في مقالها المنشور حديثًا في مجلة «ذا نيشن» الأمريكية تحت عنوان “Palantir’s Manifesto Promises a Dystopian Future” (بيان شركة بالانتير يُنذر بمستقبل قاتم) [[1]]، تتناول الكاتبة إليزابيث سبيرز البيان، أو «المانيفستو» [[2]]، الذي أصدره أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لشركة بالانتير، والذي يُمثّل ملخصًا لأفكار كتابه الصادر العام الماضي (2025) تحت عنوان «الجمهورية التكنولوجية».
تقول سبيرز إنه في عصرٍ مضى، عاش الجميع في مجتمعاتٍ كانت أفكار النخبة الثرية فيها محصورةً في أذهانهم ودوائر علاقاتهم الاجتماعية والمهنية الضيقة. ثم جاء الإنترنت، الذي منح أيَّ شخصٍ لديه اتصالٌ لاسلكي أو هاتفٌ ذكي القدرةَ على بثّ أفكاره، المناسب منها وغير المناسب، لملايين الناس في آنٍ واحد. وكان من بين أكثر من انخرطوا بحماسٍ في هذا الأمر مليارديراتُ وادي السيليكون. وعندما نشر عالم الكمبيوتر الأمريكي مارك أندريسن مقالًا يزيد على 5000 كلمة بعنوان «بيان التفاؤل التكنولوجي» عام 2023، انتشر انتشارًا واسعًا، وأصبح بمثابة نموذجٍ لتصريحاتٍ مماثلة من قِبل العديد من الرؤساء التنفيذيين والمؤسسين في قطاع التكنولوجيا. وتشير الكاتبة إلى أن بيان أليكس كارب الأخير يشترك مع مقال أندريسن في الهفوات الفكرية ذاتها المتأصلة في هذا النوع من الأدبيات. إلا أنه نصٌّ أكثر تشاؤمًا، وأكثر معاداةً للديمقراطية، وأكثر عبثيةً في نظرته إلى العالم.
يؤكد بيان كارب، الذي نشره عبر منصة «إكس»، بشكلٍ أساسي على إمكانية تحقيق السلام من خلال الحرب، وأن المليارديرات الذين يروّجون لـ«سرديات كبرى»، على غرار إيلون ماسك، يجب أن يكونوا في موقع القيادة، وأن يُرسلوا المواطنين العاديين إلى ساحة المعركة، سواء رغبوا في ذلك أم لا. ومن بين التوصيات الواردة في بيان كارب اقتراحٌ بإعادة العمل بالتجنيد الإجباري؛ وهي فكرةٌ حمقاء للغاية — بحسب الكاتبة — في وقتٍ تخوض فيه أمريكا حربًا غير مبررة وغير قانونية، وتحظى بشعبيةٍ متدنية للغاية.
وتبدو هذه فلسفةً ملائمةً لمليارديرٍ يدير شركةً مزدهرةً بفضل عقود الدفاع، ويحب أن يصوغ سردياتٍ كبرى بنفسه. لكن العالم يقف اليوم عند مفترق طرق، حيث يتأثر جزءٌ كبير من اقتصاده بالذكاء الاصطناعي، وبحلقة الإنفاق والاستثمار المتشابكة التي يُكرّسها أمثال كارب وبيتر ثيل وإيلون ماسك وأضرابهم، ناهيك عن التداعيات الكارثية على أسواق العمل، مع استبدال الوظائف أو تغييرها.
إن إصرار أصحاب المليارات من رواد التكنولوجيا على إخبار العالم بدقة بما يهدفون إليه، وعلى كشف الجوانب السلبية الخفية، يهدف إلى تلقين الناس أفكارهم. ولكن إن لم ينجح ذلك، فلا يكترثون؛ بل سيواصلون مسيرتهم على أي حال.
ومن شأن هذه الأفكار المروّجة للحرب، من بين أمورٍ أخرى، أن تزيد أرباح شركة بالانتير. ولأن الدعوة إلى مزيدٍ من المعارك وتقليل الدبلوماسية ليست رسالةً تلقى قبولًا لدى العامة، يضطر كارب إلى إضفاء مسحةٍ من الجدية الحضارية على أجندته الأنانية. وعلى غرار ماسك، يُصوّر كارب نفسه مدافعًا بطوليًا عن الثقافة الأمريكية وقيم «الغرب».
