“ليس في المذاهب أشرف من مذهبك، لتعلقك باللّه تعالى، فلا تنتم لمذهب أحد سواه، فإنه أشرف المذاهب، واستمر على حالتك، والزم الاعتدال فإنه طريق الرجال.” (كتاب مواقع النجوم لابن عربي)
يطل علينا بين فترة وأخرى نقد كبير للشيخ الأكبر: محي الدين بن عربي (شيخ العرفان الإسلامي (المتوفى 638 هجرية) تحت عناوين مختلفة، مرة أنه سني متعصب، بل ومن النواصب، ومرة أخرى أنه لا يمكن لأحد أن يمدحه ويضعه في مرتبة مقاربة لأهل البيت.. وبوجه عامّ فإن السنة يضعونه ضمن المذهب المالكي /الأشعري، بل وبعضهم يضعه على مذهب الظاهريّة لابن حزم! أما بعض الشيعة – لاسيما العرفاء منهم – فإنهم يعدونه شيعيا، وبحسب البحث الدقيق للشيخ قاسم الطهراني فهو شيعي بامتياز، وهذا ما أكده في كتابه: “القول المتين في تشيع الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي”. وأنا هنا أريد أن أقدم إشارات سريعة حول هذا الموضوع:
١: إن كتب الشيخ قد زُوّرت، وتمت إضافة الآراء الكثيرة لها، وهذا ما تحدث عنه عبد الوهاب الشعراني (المتوفى 973 هجرية) عندما قال إن نسخ كتاب الفتوحات المكية لابن عربي قد تم التلاعب بها في القاهرة، إذ نبه على ذلك في كتابيه: “اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر” و “لطائف المنن”، بل وزاد أن الدس شمل كتاب ابن عربي الأهم: “فصوص الحكم” وبذلك فهو لم يكن يشتم الشيعة، ولم يكن يغالي في أهل السنة..
٢: إن أي عارف – بحسب نظر العارف الأستاذ السيد علي القاضي رحمه الله تعالى – لا يمكنه السير والسلوك في طريق التوحيد إلا عبر حب أهل البيت وموالاتهم..
٣: إن ابن عربي صاحب الموسوعات الفكرية العميقة والعلوم الإلهية العجيبة هل كانت تغيب عن ذهنه المتبحر مقامات أهل البيت؟ أيعقل ذلك؟ بل إن العرفاء والمتصوفة جميعا يرون- وباتفاق منهم – أهمية مقامات أهل البيت وعلومهم، بل ويرجعون لها. ويمكنك أن تنظر لذلك -على سبيل المثال – كتاب: “تذكرة الأولياء لفريد الدين العطار”.
٤: إننا نتكلم عن التشيع هنا بوصفه حب أهل البيت، وليس بوصفه منطق الفقهاء واجتهاداتهم، ولقد ناقشنا ذلك تجوزا تحت عنوان التشيع. وفي هذا الصدد يقول العارف الشيعي: الشيخ محمد حسن وكيلي عن تشيع ابن عربي: تشيعه باطني، وبالتالي فهو ليس تشيعا فقهيا، ولذلك لا تعتبر الأفكار الفقهية للأشخاص معيارا لحقيقة التشيع والخلاص في الآخرة، بل هي من لوازم التشيع، والتي إذا كان أحد مطّلعا عليها فعليه الالتزام بها. ومعظم الذين يصبحون شيعة في الباطن لا يتمتعون بإمكانية الوصول إلى الفقه الشيعي كما هو حقه، ولا يتوقع منهم ذلك.
ولهذا فإن العرفاء والمتصوفة هم خارج لعبة الخلاف الفقهي.
إذ إن الخلاف بين المذاهب الإسلامية قائم على الشريعة، أي على مجموعة الأحكام والأوامر والنواهي الالهية المستنبطة من النصوص الدينية (القرآن والسنة)، وليس قائما على التجارب الذوقية، القلبية، الباطنية، المعرفية المتحصلة جراء التواصل مع الحق سبحانه، فكل المذاهب الإسلامية متفقة على أنه لا حقيقة بلا شريعة.
