في مطلع مارس 2026، وطهران تختنق تحت سُحب سوداء تتصاعد من مصافي النفط المشتعلة، نشر الحساب الرسمي للبيت الأبيض مقطعًا مدّته أربع عشرة ثانية: شخصية سبونج بوب — ذلك المربّع الأصفر الذي نشأ عليه أطفال العالم — تسأل بصوتها المرح: «هل تريد أن تراني أفعلها مرّة أخرى؟»، ثم تتعاقب على الشاشة انفجارات حقيقية فوق أراضٍ إيرانية. ملايين عين شاهدت المقطع. وفي اليوم ذاته، ظهر مقطع آخر يفتتح بمشهد من لعبة (Grand Theft Auto) ثم ينزلق — بسلاسة مُرعبة — نحو لقطة حقيقية لمركبة إيرانية تتبخّر تحت صاروخ، فتومض على الشاشة كلمة «Wasted»: العبارة التي تظهر حين يسقط اللاعب صريعًا في اللعبة. وأرفق مدير الاتصالات في البيت الأبيض المقطعَ برمز الغشّ الذي يهب اللاعب ذخيرة بغير حساب.
قِف عند هذا المشهد طويلًا، أدِرْه في ذهنك كما يُدار الجمر في الكفّ حتى يُحَسّ لهبُه، فالذي وقع يتجاوز حملة اتصالات فجّة إلى ما يمسّ عصبًا عاريًا في صميم الوجود البشري: العلاقة بين العين والوجع. للمرّة الأولى في تاريخ الحروب كلّها تتقدّم أعتى مؤسسة سياسية لتُقدّم قتل الآدميين وفق وصفات صناعة المحتوى الرقمي: مقاطع لاهثة، إيقاع مسعور، مراجع من عالم ألعاب الفيديو، ونبض موسيقي يُوهم المُشاهد بأنه أمام مشهد حركة مُبهر — ويُنسيه أنّ تحت كلّ وميض جسدًا كان يتنفّس. فهل كانت «الصورة» — التي ظنّها الإنسان نافذةً على الحقيقة — قناعًا آخر ارتداه الوهم؟
قبل ألفي عام، تزاحم الرومان على مدارج الكولوسيوم ليُعاينوا مصارعين يسفكون دماء بعضهم تحت شمسٍ حامية، يرفع الإمبراطور إبهامه أو يُنكّسه؛ فيُكتب للمصارع أن يحيا أو يُقضى عليه في اللحظة ذاتها. يهتف الجمهور أو يهمس، ثم ينصرف إلى عشائه وقد أشبع نَهَمه من الدم. نقرأ هذا المشهد اليوم فنرتعد: أيّ همجية تلك! ثم نفتح هواتفنا لنُطالع المشهد ذاته مطليًّا بطلاء القرن الحادي والعشرين: الكولوسيوم صار شاشة، والمصارع صار مدنيًا إيرانيًا أو طفلًا فلسطينيًا، والإمبراطور صار خوارزمية تدفع بالمقطع الأكثر دمويةً إلى صدارة الترند. تبدّلت الأسماء والأدوات، وبقي الجوهر عاريًا: حشد يتلذّذ بالدم، وسلطة تسقيه.
غير أنّ بين المدرّج الحجري والمدرّج الرقمي هوّةً أعمق ممّا يبدو لأوّل وهلة. في روما، كان المتفرّج يبعد أمتارًا عن المحتضر: يسمع حشرجته، ويرى الرمل يشرب دمه، ويشمّ رائحة الحديد الساخن في الهواء. كانت المسافة بين عينه والوجع قصيرة، وكان تبلّده — إن تبلّد — تبلّدًا واعيًا: يدرك أنّ أمامه كائنًا يلفظ أنفاسه، ويختار أن يتلذّذ بمشهده رغم ذلك. أما في الحلبة الرقمية فقد جرى ما هو أشدّ مكرًا وأبلغ فتكًا: ذابت المسافة بين العين والوجع ذوبانًا تامًا. حين يمرّ مقطع سبونج بوب-القصف أمام شابّ في مقهى بالجزائر أو بالرياض أو بلندن، يعجز عقله — بنيويًّا — عن وصل الوميض المُبهر على الشاشة بالعظام التي تحطّمت تحته. الشاشة أنجزت ما عجزت عنه حلبات روما: أذابت الحدّ الفاصل بين الدم والبكسل، حتى لم يعد المتفرّج يعرف أين ينتهي اللحم وأين يبدأ الضوء.