لكن، بعيدًا عن هذه الميول المتقاطعة مع اليمين الترامبي، يعكس بيان كارب الأناني أيضًا النظرة الانعزالية لنخبة وادي السيليكون. فمجموعة المليارديرات من أقطاب التكنولوجيا غير مُلزمة بأن تكون موجودة في أي فضاءٍ يُنظر فيه إلى التأييد العلني للتعصب العنصري على أنه أمرٌ خطير أو مُسيء. وقد رأوا مرارًا وتكرارًا أنه لا توجد عواقب للترويج لنظامٍ استبدادي مُثير للحرب. فإذا كنت مليارديرًا، فنادرًا ما تواجه أي عواقب على الإطلاق، لأن كل مشكلةٍ يمكن حلها بالمال.
أما بالنسبة لكارب، فالمشكلة الراهنة التي يجب حلها هي «التعددية الجوفاء»، كما يسميها، والتي تُصر على أن تشمل الديمقراطية جميع المواطنين، بغضّ النظر عن خلفياتهم الثقافية أو ثرواتهم.
والنتيجة الحتمية لذلك، بالطبع، هي أن كارب يريد مزيدًا من الرقابة على المواطنين الأمريكيين، وعلى أيّ شخصٍ لا ينتمي إلى ما يعتبره «الحضارة الغربية» في الوقت الراهن. وفي غضون ذلك، يرى كارب أن هناك فئةً واحدةً تستحق مزيدًا من الخصوصية، ألا وهي فئة الشخصيات العامة. وهذا ادعاءٌ مُثيرٌ للدهشة في بلدٍ رئيسه متورطٌ في قضية إبستين، ومتّهمٌ بالعديد من الاعتداءات الجنسية، ومُدانٌ بالاحتيال المالي، ولم يُحاسب على أيٍّ من ذلك. بل إنّ الكشف عن سلوك دونالد ترامب الخاص قد أبرز مدى ضآلة أهمية المساءلة في النظام السياسي الأمريكي.
في الواقع، يعتقد كارب أن مشاكل البلاد لا تكمن في شخصياتٍ عامة نافذة مثله، بل في المواطنين الأمريكيين العاديين، الذين يرى أنه يجب عليهم تحمّل مخاطر وتكاليف الحروب التي تُخاض بالكامل. إذ يكتب: «يجب أن تكون الخدمة الوطنية واجبًا عامًا. ينبغي لنا، كمجتمع، أن نفكر في التخلي عن الاعتماد الكامل على المتطوعين، وأن نخوض الحرب القادمة فقط إذا تقاسم الجميع المخاطر والتكاليف».
كارب نفسه لم يخدم قط في القوات المسلحة، وليس لديه أطفال؛ لذا فهو لا يدعو إلى أي شيءٍ قد يعرّضه أو أيّ شخصٍ من أحبائه للخطر. ومثل العديد من مليارديرات وادي السيليكون، يسافر برفقة حراسةٍ شخصية تضمن سلامته على جميع المستويات، لكنه لا يمانع في تعريض حياة الآخرين للخطر إذا كان ذلك يبرر إنفاق المزيد من الأموال وضخها في شركته. ومثل أي تاجر حرب، سيواصل كارب ببساطة زيادة أرباحه، ولن يُجبره القانون أبدًا على القتال والموت في حربٍ لا طائل منها لمجرد أن مليارديرًا آخر يريد جني المزيد من المال.
وفي ختام مقالها، تقول سبيرز إنه لا توجد نظريةٌ متطورة في العلاقات الدولية وراء وصفة كارب الكارثية التي تدفع نحو مزيدٍ من التدخلات العنيفة العشوائية. وتشير إلى أن نزعته العدوانية تتجاوز حتى أكثر الصقور تطرفًا في مجال الأمن القومي. فهو يزدري صراحةً فكرة مناقشة أخلاقية تقنيات مثل أنظمة الاستهداف والمراقبة التي تسوّقها شركته. وتؤكد، في النهاية، أن كارب لا يُدرك أن الحرب برمّتها فشلٌ للدبلوماسية، ويجب اعتبارها الملاذ الأخير فقط، لا استراتيجيةً استباقيةً للدفاع.
[[1]]https://www.thenation.com/article/society/alex-karp-palantir-techbro-fascism/
[[2]] المانيفستو هو إعلان أو بيان يتضمن نيات أو دوافع أو آراء تخص ناشره، وقد يصدره فرد أو حركة سياسية أو حكومة، ومن أمثلته الشهيرة بيان الحزب الشيوعي.



