«ليالٍ متتالية من الفوضى والعنف، وأضرار جسيمة لحقت بالمباني والسيارات والحافلات والبنى التحتية، وإصابة 12 شرطيًا. وتعرّض عشرات المتاجر والأكشاك والشركات المملوكة لمهاجرين أو لأشخاص من غير البيض للهجوم والحرق. ولقطات حية التُقطت من مروحيات تُظهر مطاردة الناس من منازلهم. وبينما تنقذ الشرطة طفلًا رضيعًا يبلغ من العمر شهرين، يقتحم ملثمون المنازل ويطردون أي أجنبي يجدونه، تاركين ما لا يقل عن 27 شخصًا بلا مأوى». [[1]]
هكذا افتتح الكاتب والصحفي سيماس أورايلي مقاله المنشور حديثًا في مجلة «نيو ستيتسمان» البريطانية تحت عنوان “The Belfast Riots: New Targets, Old Hatred” (أحداث شغب بلفاست: أهداف جديدة، وكراهية قديمة)، الذي استعرض فيه أعمال الشغب وجرائم الكراهية التي ارتكبت مؤخرًا بحق المهاجرين في مدينة بلفاست بأيرلندا الشمالية. مشيرا إلى أن الليالي القليلة الماضية في تلك المدينة كانت محبطة ومرعبة في آن واحد.
يحاول أورايلي الإجابة عن سؤال يطرحه كثيرون: كيف وصل سكان بلفاست إلى هذا الوضع؟ ويضيف أن معظم الإجابات عن هذا السؤال بدأت بالحديث عن فعل العنف المروع الذي يُزعم أن مهاجرًا سودانيًا ارتكبه بحق مواطن أبيض من المدينة. ويقول: صحيح أن هذه الجريمة البشعة استُخدمت ذريعةً من قِبل المتظاهرين، تمامًا كما استُخدمت أعمال شنيعة أخرى كنقاط انطلاق من قِبل بلطجية اليمين المتطرف. إلا أن هذا التفسير، بوصفه طريقة لشرح كل ما حدث لاحقًا، يفتقر إلى المنطق. فمن السخف تصديق اليمين المتطرف عندما يدّعي أن جريمةً مزعومة ارتكبها رجل سوداني واحد تبرر، أو حتى تفسر بصورة معقولة، شنّ حملة انتقامية ضد كل مهاجر أو شخص غير أبيض يمكن العثور عليه.
ويفضّل بعضهم الابتعاد قليلًا عن هذا الاستنتاج، فيُلقي باللوم في أعمال العنف لا على جريمة محددة واحدة، بل على استياء متراكم منذ زمن طويل من “الهجرة غير المقيدة”، على حد تعبير النائب الوحدوي جيم أليستر، في أعقاب أحداث شغب باليمينا العام الماضي. ووفق هذا الطرح، فإن هذه الأحداث، على الرغم من فظاعتها، تعكس غضبًا لدى بعض الأيرلنديين نابعًا من قلق مشروع، يتمثل في الاعتقاد بأن الهجرة قد تجاوزت الحد المقبول.
غير أن الكاتب يشير، في المقابل، إلى أن معدلات الهجرة إلى أيرلندا الشمالية لم ترتبط قط بأي ارتفاع في معدلات الجريمة، بل تمثل فائدة كبيرة للاقتصاد، بدءًا من العاملين في قطاعي الضيافة والزراعة، وصولًا إلى قطاعي التصنيع والأوساط الأكاديمية. ويُعدّ المهاجرون من أكثر الفئات إسهامًا في قطاعي الصحة والرعاية، إذ ينحدر 22% من مقدمي الرعاية في البلاد من خارج المملكة المتحدة وأيرلندا، وبدونهم، تؤكد تريسي ريد، الرئيسة التنفيذية لمجلس الرعاية الاجتماعية في أيرلندا الشمالية، أنه: «لن يتمكن هذا القطاع من الاستمرار».
وتتشابه هذه الإحصاءات عمومًا في المملكة المتحدة وأيرلندا، وكانت تُعدّ من المسلّمات، إلى أن بات من غير اللائق- بحسب أورايلي- أن يرددها سياسي بارز، أو صحيفة كبرى، مفضلين التملق والتلاعب بالرأي العام لمجاراة تصورات وتحيزات أولئك الذين يكرهون المهاجرين لأسباب عنصرية بحتة، بغض النظر عن مدى إسهامهم في المجتمع، وبغض النظر عن قلة عددهم.
[[1]]https://www.newstatesman.com/politics/2026/06/the-belfast-riots-new-targets-old-hatred



