في مقاله المنشور حديثًا في مجلة «فورين بوليسي» تحت عنوان “Chinese Hegemony Might Be Happening” (الهيمنة الصينية قد تكون وشيكة)، يقول عالم السياسة الخارجية الأمريكي ستيفن والت إنه قد كتب عام 2023 مقالًا أوضح فيه أن المخاوف من الهيمنة الصينية على جوراها الإقليمي (وهو شرط جوهري لتحقيق مقومات الهيمنة الدولية بالنسبة لأي قوة عظمى بحسب زميله وصديقه أستاذ العلوم السياسية الأمريكي جون ميرشايمر) مُبالغ فيها، إن لم تكن مجرد أوهام.[[1]]
وقد نشر والت نسخة مطوّلة من هذا المقال لاحقًا في عدد ربيع عام 2025 من مجلة «الأمن الدولي». وجادل فيه بأن معظم المحاولات الحديثة لهيمنة قوى معينة على محيطها الإقليمي لم تفشل فحسب -باستثناء الولايات المتحدة نظرًا لظروف استثنائية مواتية- بل إن احتمالات تشكّل تحالف قوي موازن ضد الصين في آسيا تبدو واعدة. فمعظم جيران الصين لا يريدون لها أن تُهيمن على المنطقة، فضلًا عن الولايات المتحدة. وبالنظر إلى ميل القوى الكبرى إلى موازنة التهديدات، خلص والت إلى أن أي محاولة صينية صريحة للهيمنة مرشّحة للفشل، وأن بكين ستكون مخطئة إذا سعت إلى تحقيق ذلك.
ويشير والت إلى أنه لا يزال يجد منطق هذه الحجة مقنعًا، لكنه لم يمنح وزنًا كافيًا لاحتمال أن يكون الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مندفعًا ومضللًا وغير كفؤ في إدارة السياسة الخارجية، كما أثبت بالفعل.
لقد فعل ترامب كل ما قد يفعله أي شخص يرغب، عن وعي، في أن تحل الصين محل الولايات المتحدة وتؤسس موقعًا مهيمنًا في محيطها الإقليمي. فقد استهدف أركان المؤسسة العلمية الأمريكية، وخفّض تمويل المؤسسة الوطنية للعلوم، وقام بتطهير مجلسها الاستشاري، وفصل علماء ذوي خبرة من عشرات الوكالات الحكومية، وشن حربًا مدمرة ضد الجامعات الأمريكية الرائدة. وذلك في عصر تُعد فيه البراعة العلمية مفتاح الإنتاجية الاقتصادية والقوة العسكرية؛ ولذلك يُعد هذا السلوك بمثابة نزع سلاح أحادي الجانب، في حين تفعل الصين عكس ذلك تمامًا.
كما تنازل ترامب للصين عن ريادة التقنيات الخضراء الناشئة، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، والبطاريات المتقدمة، والمركبات الكهربائية وغيرها، بينما ضاعف استثماراته في تقنيات القرن العشرين، مثل الوقود الأحفوري ومحركات الاحتراق الداخلي. وبينما تتزايد أعداد مراكز البيانات، وتتطلب الحياة البشرية المعاصرة كميات متزايدة من الكهرباء، تُنفق هذه الإدارة أموال دافعي الضرائب لمنع بناء مزارع الرياح. وبينما يتحرك العالم يوميًا نحو خفض استخدام الوقود الأحفوري والاعتماد بصورة أكبر على الطاقة الكهربائية النظيفة، يبذل ترامب، في المقابل، قصارى جهده لضمان أن يكون هذا المستقبل حكرًا على الصين لا الولايات المتحدة.
إلى جانب ذلك، فرض ترامب مجموعة من الرسوم الجمركية العشوائية السيئة التخطيط ضد الصين وغيرها، ثم تراجع عنها عندما أوقفت الصين صادراتها من المعادن الأرضية النادرة التي تعتمد عليها تقنيات متقدمة عديدة، مثل الهواتف المحمولة والحواسيب.
