ما في الأنظمة الثلاثة: فالقناصل يؤدّون وظيفة الملوك، وأعضاء مجلس الشيوخ يمثلون الأرستقراطية، بينما تُشغل المناصب عبر الانتخاب الشعبي.
وبحلول أواخر القرن السابع عشر، بدأت هذه الأفكار تظهر في أعمال طيف واسع من المفكرين السياسيين، من لوك إلى مونتسكيو، كما ألهمت الفاعلين السياسيين، ولا سيما في المستعمرات الأمريكية. فعند قراءة كتابات مؤسسي الولايات المتحدة، مثل ماديسون وآدامز، نجد إشارات متكررة إلى بوليبيوس تحديدًا، وتلميحات أوسع إلى التاريخ اليوناني القديم. وهذا ما يدفع إيدلشتاين إلى القول إن الثورة الأمريكية لم تكن ثورة بالمعنى الحديث، إذ لم تكن محاولة للتجديد السياسي، بقدر ما كانت استعادة للأفكار الكلاسيكية. وكان واضعو الدستور الأمريكي—على حد تعبيره—«آخر البوليبيين».
لكن إذا لم تكن الثورة الأمريكية ثورة بالمعنى الحديث، فماذا تكون إذن؟ هنا ينتقل إيدلشتاين إلى تناول الثورة الفرنسية وتداعياتها. ويجادل بأنه خلال الثورة الفرنسية تراجع مفهوم الزمن الدوري أمام تصور الزمن بوصفه تقدمًا، كما تراجع المثل الأعلى للحكم المختلط أمام فكرة ثورة نهائية مهدت الطريق لنزعات استبدادية.
كما يبدو إيدلشتاين أقل تعاطفًا مع الماركسيين وغيرهم من دعاة الثورة الاشتراكية أيضًا، إذ يراهم ميّالين إلى النزعة الديكتاتورية. ففي نظره، تجسّد الماركسية كثيرًا مما يراه خللًا في المفهوم الحديث للثورة. ويرى أن فكرة «ديكتاتورية البروليتاريا» ليست سوى مثال على وهم عامّ أصاب الحركات الثورية الحديثة. ومع ذلك، يُقرّ بأن «خيار الديكتاتورية» لم يكن محتومًا سلفًا، بل كان بمثابة «اختصار زمني» لم يبرز إلا بعد إيمان الثوريين بإمكانية تحقيق «مستقبل مثالي». وقد أسهم هذا الإيمان بعصر ذهبي قادم في توليد سرديات طوباوية وجّهت الخيال الجماعي نحو زمن مثالي ظل دائمًا بعيد المنال.
وفي ختام مقاله، يشير غوردون إلى أنه إذا تتبعنا دلالات كتاب إيدلشتاين، فقد ننتهي إلى أنه من الأفضل بالنسبة لنا التخلي تمامًا عن مفاهيمنا الحديثة للتقدم، والعودة إلى الفكرة القديمة للزمن الدوري. ويخلص في الأخير إلى أن الخلاصة الغريبة لهذا الكتاب المتميز: هي أننا لا نواجه في هذا العالم سوى خيارين: النضال أو الرضا بالوضع الراهن.
[[1]]https://www.thenation.com/article/society/revolution-to-come-thucydides-to-lenin/
[[2]]https://press.princeton.edu/books/hardcover/9780691231853/the-revolution-to-come?srsltid=AfmBOorgUIqPqIkeE_fkKQ7beI36D29l9PI9-7j81vGysp_kmOVAe7n-
[[3]] العود الأبدي هو مفهوم فلسفي قديم في الفلسفة الهندية، وعند الرواقيين وفلاسفة ما قبل سقراط في اليونان، ويعني أن الكون وكل الوجود، بما فيه من أحداث وتفاصيل، يتكرر إلى الأبد في دورات زمنية متتالية، وقد جعل الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه من هذه الفكرة محوراً مهمًا في فلسفته، خاصة في كتابيه (العلم المرح) و(هكذا تكلم زرادشت).