ولكن كيف غطت الشريعة على الحقيقة، واستولت على معانيها ودلالاتها وفق أسس مذهبية؟ بعبارة أخرى كيف تلوّن التصوف الإسلامي الذي هو سلوك أخلاقي/ ذوقي بين كافة المذاهب الإسلامية، بحسب القواعد الفقهية لهذا المذهب أو ذاك؟ أو لنقل: كيف ابتلع علماء الظاهر (الفقهاء) مسارات علماء الباطن (العرفاء) لصالح طرائق أو اجتهادات فقهية خاصة، على الرغم من اتفاق المتصوفة أو العرفاء على أن الشريعة وسيلة للوصول إلى الغاية (الحقيقة) عبر وسائطية (الطريقة)، فكيف أصبحت الشريعة هي الغاية بدلاً من الحقيقة، فأصبحوا يتصارعون على تفسيراتها وأحكامها التي اقترنت بالبعد السياسي (الإمامة)؟
إن اعتراضنا هنا بطبيعة الحال ليس على المذاهب، إذ إنها تعبر عن القراءات المتعددة للتجربة الإسلامية المؤسسة (القرآن والسنة) إنما اعتراضنا على أن يُمذهب التصوف، بل أن تُمذهب (الحقيقة العرفانية) لصالح الوسائلية (الشريعة)، ومن ثم تغدو منطلقاً للتنابذ والتصارع والعداء وسوء الظن، بل وحتى التكفير أحيانا!، وهذا الأمر يعني أن البوصلة قد انحرفت عن مسار (التوحيد) وعن مسار (النبي محمد صلى الله عليه وسلم)، وهما مطلبان جوهريان لدى المتصوفة والعرفاء (السنة والشيعة على حدٍ سواء).
إن مرد هذه الاشكاليات بحسب اعتقادنا يرجع إلى أمرين جوهريين هما:
1) مسألة الخلافة أو الإمامة التي بدأت من سقيفة بني ساعدة واستمرت إلى يومنا هذا.
2) مسألة نشأة المذاهب الإسلامية وتقعيد قواعدها وأحكامها الفقهية وقراءتها الشخصانية (نسبة لمؤسسي المذاهب).
من الواضح أن هذين الأمرين بكل حمولاتهما السلبية هما سبب هذه الإشكالات، خصوصاً بعدما أُدخلا في المعترك السياسي على يد السلطات السياسية المتعاقبة، والتي ساهمت إلى حد كبير في تقطيع الصلات بين المسلمين الموحّدين جميعهم. والأدهى والأمرُّ أنها قطعت الصلات بين المتصوفة والعرفاء (السنة والشيعة) فيما بعد، إذ أسهمت السلطتان: الأموية والعباسية في عزل الشيعة وإقصاءهم من المشهد الديني والثقافي بوصفهم خارج الجماعة الدينية مرةً، وخارج النظام الاجتماعي العام -لأنهم معارضون- مرةً أخرى، ولكن حصلت بعض الاستثناءات في القرن الثالث الهجري واستلم الشيعة بعض المناصب السياسية إبّان الحكم العباسي.
ولعل الجيل الثاني بعد ظهور الفقهاء الكبار والمؤسسين للمذاهب الإسلامية، هو من أنشأ القطيعة أو شبه القطيعة في كثير من الأحيان مع أهل البيت، ومع الخط الفقهي المنبثق عنهم، والذي بدأ يصنع لنفسه قلعة فقهية بمعزلٍ عن سائر المذاهب الإسلامية، على الرغم من أنه قد تأثر بكثير من معالجات واستدلالات وأقيسة أبناء المذاهب الأخرى..
وعليه فإن النظر بمنظار فقهي للتصوف والعرفان نظر خاطئ، لأن هذا المنظار تأسس تحت شروط اجتماعية وسياسية وثقافية بل وحتى اقتصادية مختلفة عن تجربة النبوة التي نعتقد أن تجارب المتصوفة والعرفاء هي وريثتها الحقيقية، بل إن القول النبوي الشريف: “علماء أمتي ورثة الأنبياء”، أ و”علماء أمتي خير من أنبياء بني إسرائيل” إنما المراد بالعلماء فيه هم العرفاء الكبار أمثال: ابن عربي والشيخ الجنيد والشيخ الكيلاني وآخرين كثر..
إن أهمية الحديث عن ابن عربي لا يدركها إلا من عرف أن بداية إقامة حداثة إسلامية إنما تنطلق من هذا الميراث الإنساني /التعددي/الرحماني/ الذي يمثله ابن عربي وكبار المتصوفة والعرفاء..