كما سحب ترامب ووزير خارجيته ماركو روبيو الولايات المتحدة من عشرات المنظمات الدولية -وهو مجال آخر تتزايد فيه الصين نشاطًا وتأثيرًا- مما يعني أن الولايات المتحدة لن تكون حاضرة عند وضع القواعد والمؤسسات التي تُشكّل الجوانب الجديدة المختلفة للعلاقات بين الدول. ويعني ذلك أنه خلال السنوات المقبلة، سيتعين على الشركات الأمريكية التعامل مع بيئات تنظيمية عالمية صاغت قواعدها جهات أخرى.
ثم أتت الحرب مع إيران لتزيد الطين بلة.
إذ تمثل هذه الحرب مصدر إلهاء هائلًا، يستنزف تركيز ترامب المحدود، ويستهلك وقت مستشاريه وجهدهم. فكيف تمكن صياغة استراتيجية فعّالة لآسيا، بينما ينشغل الرئيس وفريقه بمحاولة إيجاد طريقة لفتح مضيق هرمز؟
ويُعد ترامب رابع رئيس أمريكي يتولى منصبه متعهدًا بالتركيز على صعود الصين في آسيا، لكنه -مثل جميع أسلافه- انتهى به المطاف في مستنقع الشرق الأوسط.
كما قوّضت الحرب الوضع العسكري الأمريكي في آسيا، مثيرة تساؤلات مشروعة حول مدى فعالية ردّ الولايات المتحدة إذا اندلعت اضطرابات هناك. إذ تمتلك البحرية الأمريكية حاليًا ثلاث مجموعات قتالية لحاملات الطائرات في الشرق الأوسط، مقابل مجموعة واحدة فقط في شرق آسيا. كما أن الحاملات المتمركزة في الخليج موجودة هناك منذ أشهر، وستحتاج إلى فترات رسوّ وصيانة بعد انتهاء هذه الأزمة. وقد استهلك البنتاغون مخزون صواريخ «توماهوك» و«باتريوت» وغيرها من الأنظمة المتطورة بوتيرة متسارعة، بما يخلّ بقدرة الولايات المتحدة والتزاماتها الدفاعية في مسارح عمليات محتملة أخرى، ولا سيما في شرق آسيا.
ولا يبدو أن أحدًا في الإدارة الأمريكية قد أولى أدنى اهتمام لكيفية تأثير مهاجمة إيران مجددًا على شركاء الولايات المتحدة حول العالم. فقد كانت التداعيات وخيمة؛ إذ ارتفعت أسعار الغاز بصورة حادة في الفلبين واليابان وكوريا الجنوبية وغيرها، وتراجعت توقعات النمو الاقتصادي. أضف إلى ذلك التداعيات الاقتصادية والبشرية لنقص الأسمدة وتراجع غلة المحاصيل بسبب الحرب.
وفي ختام مقاله، يؤكد والت أن تعامل الإدارة الأمريكية الفوضوي مع الحرب لا يثير سوى شكوك جدية بشأن حكمة الولايات المتحدة وكفاءتها. ويقول إن النفوذ والمصداقية في السياسة العالمية ينبعان جزئيًا من القوة والمصالح المشتركة وإظهار العزم، لكنهما يعتمدان أيضًا على ثقة الآخرين بأن قادة الدولة يدركون ما يفعلونه. وبالنظر إلى أداء الإدارة الأمريكية حتى الآن، يطرح والت تساؤلًا جوهريًا: هل ينبغي لأي من حلفاء الولايات المتحدة في آسيا -أو في أي مكان آخر- أن يأخذ بنصائحها أو يصدق أي تعهد قد تقدمه؟
[[1]]https://foreignpolicy.com/2026/05/12/china-hegemony-asia-trump-summit/?tpcc=recirc_trending062921