ومَن يبحث عن لحظة المنشأ — عن البروفة الأولى التي جرّبت فيها هذه الحلبة أدواتها — فلن يجدها في مارس 2026 فوق سماء طهران. سيجدها قبل ذلك بأشهر، على تلك الرقعة الضيّقة من الأرض التي تُدعى غزّة، ففي أكتوبر 2023 وما تلاه، شهدت تلك البقعة تجربةً لم يعرفها تاريخ الإبادة من قبل: إبادة تُبَثّ حيّةً، ساعةً بساعة، أمام أعين العالم المفتوحة، من دون أن تتحرّك يد. أكثر من أربعين ألف شهيد — جلّهم أطفال ونساء — تحوّلوا إلى أرقام تتقافز على الشاشات كعدّاد لم يعرف السكون. رصدت الكاميرات كلّ شيء: المستشفيات وقد أُطبق عليها القصف والمرضى ما زالوا على أسرّتهم، والأطفال وهم يُنتشَلون من تحت الأنقاض بأيدٍ عارية ووجوه يلفّها الغبار والذهول، والأسر وهي تفرّ حافية نحو لا مكان بينما يلاحقها الموت. كلّ هذا بُثّ على المنصّات ذاتها التي تعرض وصفات الطعام ورقصات التيك توك — وكأنّ أشلاء الأطفال ووصفات الكعك ينتميان إلى جنسٍ واحدٍ من «المحتوى» القابل للتمرير.
والمفارقة أنّ شركات التكنولوجيا — صانعة هذه المنصّات — كانت تُخفي المحتوى الفلسطيني وتحاصر انتشاره: الخوارزمية ذاتها التي رفعت سبونج بوب-القصف إلى الترند هي التي وارتْ صرخات غزّة في أعماق الخطّ الزمني. كانت غزّة — إن شئنا الدقّة — المختبرَ الذي اختُبرت فيه عتبة تحمّل الضمير البشري، وقد انكسرت العتبة. العالمُ الذي شاهد أشلاء الأطفال في مستشفى الشفاء، وطالع تقارير المنظّمات الدولية عن مجاعة مصنوعة بقرار سياسي، وسمع محكمة العدل الدولية تُقرّ بوجود «خطر إبادة» — هذا العالم بعينه هو الذي جلس بعد أشهر يُشاهد مقاطع البيت الأبيض عن القصف الإيراني ويضغط «إعجاب». لم يكن هذا الانتقال من المأساة إلى الترفيه صدفةً: غزّة هي التي روّضت الإبهام، وعلّمته أن يعبر فوق الموت من دون أن يرتجف.
ولم يكن شيء من هذا عفوَ الخاطر، وفقًا لتحقيق أجرته شبكة (NBC News)، أطلق البيت الأبيض والبنتاغون عشرات المقاطع عبر إكس وتيك توك وإنستغرام، مصنوعةً بحرفيّة المُعلِن الماهر: طائرات شبحيّة تشقّ الغيم، وأهداف تتفتّت كما في سينما هوليوود، وموسيقى تصخب في الأذن صخب الدعوة إلى ملهًى ليليّ. وصف كريستوفر بورسل — وقد عايش آلة الاتصالات في البيت الأبيض إبّان غزو العراق — هذه الحملةَ بكلمة واحدة ثاقبة: «تلعيب» (gamification)، أي تحويل الحرب إلى لعبة، ولاحظ أنّ إدارة بوش أنفقت شهورًا في بناء حجّة سياسية — ولو واهية — لتبرير غزو العراق عام 2003، بينما اكتفت إدارة ترامب بإرسال سبونج بوب عقب القصف.
والـ«تلعيب» أبعد من أن يكون مصطلحًا عابرًا: إنه عمليّة إزاحة أنثروبولوجية تنتزع الضحية من حقل «الإنسان» وتُلقيها في حقل «الشيء». حين يُمزج القصف بمشاهد البولينغ والبيسبول ونينتندو — وهو ما فعلته تلك المقاطع حرفيًا — يتحوّل مَن يموت تحت القنبلة، عبر المونتاج والمؤثّرات، إلى «هدف» جرى «تصفيره». كلمة «Wasted» التي تومض حين يسقط اللاعب في لعبة (GTA) هي ذاتها التي أومضت حين تبخّرت المركبة الإيرانية. الكلمة واحدة، والسقوط واحد، والفارق الوحيد — أنّ أحدهما من بكسل والآخر من لحم ودم — قد صار، في عين المُشاهد، بلا قيمة. وكتب الإمام الغزالي في «إحياء علوم الدين» ما معناه أنّ القلب إذا أُغرق في الملهيات فقدَ صفاءه شيئًا فشيئًا، حتى صار كالمرآة التي علاها الصدأ فعجزت عن عكس أيّ صورة. والشاشة تفعل بالبصيرة ما تفعله الملهيات بالمرآة: تُغرقها في طوفان من الصور حتى تعمى عن ألم ما ترى.
وفي طيّات هذه القصة موضعٌ يستوجب التحديق، ففي اليوم الأوّل من الحرب، سقطت قنابل أمريكية على مدرسة ابتدائية للبنات في مدينة ميناب الإيرانية. خلص تحقيق أوّلي للبنتاغون إلى أنّ سبب القصف «معلومات استهداف قديمة» صنّفت المبنى جزءًا من مجمّع عسكري مجاور. معلوماتٌ قديمة. ومدرسةُ بنات. وحين سُئل ترامب عن الحادثة أجاب بثلاث كلمات: «أنا لم أسمع بها». ثلاث كلمات — في اليوم نفسه الذي كان فيه سبونج بوب يسأل الملايين: هل تريد أن تراني أفعلها مرّة أخرى؟
كيف يتساكنان في اللحظة ذاتها: مقطع رسوم متحركة يحتفي بالنار، ومدرسةٌ أكلتها النار وفيها أطفال؟ والقارئ حين يقف على هذا الخبر يستعيد حتمًا النمط ذاته من غزّة: مدارس الأونروا التي آوت النازحين ثم صارت أهدافًا، والخيام التي أُقيمت في «مناطق آمنة» ثم قُصفت وهي تغصّ بساكنيها. مدرسة بنات في ميناب، ومدرسة أونروا في جباليا — والكاميرا في كلتيهما تلتقط الانفجار من فوق، من عين الطائرة. لم يُركَّب عليها قطّ منظورُ الطفلة التي كانت تجلس تحته. واختيار الزاوية هذا أبعد من كونه قرارًا تقنيًا: إنه قرار وجودي — أيّ وجع يستحقّ أن تقع عليه العين، وأيّ وجع يُطمس قبل أن يُرى. الكاميرا التي ترينا القنبلة من الأعلى ولا ترينا الجسد من الأسفل إنما تُنتج واقعًا بلا ضحية. واقعًا نظيفًا. واقعًا صالحًا للتمرير.
قالت النائبة الأمريكية شونتل براون: «الحرب ليست ميمز، ولم تكن يومًا لعبة فيديو، ولن تكون مقطعًا على تيك توك». ووصف بول ريكهوف — الجنديّ القديم ومؤسّس منظمة المحاربين القدامى — مقطع (Call of Duty) بأنه «صبيانيّ ومرفوض». وأطلق جيمس غلاسمان — الذي تولّى الدبلوماسية العامة في عهد بوش — عبارةً تكاد تكون صرخة مكبوتة: «إن أردتَ التواصل فابدأ بأن تشرح للإيرانيين لماذا تقصف وطنهم — لم يكن المطلوب أن تُريهم كيف تنسف الأشياء». أما أبلغ ما صدر من هذه المنطقة التي يُراد لها أن تكون حلبة الكولوسيوم ومدرّجه معًا، فجاء على لسان وزيرة التربية والتعليم والتعليم العالي القطرية لولوة الخاطر، حين كتبت في اليوم العالمي للمرأة: «ليس ذنبنا أنكم فشلتم في المدرسة وتلقّيتم تعليمكم من أفلام هوليوود. العالم ليس فيلمًا، وهذه ليست لعبة (Call of Duty)، هؤلاء أرواح بشرية، خلق الله إن كنتم تؤمنون به حقًا. من فضلكم، توقّفوا عن تحريرنا، فقط اتركونا وشأننا، وسنكون بخير».
اعتراضات صادقة، غير أنها تقف عند قشرة الآفة وتترك لبّها. فالداء الأعمق أنّ هذه المقاطع وجدت ملايين الأفواه المفتوحة تبتلعها وتطلب المزيد. سبعون مليون مشاهدة لمقطع زعم أنه لصاروخ إيراني يُصيب مقاتلة أمريكية — وتبيّن أنه مسروق من لعبة فيديو. ثمانية عشر مليون مشاهدة لمونتاج عسكري يتمايل على إيقاع «ماكارينا». وقبل ذلك بأشهر، شاهد جمهور غربي واسع مقاطع تدمير غزّة مُذيَّلة بأعلام إسرائيلية ورموز احتفالية، بينما نشر جنود إسرائيليون صورهم أمام أنقاض المنازل وهم يرقصون على تيك توك. شاهدوا. وضغطوا «إعجاب». وعلّقوا بالأعلام والنيران والعضلات المفتولة. ثمّ أغلقوا الشاشة وطلبوا العشاء. هنا — في هذا الإبهام الذي ضغط «إعجاب» ثمّ مضى — يكمن الجرح، وقد لخّصته معالجة نفسية أمريكية بعبارة واحدة جارحة: «ما يُقلقني هو ردّ فعل الناس على الفيديو، أكثر من الفيديو نفسه». الفيديو عَرَض. والإبهام الذي ضغط «إعجاب» هو الداء.
ومَن يصغي إلى هذا المشهد بأذنٍ فلسفية يسمع فيه طقطقة بناء عتيق وهو يتصدّع: سردية «التقدّم الأخلاقي» التي ورثها الغرب من عصر التنوير، تلك السردية التي تزعم أنّ البشرية تصعد سُلّمًا من الوحشية نحو الرقيّ: من حلبة المصارعة إلى إعلان حقوق الإنسان، ومن الإعدام في الساحات إلى محكمة العدل الدولية، وكان الافتراض الذي تقوم عليه بسيطًا ومُطمئنًا: رؤية الألم تُولّد التعاطف، والتعاطف يدفع إلى الفعل — فكلّ جيل سيكون أرحم من سابقه، لأنه يرى وجعًا أكثر ممّا رأى مَن قبله. فأين نحن من هذا الزعم الوادع؟
فعلت الشاشةُ بهذا الافتراض ما تفعله النار بالورق: قلبته رمادًا. رؤية الألم بكثافة مفرطة، وبسرعة لاهثة، وعبر وسيط مُصمَّم أصلًا لنزع السياق — أنتجت العكس: لامبالاة هادئة، باردة، تكاد تكون بريئة. وغزّة هي الشاهد الأصرخ على هذا الانقلاب: لم تكن المشكلة في غياب الصورة — فصور غزّة غمرت العالم حتى الإغراق — وإنما في أنّ فائض الصورة أنتج عجزًا في الرؤية. كأنّ العين أُصيبت بداء عجيب: ترى كلّ شيء، وتُبصر شيئًا واحدًا — اللامعنى. والجوهر أنّ هذا الجيل لم يقسُ قلبه على الوجع — وهذا هو الفارق الذي يُدمي — وإنما فقد الأداة التي تجعله يميّز الوجع عن الضجيج. تومض صورة الجثة على الشاشة كما تومض صورة الكعكة، وتمضي كما تمضي، من دون أن يرتجف شيء في الداخل. عمًى مُصنَّع — تُنتجه الآلة ذاتها التي صُنعت في الأصل كي نُبصر.
وفي هذا المشهد صدًى بعيد لتحذير ابن خلدون في «المقدّمة» حين تحدّث عن أطوار العمران: حين يبلغ الترف غايته تفقد النفوس خشونتها، ويسري فيها التراخي، وتمسي اللذّة مطلوبةً لذاتها حتى يستوي عند صاحبها ما يُحمد وما يُذمّ. وما وصفه ابن خلدون في سياق الملذّات المادية ينطبق بدقّة مُذهلة على ملذّات النظر في عصرنا: حين بلغ «ترف الصورة» منتهاه — حين صارت العين تلتهم آلاف المشاهد في اليوم — فقدت النفوس قدرتها على التفريق بين مشهد يستوجب الوقوف ومشهد يستحقّ أن يُتجاوز. صارت الإبادة والإعلان يتعادلان في ميزان العين، كما تعادلت الفضيلة والرذيلة في ميزان المترف عند ابن خلدون.
وفي هذا التشخيص صدًى مُقلق لِما سطّره إتيان دو لا بويسي قبل خمسة قرون في «خطاب العبودية الطوعية»: الطاغية لم يملك يومًا من القوّة إلّا ما أهداه إيّاه المحكومون طوعًا. والشاشة — بالمنطق نفسه — لم تملك من سلطة التخدير إلّا ما يبذله لها الإبهام الذي يأبى أن يتوقّف، وكأنّنا نحيا في صلب مفارقة لم تتخيّلها سوزان سونتاغ حين كتبت عن «ألم الآخرين»: خشيَت أن تُبلّد الصورة المتكرّرة الحسَّ تجاه المعاناة، غير أنّ ما يجري اليوم أبعد من التبلّد — إنه إعادة تصنيف وجودية للألم ذاته. الألم الذي يُلبَس ثوب الترفيه يخلع عن نفسه صفة الألم في وعي المتلقّي — يمسي «محتوًى». والمحتوى قابل للتمرير، قابل للنسيان، قابل لأن يُعاد تدويره في ميمز. حين صارت أشلاء غزّة خلفيةً لميمات الحرب، ودخان طهران خلفيةً لسبونج بوب — فإنّ ما وقع يتخطّى انحطاط الذوق إلى انهيار في بنية الإدراك ذاتها. وهذا الانهيار — إن شئتَ — هو العلامة على أفول هذا العصر: أفول الحساسية التي كان العقل يُفترَض أن يصونها.
وأبو حيّان التوحيدي — أديب القرن الرابع الهجري وفيلسوفه — كتب عن نفسه في «الصداقة والصديق» أنه أمسى «..مستأنساً بالوحشة، قانعاً بالوحدة، معتاداً للصمت، مجتنفاً على الحيرة، محتملاً الأذى، يائساً من جميع من ترى..». كان يصف وحشة رجل واحد بين جموع أعرضت عنه. غير أنّ ما أنتجته الشاشة أوسع من وحشة التوحيدي وأدهى: مليارات يتشاركون الخطّ الزمني ذاته، ويُعاينون المشاهد ذاتها، ويقطنون متاهة بصرية واحدة — ومع ذلك كلّ واحد منهم وحيد في تمريره، مقطوع عن ألم ما يرى، محاط بحشود وهو — في حقيقته — منفصل عن كلّ حشرجة ودمعة تمرّ أمام عينه. صنعت الشاشة ما هو أفدح من العزلة: صنعت وهم الاتّصال. حشرتنا في حلبة واحدة وأوهمتنا أنّنا معًا، بينما كلّ واحد منّا يُمرّر وحده، ويُبصر وحده، ويُغمض وعيه وحده.
وها نحن أمام المفارقة الأخيرة: الحضارة التي ظنّت أنها تجاوزت الكولوسيوم حين أغلقت أبوابه قبل ألف وخمسمئة عام — لم تتجاوزه. وسّعته حتى صار بحجم الكوكب. في روما كان يتّسع لخمسين ألف متفرّج يسمعون الأنين. اليوم يتّسع لمليارات لم يعودوا يسمعون شيئًا. والمتفرّج الروماني كان — على وحشيته — يملك وضوحًا أخلاقيًا صرنا نفتقر إليه: كان يعرف أنه يُشاهد كائنًا يموت. أما المتفرّج الرقمي فيُشاهد الشيء ذاته ويحسب أنه يتصفّح «محتوًى»، وفي هذا الحسبان البريء — في هذا الخلط الوادع بين اللحم والبكسل — يتوارى أشرس أنماط الوحشية: وحشيةٌ فقدت الوعي بذاتها، ولم تعد تتعرّف على وجهها في المرآة.
يبقى سؤالٌ يلحّ على النفس كدوّامة: أيّ مآل ينتظر حضارةً حوّلت قتل أطفالها إلى فقرات رقمية تتنافس مع مقاطع القطط على عدد المشاهدات؟ أيّ ضمير يصمد حين تُعامَل إبادة غزّة وقصف إيران بالآليّة ذاتها التي تُعامَل بها حملة إعلانية لحذاء رياضي — الكلّ «محتوى»، والكلّ قابل للتمرير، والكلّ يذوب في نهر الخطّ الزمني الذي لم يعرف ضفّة؟
الإجابة لم تتبلور بعد. إنما ملامحها بدأت تتراءى في مشهد يتكرّر كلّ ساعة في كلّ مدينة على وجه الأرض: إنسان في مقهى يحتسي قهوته ويمرّر شاشته بإبهامه. تعبر أمامه صورة أنقاض مدرسة في ميناب — يتوقّف لطرفة عين — ثم يمرّر. تعبر صورة طفل فلسطيني يُحمَل في كفن أبيض — يتوقّف لطرفة أخرى — ثم يمرّر. يبلغ سبونج بوب والانفجارات. يبتسم — أو ربّما يزفر — ثم يمرّر. يبلغ وصفة معكرونة. يحفظها. ويمرّر. هذا الإبهام — إبهام التمرير العابر بين الأنقاض والمعكرونة — قد حلّ محلّ إبهام القيصر الذي كان يُقرّر مصير المصارع. إنما مع فارقٍ جوهريٍّ أخير: القيصر كان يعلم أنه يختار. أما نحن فنمرّر — ونحسب، في قرارة أنفسنا، أننا لم نختر شيئًا.
كان الكولوسيوم مبنيًّا من حجر وعرق عبيد، أما الذي نجلس فيه الآن فمبنيٌّ من لامبالاتنا. جدرانه — التي تبدو لنا شفّافة — هي أثخن جدران شيّدها بنو آدم: جدران تفصل بين مَن يُشاهِد ومَن يحترق، وتُلبس هذا الفصل ثوبَ البداهة والعاديّة. والقرآن حين قال: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا﴾ كان يرسم ما هو أعمق من العمى: كان يرسم هذه اللحظة بالذات — لحظة يملك فيها الإنسان عينين مفتوحتين وقلبًا مُوصَدًا. هل تريد أن تراني أفعلها مرّة أخرى؟ — مرِّر.
المصادر
1. Reuters / Detroit News. “SpongeBob, Iron Man and Call of Duty: Inside the U.S. Meme War Against Iran.” March 7, 2026.
2. NBC News. “The White House Compares Deadly Conflict to Video Games and Movies in Memeified Videos to Win Support for Iran War.” March 13, 2026.
3. NBC News, ibid.
4. Kristopher Purcell, former White House Communications Dept. Quoted in Reuters / Detroit News, March 7, 2026.
5. NBC News. Videos titled “STRIKE” (bowling/bombing), baseball-bombing, Nintendo Wii juxtaposition. March 2026.
6. Rep. Shontel Brown (D-Ohio), statement on X, March 2026. Cited in Yahoo News / HuffPost.
7. Paul Rieckhoff, founder of Independent Veterans of America, statement on X. Cited in Yahoo News / HuffPost.
8. James Glassman, former Under Secretary of State for Public Diplomacy. Quoted in Reuters / Detroit News, March 7, 2026.
مصادر إضافية
Susan Sontag. Regarding the Pain of Others. Farrar, Straus and Giroux, 2003.
Étienne de La Boétie. Discours de la servitude volontaire. 1576.
أبو حيّان التوحيدي. الصداقة والصديق. تحقيق إبراهيم الكيلاني.
ابن خلدون. المقدّمة. تحقيق علي عبد الواحد وافي.
أبو حامد الغزالي. إحياء علوم الدين. دار المعرفة، بيروت.



